توصلت برسالة من محدثتي ذات الأصول المشرقية . تفاعلت مع نصها الثري، وأردت أن أنقله للقارئ بلغة الحاكي.
“عزيزي، أكتب إليك هذه الرسالة، وأنا أعيش على ذكريات أيامنا الجميلة التي قضيناها في حضن الوطن. اليوم ، قررت أن أصلي صلاة الموتى في القبور، و أحلق عاليا قبل أن أرسم لك هذه الصور، فلا تقول لي:
– “عدي إلى بيتك .. فبيتي غريب و فضاءه مهجور، و سماءه حزينة .”
لم أعد أطيق الكلام عن واقعي المعيش. أحوال البلاد و العباد أضحت بعيدة عن الحقيقة . أصيب الانسان بمرض السطحية، فحول الفضاءات الانسانية إلى ركام من الجثث .
كل يوم يأتي الدجالون و المستهترون للرقص و اللعب على حبلين، و في بعض المرات يلعبون على كل الحبال بمختلف الالوان و الاشكال . يختارون الحبل حسب مقاس أهدافهم ، فحبال الموت مثلا ، تختلف عن حبال الضحك على المتفرج ، و عندما تدق طبول “البركة المقدسة” ، يرسم كل واحد منهم خطابه بلون معين منتهزا كل الفرص الموجودة و الضائعة . لم يعد بالإمكان أن نعشق الحياة أو نحب . لقد سمموا عواطفنا باسم المصلحة العامة .
عندما أقرأ نصوص الاولين، يظهر لي أن وطن ابن رشد و ابن بطوطة لم يعد كما كان في الأزمنة الغابرة . آنذاك كان الناس يحملون حقائبهم و يتوجهون الى مدارس العلم و المعرفة و الابداع الفني، و كل أصناف الادب . في الحالة الراهنة، أضحت البلاد ملاذا للهذيان الاعلامي و الفني و السياسي، و حتى المجتمعي . إعلم ، يا رفيقي أن غربتي باتت غربتين، واحدة باطنية و أخرى ظاهرية، لكن أقسى الاغتراب هو عندما ترى وجوها وقد مسخت، و خطابات ضاعت بين خطوط التماس في اليمين و اليسار و الوسط و حتى في اللامكان . فقدنا المعاني و الأماني .
تحولت الأرض عندنا إلى طوائف و جماعات و ملل و نحل، و حتى مجموعات و عصابات سخيفة تقتل باسم الله و الحب و السياسة و الحكم . الليل أشد من السواد ، و الحزن يخيم على الأجواء كما وقع في تلك الليلة التي كان فيها رفيقي يحاكم لوحده، فقط لأنه أحب . كم كان ليله طويل و هو يواجه نفس التهمة التي توجه إلي في كل مرة أعلن فيها عن هوسي الكبير . كم مرة نطق القاضي بالحكم، و فرض علي الاقامة الجبرية لسنوات، بل منعني حتى من قضاء حاجاتي الطبيعية . سأتذكر سقراط و كيف أختار موته بنفسه عندما تناول السم أمام أعدائه و أنصاره . أما أنا فقد اخترت الموت في سبيل كل المحبين، وسأختار طريقة موتي بالرحيل عن نفسي .
عزيزي ، دعني أن أسالك و أسأل الرحيل . هل نملك قسطا كافيا من الجرأة حتى نقول الحقيقة الواضحة دون التباس أو مراوغة أو استهتار ؟ لقد قلت في كلامك و نحن في تلك المقهى المهجورة : ” ضاعت المفاتيح في بحر الغرباء ..و مات الأمل في النفوس. فلماذا نبحث عن المجهول في غابة الذئاب ؟
من فرط السهر و شدة الملل و فراغ الرؤوس و ضعف الرؤية و انتصاب السخافات و سوء التقدير، باتت الساحات العمومية فضاء للموت . يمتلأ سوق البشرية بكل شيء، حيث يباع فيه كل شيء، و يكون الانسان أرخص الكائنات على قارعة الطريق .
لا أحد يعرف لا ابن باجة و لا ابن رشد، و لا حتى الغزالي. يجهلون حتى الأحياء من أهل القلم ، لكنهم يمدحون الأشباح ليل نهار، و يظنون أن التفاهة هي مصدر فخر و اعتزاز . تأكد أن هذا الظلام يمنحني قدرة جديدة على إعادة القراءة ، أعني قراءة سيكولوجية الانسان المقهور لمرات عدة، عسى أن أعثر على منابع الانحطاط .
