أحداث تازة وحكومة الظل..

أحداث تازة وحكومة الظل..
الأربعاء 18 يناير 2012 - 02:21

لمن تقرع الأجراس؟

هل يستحق ما وقع في تازة قبل أيام أن نتوقف عنده؟

أظن أنه بعد “التسطيح” الذي جرى من طرف كثير من المنابر الإعلامية، سيكون من العبث محاولة تصحيح الصورة كما تم رسمها في الأذهان، حيث ركز الجميع على عناوين مثيرة من قبيل “تازة تحترق..تازة تشتعل..”، فضلا عن المصطلحات “المقدسة” في بعض الأدبيات اليسارية، وعلى رأسها كلمة “ثورة”، التي ابتذلت أيما ابتذال في زمننا المغربي ..وكذا مرادفها الذي دخل القاموس من بوابة فلسطين..”انتفاضة”..

لقد كانت المشاهد غنية عن التعليق، حتى أن بعض مقاطع الفيديو التي تدوالتها مواقع الأنترنيت لا تختلف كثيرا عما تبثه الفضائيات العربية منذ أزيد من عام، وبشكل يومي..من شوارع الدول التي “ثارت” شعوبها على الظلم والطغيان..

لكن العنوان الأهم هنا، ليس هو البحث فقط عن الأسباب والمسببات، بل التذكير بالحقيقة التي أصبحت واقعا لا يرتفع منذ حادثة بوعزيزي تونس، فليس المهم ربط الانفجار الشعبي بصفعة الشرطية فادية حمدي أو بعود الثقاب أو بكمية البنزين أو بعجز الأطباء عن إنقاذ الضحية..بل بوجود احتقان كبير ينتظر فقط ثغرة يتحول منها إلى سيل جارف..

ومن المفارقات أن بعض الشعارات التي رفعت تضامنا مع “شعب تازة” في مسيرات ما تبقى من حركة “20 فبراير” قرنت تازة المغربية وسيدي بوزيد التونسية.. وهو ربط قد يكون مبالغا فيه، لكن علينا أن لا ننسى أن الربيع العربي علمنا أن الشرارة قد تنطلق من الهوامش..أي المغرب العميق كما يسمى صحفيا..والمغرب غير النافع كما سماه ليوطي وكرست نظرته تلك حكومات المغرب المستقل..

فقبل سنوات، روج مهندسو المرحلة مقولة “تازة أهم من غزة”، وسوقوها على نطاق واسع إيذانا ببداية عهد مقاربة جديدة تعطي الأولوية للشؤون الداخلية بدل “إضاعة” الجهد والوقت في المسائل الخارجية، ولست في حاجة لتقديم حصيلة لهذه “الفلسفة الجديدة”، فالمغرب لم يحصد سوى الخسائر من انكفائه على الشأن الداخلي، والتصنيفات المتأخرة التي تضعه فيها مختلف المنظمات الدولية كفيلة بكشف حجم ما “تحقق” من شعار “تازة أهم من غزة”، فالمغرب لا ينافس اليوم -على مستوى مؤشرات التنمية البشرية- سوى اليمن والصومال والسودان.. وعراق الحاضر بعد عقود من الحصار والاحتلال والحرب الأهلية والإرهاب الأعمى..حتى في المجالات الضرورية جدا لتحقيق التنمية من قبيل التعليم والصحة..علما أن تصنيف غزة في مجال التعليم أفضل من تصنيف المغرب..

أما على صعيد الحضور الدولي فالأمثلة أكثر من أن تحصى على فشل سياسة إدارة الظهر للقضايا الإقليمية والعربية والإسلامية والإفريقية وأحرى الدولية، فـ”إنجازات” المغرب لم تعد تتعدى احتفاء الإعلام العمومي ببلاغات وزارة الخارجية حول تجميد “دولة” من حجم السيشل “اعترافها” بجمهورية تيندوف..

وأخشى ما أخشاه، أن يتم النظر إلى ما وقع في تازة على أنه مجرد حدث عابر، يمكن تطويقه بمجرد تحرك وفد وزاري من الرباط، أو عبر إجراء تغييرات في مواقع المسؤولية، أو عبر بعض الحلول الترقيعية المؤقتة للالتفاف على حالة الاحتقان العام التي أصبحت تطل برأسها بين الفينة والأخرى، خاصة في الهوامش المنسية من المغرب، تماما مثل الهزات الأرضية الضعيفة، المتفرقة والمتتالية التي تؤشر على قرب حدوث “الانفجار العظيم”.

