نازلة "البوكر" والقانون وقضايا القيم

نازلة "البوكر" والقانون وقضايا القيم
الإثنين 27 أكتوبر 2014 - 16:47

أثير نقاش واسع عبر الشبكة العنكبوتية وفي بعض الصحف الوطنية حول القمار في المغرب، لكن هذه المرة من زاوية جديدة و خاصة ترتكز على تصريحات تحاول رفع صفة القمار، و بالتالي الحرمة، عن لعبة “البوكر”. وقبل التعرض بالنقد لتلك التصريحات لا بد من تسجيل أن النقاشات المثارة حول الموضوع لا تخلوا من توظيف سياسوي أبعدها عن نطاق النقاش الفكري الجاد، وبعض ما كتب في الصحافة لا يخرج، مع الأسف الشديد، عن النهج المنحرف عن نبل مهنة الصحافة في الكتابة عن أبناء الفاعلين السياسيين أو الاقتصاديين وأسرهم ومعارفهم، وذلك النهج المنحرف غالبا ما يكون الغرض منه هو المس والتشهير بهؤلاء الفاعلين، أو تحقيق “الإثارة” قصد الترويج التجاري على حساب معاناة الآخرين لا غير.

إلا أن قسطا من تلك النقاشات تعبر في عمقها عن نوع من الصدمة الفكرية والقيمية حول “الرأي” غير المسبوق الذي أعلن في هذا الموضوع و يحاول التشكيك في كون “البوكر” من ألعاب القمار.

الموضوع كما أثير في الاعلام له عدة أبعاد، منها ما هو قيمي، ومنها ما هو قانوني، ومنها ما هو حزبي وسياسي. في هذا المقال لن نهتم بالبعد الأخير (الحزبي والسياسي)، لأننا نروم من المشاركة في النقاش حصره في المجال الفكري والقيمي بعيدا عن التشويش السياسي أو السياسوي.

وفي إطار الملاحظة السابقة نتوقف عند تصريحات تتعلق بمسابقات لعبة “البوكر” و تعتبر أن “أشخاصا يحرمون مثل هذه المسابقات لأنهم يعتبرونها قمارا” فيما صاحب التصريح، حسب المصادر التي أوردته، يعتبر تلك المسابقات “ليست محرمة قانونيا، وشرعيا فيها نظر“.

و تطرح هذه التصريحات عدة إشكالات، سوف نناقش أهمها.

الإشكال الأول يتعلق بإقحام القانون في تحديد ما هو حلال وما هو حرام. وجاء هذا الإقحام بشكل واضح في محاولة تفنيد الأساس الذي يرفض من خلاله من سماهم صاحب التصريح بـ”أشخاص” لعبة “البوكر”. و ذلك الأساس هو اعتبار “البوكر” قمارا، والقمار حرام لا جدال فيه. ومعلوم أن آلية التحليل والتحريم (الإفتاء الشرعي) آلية مستقلة عن آلية وضع القوانين، وأن كل ما هو قانوني ليس بالضرورة حلالا، وكل ما هو حلال ليس بالضرورة قانوني. و من وجهة نظر القيم الاسلامية نجد أن القوانين المغربية تبيح الكثير من المحرمات. و هذا ليس بالأمر الجديد. فتلك القوانين تبيح الربا في المعاملات المالية.

و تبيح الخمور و الكحول في كل مراحلها (الانتاج، والترويج و البيع و الشرب)، و تبيح التبغ (مع تسجيل الخلاف في حرمته) في كل مراحله أيضا. وهذه القوانين التي يُستدل بها تبيح أيضا القمار بكل أنواعه الخطيرة في إطار مؤسسات خاصة هي “الكازينوهات”. و بالطبع فهذه المحرمات لا تقدم بأسمائها الأصلية الحاملة للمضمون القيمي الذي يجعلها حراما (في الدين)، وإنما تقدم تحت تسمية ماكرة هي “ألعاب الحظ” بالنسبة للقمار، و “المشروبات الروحية” بالنسبة للخمور، و”الفائدة” بالنسبة للربا. لذلك فكون القمار، وليس فقط لعبة “البوكر”، غير محرمة قانونيا لا يرفع عنها الحرمة الشرعية نهائيا.

المسألة إذن لا تتعلق بالقانون والذين ناقشوا المشاركة في لعبة “البوكر” ناقشوها من وجهة نظر دينية شرعية.