يكفيك يا صديقي أن تتابع ما يثير المسامع من ضجيج مقزز، و موسيقى هابطة، و طرب ينتحر . أما الصورة و الشاشة فيغتالهما التكرار الرخيص و الإطناب. يخاف المرء أن يتجاوز واقعه ويحلم كالفراشات في الربيع . يخاف كل واحد منا على نفسه . لو لم أكن قارئة لنصوص الاغريق و الالمان و الفرنسيين و العرب القدامى، لما صدقت أن ما تراه عيوننا هو هراء .
لا أنكر عليك أن الكلام و السمع و البصر و حتى حاسة الشم مطوقة في البلاد من طرف أبي جهل و السفلة . عندما أتابع شؤون الساعة أتذكر موت ابن المقفع من شدة التعذيب، و ابن رشد و محنته و دفنه مرتين، و حرق لسان الدين ابن الخطيب، و اغتيال المثقفين و الكتاب و الساسة ..
هل سأغادر المكان و أظل مغتربة أكتب الشعر حتى أحس بأن لي وطنا التجأ اليه، أم أنني سأردد ما قاله عيسى عليه السلام : لا أحد هو نبي في وطنه، أم أجدد عزائي في ما يقوله نيتشه و ماركس و الفارابي و أفلاطون و ابن سينا و بتهوفن و موتسارت ؟
صديقي، لابد أن أرثي ثقافتنا التي تحولت إلى فراغ قاتل يروجها إعلام رديء، هدفه التقرب و الاحتماء بالكراسي الخشبية الغليظة . إن الأمر بلغ درجة من الهلوسة و الاضطراب، ما جعلني أخاف عن مستقبل الحالمين .
و بما أنني قررت اعتناق ديانة جديدة، و العيش مع أهل ديانة مغايرة، فإن حجم الانفصام يكبر كما تكبر السماء لتحجب الارض . كم تذكرت حكاية التوحيدي الذي قرر حرق كتبه بنفسه لأنه يئس من أهله و بني جلدته ، فما جدوى الكتابة في وسط جمهور جاهل و حكام قتلهم الجشع. لن أنسى كذلك المتنبي و هو يطلق صرخته المعروفة : “يا أمة ضحكت من جهلها الأمم .
عزيزي، لا تنزعج من رسالتي، فهي نابعة مما يجمعنا في التاريخ و الجغرافيا و حتى في الجنس ..هي فقط رسالة ، في انتظار غودو .
* كاتب مقيم في برلين
حينما نقرا العنوان نجد بلد ابن بطوطة و لكن بعد بضع فقرات نجد الرجل يتحدث عن عصابات تقتل باسم الدين،و هنا نفهم ان الرجل لا يعرف عما يتحدث او انه يعتقد ان المغرب امتداد للشرق او الغرب حيث العصابات تقتل باسم الدين لاننا هنا لا توجد و لن توجد عندنا تلك العصابات، هناك خلل في الانتماء و الوهية و هناك من لا يفهم بعد من يكون و لا يفهم معنى كلمة المغرب و لا يفرق بين الوطن و العقيدة و يتحدث عن المغرب و هو يقصد المشرق او ربما الغرب ايضا، ادا اردتم ان ترثوا حال المشرق فاتركوا المغرب جانيا و ادا اردتم الحديث عن المغرب فلا تخلطوه بالمشرق و لا تسقطوا احوالكم النفسية على واقع البلد فما تحسبونه حال البلد ما هو سوى حالتكم النفسية و الوجدانية و التي لا يتقاسمها معكم احد،و عوض انتقاد اوضاع لا وجود لها الا في خايالاتكم اعملوا لى تصحيح هويتكم و فتشوا في القواميس و الخرائط عن معنى و موقع المغرب ،المغرب ليس انقباض هدا او اكتآب داك او غربة هدي و نوسطالجية تلك،المغرب واقع متحرك و متغير بسرعة تفوق تتبع من يعيشون به فكيف من يتابعه من بعيد و يخلطه ببلاد اخرى
مقال واضح وضوح الشمس و يعكس ما يقع من مآسي عربية .
يا كاره الظلام ..كن كارها للجهل . اقرا جيدا ، كل شيء واضح، الكلام عن بلاد العربان . لا تنسى أن من أفصح عن حقائق تاريخية كبرى كان من المستشرقين ..لا أحد كان سيعرف ابن خلدون مثلا لولا الغير …غير نظاراتك المظلمة حتى ترى جيدا، و لا تتسرع في الاحكام و تتقمص شخصية من يشقق على الصدور ، انك انسان فقط .ان وصلت الى ذلك . انتهى الكلام و الله اعلم .