وهذه المعطيات تقودنا حتما إلى الربط المباشر بما هو أهم وأخطر.

فحتى قبل تعيين الحكومة الجديدة كان هناك شبه إجماع -إعلاميا على الأقل- على معطيات سيكون لها حتما أثرها المدمر في المستقبل القريب، وعلى رأسها الحديث المتواصل حول الدور المحوري الذي ستلعبه “حكومة الظل” في رسم المعالم الكبرى والخطوط العريضة للسياسات العامة للبلد.

فعلى عكس جميع بلاد الله التي أنعم الله عليها بقليل من الوعي الديموقراطي، حيث حكومة الظل هي جزء من البرلمان المنتخب، وتكون مهمتها المتابعة اليومية لكل ما له علاقة بتدبير الشأن العام، لكن دون أن يتعدى دورها تقديم البدائل ومناقشة الخطوات الإجرائية المتخذة من طرف الحكومة الفعلية، أي أنها مجرد “قوة اقتراحية” إذا أردنا استعمال مصطلحات الوقت الحاضر، وليست لها أية سلطة للتقرير أو المراجعة أو التعديل فأحرى العرقلة، بل تكتفي فقط بتسجيل موقف قد ينفعها يوم الاقتراع.

– على عكس ذلك- في المغرب الأمر مختلف تماماً، فقد علمتنا الممارسة السياسية، أن “حكومة الظل” معينة وليست منتخبة، وبصلاحيات فوق دستورية، بما أنها تعتبر “سلطة خامسة” -أو سلطة الهاتف- التي تتخطى كل القنوات الشرعية والضوابط الدستورية والقانونية، بل إنها في كثير من الأحيان تتخذ قرارات مصيرية بطريقة انفرادية حتى من دون الرجوع إلى أية جهة معنية أو مختصة.

إن هذا المعطى، يدفعنا -بعد الذي حدث في تازة، ونتمنى ألا يتكرر قريباً في مناطق أخرى- إلى التساؤل حول ما إذا كان دور “حكومة الظل” سيقتصر على المناكفة والتشويش على الحكومة المنتخبة، أم أن هناك قرارا اتخذ -في مكان ما- لعرقلة عمل حكومة بنكيران، وذلك حتى لا تحقق نجاحات قد تدفع إلى ترسيخ مزيد من التغيير وبالتالي تمكين حزب واحد مستقبلا -العدالة والتنمية على الأرجح- من الحصول على أغلبية مطلقة تجعله في موقع قوة، في ظل نظام ظل يراهن على احتكار السلطة الفعلية من طرف القصر، مع ترك هوامش صغيرة لبقية المؤسسات في إطار الحد الأدنى اللازم من “الديكور الديموقراطي”؟

وهذا السؤال محوري في نظر مهندسي المرحلة، لأن الصلابة التي أبان عنها حزب العدالة والتنمية في المشاورات التي سبقت تشكيل الحكومة حتى وهو مثقل بتحالف هجين، تنذر بما يمكن أن يفعله في حال حصوله على الأغلبية المطلقة منفردا.

ولهذا فالسؤال الأهم هنا يتعلق بما إذا كانت “حكومة الظل” ستتبنى سياسة الأرض المحروقة، عبر الدخول في صراع مكشوف مع الحكومة المنتخبة حتى ولو أدى ذلك إلى انفجارات اجتماعية قد تتفاوت خطورتها، لأن الهدف “الاستراتيجي” غير المعلن لكثير من “مراكز القوة” يتحدد في إفشال حكومة بنكيران بعدما أصبحت أمرا واقعا، وبعد فشل كل المخططات والسيناريوهات التي سبقت انتخابات 25 نوفمبر؟

إن هذه التساؤلات مشروعة للغاية، وليست مجرد هرطقات سياسوية، ذلك أن التاريخ القريب للمغرب علمنا أن السياسة في هذا البلد أصبحت شأن الهواة وحدهم، والأدلة أكثر من أن تحصى..من مشروع الحزب الأغلبي.. إلى أحداث أكديم إيزيك بالعيون.. إلى مشروع “جي 8”..

وأظن أن على الذين يُنظرون للمرحلة ويهندسون لها، أن يأخذوا بعين الاعتبار معطى في غاية الأهمية أشك في أنه غاب عنهم.