الإشكال الثاني، يتعلق بالقول إنه من الناحية الشرعية المسألة فيها نظر. و هذا القول يفيد شيئا واحدا هو أن “البوكر” قد يكون له وضع آخر غير القمار! وبالتالي يكون له من الناحية الشرعية حكم آخر غير الحرمة. ورغم أن صاحب الرأي المذكور لم يقدم أية أدلة تدعم ما ذهب إليه، فإن البحث لم يسعف في إيجاد رأي أصدرته جهة (شخص أو هيئة) لها مصداقية في الفقه و الفكر الاسلاميين تضع مثل تلك الألعاب في خانة أخرى غير خانة القمار، و جولة في المواقع الرسمية للمؤسسات الدينية الرسمية وغير الرسمية في العالم الاسلامي بسنته وشيعته، تكشف “إجماعا” حول اعتبار ألعاب المائدة في الكازينوهات، مثل “البلاك جاك”و ” الروليت” و”بوكر”، من القمار البين. مما يعني أن من يعتبرون “البوكر” قمارا ليس مجرد “أشخاص”، كما زعم صاحب الرأي، ولكنه توجه عام في العالم الإسلامي نجده حتى في أوساط القمارين. وهذا التوجه يمكن وصفه تجاوزا بـ”الإجماع” ما دام أن الرأي الذي يصنف “البوكر” خارج ألعاب القمار شاذ و لا تجده سوى وسط نخبة لا ترى بأسا أيضا في تعاطي باقي المحرمات.

الإشكال الثالث، حتى لو فرضنا جدلا وجود خلاف حول تصنيف “البوكر” ضمن ألعاب القمار المحرمة شرعا، فإن أضرار تلك الألعاب النفسية (الإدمان وأزمات ما بعد الخسران) والاجتماعية ( مشاكل أسرية، …) والاقتصادية (الافلاس المالي، إنتاج رساميل ريعية لا يستفيد منها الاقتصاد الوطني إلى الفتات …) تفرض واجب التحفظ خاصة حين يتعلق الأمر بالتصريح لوسائل الاعلام التي تمارس وظيفة التربية والتثقيف، وبأشخاص مصرحين لها لهم وضعهم الاعتباري في المجتمع، مما قد يدفع المترددين إلى خوض غمار ألعاب القمار وارتياد “الكازينوهات”، و يدفع لوبيات مروجي ثقافة القمار في المجتمع إلى توظيف هكذا تصريحات في تسجيل اختراقات أوسع في المجتمع. والأضرار التي ذكرت بالإشارة سابقا، عكس الرأي المبيح للعبة البوكر، موجودة على الشبكة العنكبوتية في دراسات و تقارير إعلامية رصينة ليس في الدول الاسلامية ولكن في الغرب الواقف وراء صناعة القمار. و يعلم صاحب الرأي الذي نناقشه أن الحكمة والقاعدة في التحريم في المعاملات تدوران حول الأضرار والمفاسد التي ينطوي عليها الشيء المحرم.

الإشكالية الرابعة، تتعلق بكون الحالة التي أثير حولها النقاش في الحقيقة تقدم دليلا قويا، من زاوية القيم، حول مدى شرعية ( وليس قانونية) لعبة “البوكر” ومثيىلاتها حين تلعب بغير المال أو ما قد يكون محله في الأنترنيت أيضا، حيث أننا أمام تجربة تؤكد أن ألعاب العالم الافتراضي يكون لها دور الاعداد لتلك الألعاب في الواقع الذي ليس سوى “الكازينوهات”.

إن التصريح بكون القانون لا يحرم “البوكر” و أنه من الناحية الشرعية مسألة فيها نظر، يعد أمرا مرفوضا بالمطلق، لأنه بالإضافة إلى تهافته علميا و واقعيا، فإنه يستبطن رفع الحرج عن إتيان أحد أهم ألعاب القمار الذي تحول إلى ظاهرة في المغرب يتسع نطاقها سنة بعد أخرى بمبررات “المنافع” الاقتصادية. وهذه “المنافع” تفوق في دلالتها و أهميتها “المنافع” الفردية للأشخاص. و إذا جازت إباحة “البوكر” لما له من “منافع” فردية تهم ما يسمى “رياضة العقل” فإن محرمات كثيرة بنص القرآن لا تخلو من “منافع” تم توسيع نطاقها بتحويلها إلى صناعات، فهل نراجعها خاصة أنها اليوم تسوق بغير أسمائها التي وردت بها في القرآن والحديث محرمة، وتبيحها القوانين؟

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

7
  • الرياحي
    الإثنين 27 أكتوبر 2014 - 22:55

    البوكير pockerهو فقط رياضة للعقل مثل الرياضيات وتمرين للتحكم في النفسself control وكذلك كما يبيع العامل جهده force du travail بأجيرة حلال فتبيع العاهرة جسدها بأجيرة أكثر حلال .أما الخمر فيكفي تبديل الإسم فشتان بن الخمر ورحيق العنب أو الراح …لأنه لم يحرم إلا الخمر أما "الروج" فحلال كلامي موجه لأبناء الطبقة التيوقراطية التي "بفضل ربي" تتكون أمام أعين المغاربة.هذه الطبقة تحرم على أبناء الشعب القمار وتحلله أو تريد إرجاع النظر لما يتعلق الأمر " بربّوجها".في آخر الأمر أضحكوا تمرغوا ضحكا فالضحك حلال ، أضحكوا قبل أن يحرمون عليكم الضحك.

