لم يكن سؤال روبرت شريمزلي في صحيفة فايننشيال تايمز ـ «هل ما زال أحد يذهب إلى السينما؟» ـ مجرد ملاحظة عابرة عن تراجع حضور قاعات العرض، بل كان، من حيث لا يدري، سؤالاً عن مصير الطقوس التي كانت تمنح حياتنا شكلاً يمكن التعرّف عليه. فقبل السينما، هناك أسئلة تقف في الصف نفسه: هل ما زال أحد يقرأ الصحيفة الورقية؟ هل ما زال أحد يستمع إلى الراديو صباحاً؟ هل ما زال أحد يكتب رسالة بخط يده؟ هل ما زال أحد ينتظر برنامجاً تلفزيونياً في موعده؟ وهل ما زال هناك من يعيش بلا هاتف محمول؟ “أعرف أكثر من شخص رفضوا اقتناء الموبايل عن قناعة”.
هذه الأسئلة ليست تقنية، بل وجودية؛ إنها تسأل عن شكل الحياة حين تفقد طقوسها الصغيرة التي كانت تربط الإنسان بالعالم وبنفسه.
فالذهاب إلى السينما مع الحبيبة، ثم مع الزوجة لاحقاً، لم يكن مجرد مشاهدة فيلم على شاشة كبيرة، بل كان تمريناً على أن تكون مع شخص واحد في مكان واحد لساعة ونصف، بلا إشعارات، بلا رسائل، بلا إمكانية الهروب إلى شاشة أخرى. كان الظلام في القاعة نوعاً من الحماية، من الاتفاق الضمني على أن نترك العالم خارج الباب، ونسمح للفيلم أن يملأ المسافة بيننا.
حين يتحول هذا المشهد إلى جلسة أمام تلفاز في غرفة الجلوس، أو إلى شاشة كمبيوتر محمول على السرير، يتغيّر شيء لا تقيسه الأرقام، تتفكك تلك اللحظة المشتركة، ويتسلل العالم إلى الداخل عبر الهاتف الموضوع إلى جوارنا.
الأمر نفسه ينطبق على الراديو. أن تستيقظ على صوت مذيع تعرف نبرته منذ سنوات، أن تسمع ضحكته، تردده، طريقته في قراءة الأخبار، هو شكل من أشكال الاستمرارية. الراديو لا يطلب منك أن تختار، بل يعرض عليك سيلًا من الكلام والموسيقى، كأنك تركب حافلة لا تعرف كل محطاتها، لكنك تثق في الطريق.
منصات البث اليوم، على العكس، تطلب منك أن تختار كل شيء: الأغنية، النشرة، البودكاست، المدة، اللغة. الحرية هنا ليست بلا ثمن؛ إنها تضعك أمام مرآة دائمة، ماذا تريد الآن؟ ماذا تفضّل؟ من أنت في هذه اللحظة؟ بينما كان الراديو يمنحك نعمة أن تكون مستمعاً فقط، جزءاً من جمهور غير مرئي، لا يحتاج إلى تعريف نفسه في كل مرة.
ثم تأتي الصحيفة الورقية، ذلك المستطيل الكبير من الورق الذي كان يفرض عليك إيقاعه الخاص. لا يمكنك أن «تسحب» الصفحة إلى الأعلى كما تفعل على الهاتف، ولا أن تقفز بين العناوين كما في المواقع الإخبارية. عليك أن تطوي الجريدة، أن تغيّر زاوية النظر، أن ترفعها قليلاً أو تخفضها، أن تترك بقعة من الضوء تسقط على عمودك المفضل. قراءة الجريدة في مقهى يحيط به المارة ليست مجرد فعل اطلاع، بل هي إعلان هادئ عن موقعك في العالم. أنت شخص يجلس، يقرأ، يراقب، ويترك اليوم يمرّ من حوله. حين تتحول الأخبار إلى إشعارات على شاشة صغيرة، يصبح العالم سلسلة من الإنذارات، لا من الصفحات.