  • متتبع
    الثلاثاء 28 أكتوبر 2014 - 01:04

    مقال في الصميم. والمأمول من حركة التوحيد والإصلاح ومن الشيخ الريسوني الإدلاء بالرأي في تصريح محمد يتيم القيادي بالحركة. فهل سيتغلب الواجب الديني أم المصلحة الحركية؟

  • المختار السوسي
    الثلاثاء 28 أكتوبر 2014 - 01:29

    نفضل لو شرحت لنا هل يجب ان تكون ممارسا للبوكير او انه شرط واجب للانخراط في حركة التوحيد و الاصلاح .’؟؟

    و حبذا لو شرحت لنا .لماذا القيادي في حركة التوحيد و الاصلاح يحلل البوكير او القمار ؟؟؟

    و ما فيها باس ان تقول لنا هل البوكير من انشطة الحركة الثقافية ؟؟؟

  • AnteYankees
    الثلاثاء 28 أكتوبر 2014 - 05:48

    الصدمة الفكرية والقيمية حول الرأي غير المسبوق الذي أعلن في موضوع اللعب الحممي يحاول التشكيك في كونه زنا، بعدما هذا التقدم العلمي في صناعة الواقي الطبي.
    فإذا كان الخوف من وقوع اختلاط الأنساب هو تحريم الزنا، فالغازل الطبي حل المشكل و بذلك فالممارسة الحميمية بالعازل لا تعد زنا، و لذا قررت لجنة الإفتاء أن السياحة الجنسية لا ضرر فيها و أنها تدر أموال طائلة على أصحابها و المنتفعين منها. ولما سلف، على المغاربة الاستعداد لجني أموال كثيرة بدون عناء و الاستغناء عن العمل المضني و تشييد أوراش للعازل يمكن أن تجعل من المغرب من مصدريها. حسبي الله و نعم الوكيل و أستغفره و أثوب إليه.

  • محمد
    الثلاثاء 28 أكتوبر 2014 - 06:24

    تحليل سليم و رزين
    مقال راقي يترفع عن السياسوية و الشعبوية
    شكرا للكاتب و لهسبرس

  • driss y
    الأربعاء 29 أكتوبر 2014 - 18:01

    يسألونك عن أخمر و الميسر قل غيهما اثم كبير و منافع للناس و اثمهما اكبر من نغعهما

  • عادل
    الأحد 2 نونبر 2014 - 09:30

    الاستاذ المحترم،
    انا اتفق معك تماما في كل ما ذهبت اليه او لنقل جله.
    المشكل يكمن في ان تحليلكم انطلق من ظاهر ما نشر على لسان صاحب التصريح الذي لم يحلل البوكر أبدا واتحدى من قال ذلك ان يأتي بالدليل.
    تصريح الأب انطلق من كون الابن صرح انه لم يشارك بمبلغ مالي للدخول الى المسابقة والعهدة عليه.
    انطلاقا من ذلك وحيث ان الميسر شرعا يشترط ان يكون هناك رهان "فهناك نظر" في كون ذلك قماراً
    اذا لم تتم المراهنة واعتبر ذلك منطقياً.
    أظن انه كان لا بد من أخذ هذا بعين الاعتبار في تحليلكم الذي أراد ان يكتسي العلمية والموضوعية

صوت وصورة
أسعار الخضر تواصل الارتفاع
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 12:15 5

أسعار الخضر تواصل الارتفاع

صوت وصورة
الاستشارة الفلاحية تواكب الزيتون
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 10:42

الاستشارة الفلاحية تواكب الزيتون

صوت وصورة
وزير الفلاحة والتنمية القروية
الإثنين 2 نونبر 2026 - 22:49

وزير الفلاحة والتنمية القروية

صوت وصورة
المحروقات تثقل كاهل السائقين
الإثنين 2 نونبر 2026 - 22:28 3

المحروقات تثقل كاهل السائقين

صوت وصورة
ميطا 3 | غضب جماهيري وإقالات
الإثنين 2 نونبر 2026 - 21:16

ميطا 3 | غضب جماهيري وإقالات

صوت وصورة
أول الفهم | الإنسان القديم والهاتف الذكي
الإثنين 2 نونبر 2026 - 21:11

أول الفهم | الإنسان القديم والهاتف الذكي