كان الخطّ اليدوي طقساً من طقوس البطء الجميل، طريقة للقول إن الكلمات تستحق وقتاً أطول من ضغطة زر. الرسالة الورقية كانت تحمل شيئاً لا يمكن للبريد الإلكتروني أن يحمله، أثر اليد، تردد الكاتب، لحظة التوقف قبل اختيار كلمة، رائحة الورق، وملمس الطيّة الأخيرة. حين نكتب اليوم على الهاتف، لا نترك أثراً، بل نترك بيانات. السؤال هنا ليس عن الكتابة، بل عن العلاقة مع الزمن، هل ما زال أحد يملك رفاهية أن يكتب رسالة لا يمكن تعديلها بعد إرسالها؟ رسالة تُقرأ ببطء، وتُحتفظ بها في درج، لا في سحابة رقمية.
هنا يعود سؤال شريمزلي إلى مركز الصورة: «هل ما زال أحد يذهب إلى السينما؟» يمكن قراءته كاختبار لمدى قدرتنا على الحفاظ على طقس واحد على الأقل من طقوسنا القديمة. الإحصائيات تقول إن 123.5 مليون شخص دخلوا دور السينما العام الماضي، رقم قريب من 2023 وأفضل من 2022، لكنه لا يزال أقل من سنوات ما قبل جائحة كورونا. هذه الأرقام تهمّ المنتجين والموزعين، لكنها لا تجيب عن سؤال الطمأنينة: كم من هؤلاء ذهب إلى السينما بحثاً عن لحظة مشتركة، عن خروج من البيت، عن شعور بأن الحياة ما زالت تُعاش في مكان عام، لا تُستهلك وحدها أمام شاشة شخصية؟
هنا يدخل «اقتصاد الانتباه» إلى الصورة. في هذا الاقتصاد، لم يعد الوقت ملكاً لصاحبه، بل أصبح مادة خام تتنافس عليها الشركات والمنصات. كل دقيقة تُقضى أمام الشاشة هي ربحٌ لشخص ما، وخسارة لطقسٍ ما. حين تشاهد فيلماً على منصة بث، لا تعيش لحظة السينما، بل تعيش لحظة «الاختيار المستمر»: هل أكمل؟ هل أبدّل؟ هل أبحث عن شيء آخر؟ الشاشة لم تعد نافذة على العالم، بل أصبحت مرآة تعكس قلقك اللحظي. الراديو كان يحررك من هذا القلق، لأنه يختار عنك. الجريدة كانت تمنحك استراحة من هذا القلق، لأنها تفرض عليك ترتيبها الخاص. أما الهاتف، فهو جهاز لا يترك لك لحظة واحدة بلا سؤال: ماذا تريد الآن؟
اقتصاد الانتباه لا يكتفي بسرقة الطقوس، بل يعيد تشكيل علاقتنا بالزمن نفسه. الزمن الذي كان يُعاش في أماكن عامة أصبح يُستهلك في غرف مغلقة. الزمن الذي كان يُشارك مع الآخرين أصبح يُختزل في شاشة شخصية. الزمن الذي كان يُقاس بالطقوس أصبح يُقاس بعدد الإشعارات. وهكذا، يصبح سؤال شريمزلي سؤالاً عن قدرة الإنسان على الاحتفاظ بقطعة من زمنه بعيداً عن السوق، بعيداً عن المنصات، بعيداً عن ذلك الاقتصاد الذي لا يريد منك أن تعيش، بل أن تنتبه.
التكنولوجيا لم تغيّر طريقة استهلاكنا للوسائط فحسب، بل أعادت صياغة شكل العيش نفسه. لم يعد الخروج إلى السينما ضرورة، بل خياراً وسط آلاف الخيارات. لم يعد الراديو رفيق الصباح، بل مجرد تطبيق يمكن إغلاقه. لم تعد الجريدة نافذة على العالم، بل أصبحت العالم نفسه مختزلاً في شاشة صغيرة. ومع كل هذا، يتآكل شيء لا يُقاس بالأرقام. الإحساس بأن الحياة تُعاش في مكان عام، في طقس مشترك، في عادة تمنحك اتساقاً داخلياً.
لقد أصبح الإنسان يعيش في عالم بلا طقوس، بلا لحظات مشتركة، بلا أماكن تُقصد من أجل معنى يتجاوز المحتوى. التكنولوجيا لم تسرق الوسائط فقط، بل سرقت تلك «الطمأنينة» التي كانت تُصنع من أشياء بسيطة: تذكرة سينما، فنجان قهوة، صفحة تُطوى، وصوت مذيع يملأ الفراغ بينك وبين العالم.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.