فلأول مرة في تاريخ المغرب المستقل يحتكر تيار واحد الحكومة والبرلمان والشارع في نفس الوقت.

فالإسلاميون “المعتدلون” أصبحوا بعد الانتخابات الأخيرة أغلبية داخل المؤسسة التشريعية، ومن ثم الحكومة، وقد تتفتح شهيتهم أكثر خلال الاستحقاقات الجهوية والجماعية وغيرها..

والإسلاميون “المتشددون” أثبتوا أنهم القوة الوحيدة القادرة على تجييش الشارع وتعبئته، وقد كشف انسحاب العدل والإحسان من 20 حركة فبراير الوزن الحقيقي لمن كانوا يعتقدون أنهم سيصنعون وحدهم، الجزء المغربي من الربيع العربي.

وهذا المعطى في غاية الأهمية والخطورة، لأنه قد يجر “المعتدلين” إلى الاتجاه يمينا أكثر، خاصة إذا اتضح لهم أن مكاسبهم الانتخابية أصبحت مهددة من طرف إخوان العدل والإحسان وبقية ألوان الطيف الإسلامي بسلفييه وجهادييه ويسارييه..

وأظن أن الرسالة الأخيرة لمجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان إلى المكتب التنفيذي لجماعة التوحيد والإصلاح، والأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، تؤيد بما لا يدع مجالا للشك الفرضية التي أشرت إليها أعلاه..

وهنا لابد من تسجيل ملاحظة أساسية، تتمثل في أن البعض اعتاد الاستخفاف بقوة التيار الإسلامي، بل حتى بعد المتغيرات الأخيرة، تم تقديم الوزراء الملتحين في الحكومة الجديدة على أنهم مجرد مبتدئين، وأنه سيتم إرهاقهم بسهولة..وأظن أن هذا التفكير سيقود أصحابه إلى أحد احتمالين، إما الاستيقاظ بشكل متأخر على اكتساح حقيقي يجعل مسألة “تقاسم السلطة” أمراً واقعا لكن على أساس موازين قوة مختلة تماما عما كان عليه الحال في السابق، وإما إلى هدم المعبد على من فيه عبر الرهان على “الفوضى المنظمة” التي تعزز وجهة نظر مؤيدي القبضة الأمنية..

وأتمنى في كل الأحوال..أن تظل تازة أهم من غزة، وألا تتحول إلى غزة..

*كاتب من المغرب
[email protected]

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

7
  • Abbdessamadd
    الأربعاء 18 يناير 2012 - 03:07

    مقال رائع جدا . الكثير من النقاط التي اثرتها معقولة وفي مسوى التحليل الهادف والمفيد.شكرا جزيلا

  • مسلم
    الأربعاء 18 يناير 2012 - 08:25

    ان ارادة الله هي التي ستتحقق والاسلام آت بقوة ومن حيث لا نحتسب .فلا خوف عليكم ايها الشرفاء ولا تحزنوا وابشروا بنصر من عند الله .

  • حياة
    الأربعاء 18 يناير 2012 - 11:35

    بسم الله الرحمان الرحيم
    انت على صح بقولك * ان تضل تازة اهم من غزة و الا تتحول الى غزة لانها مهمشة و تحتاج الى زيارة من طرف اعمدة المغرب لحل مشاكلها . ساء اجتماعية كانت او اقتصادية.
    و السلام

  • صحراوي
    الأربعاء 18 يناير 2012 - 21:15

    السلام عليكم انا من المغرب من مدينة السمارة ان السمارة فيها الشفارة في السلطة المحلية لا تنضف الاحياء ولا شوارعها تتمزق بالوساخ والرمال ووزنته تقدر على المزانية باهضة لا ترى اي منه ان السمارة فيها الفقراء والمسكين يعلمها الا الله ولا يعلمها المشرفون في هده المدينة الشريفة ونرجو من الحكومة ان تسرع على هده العبرة وتحسن وجزاكم الله

  • عين ساهرة
    الخميس 19 يناير 2012 - 20:15

    اتفق معك اخي العزيز في ان حكومة الظل ستبذل جهودا مضنية لعرقلة اداء الحكومة لكن امام استحالة الثاتير على وزراء العدالة بالهاتف ستضطر للاشتغال باليات جديدة تستهدف1 التنسيق مع المعارضة ليسر الامر 2تسخير شبكاتها الجمعوية في حشد و تجييش الشباب لاعتبارات اجتماعية و اثنية ضيقة في مناطق معينة في المغرب 3تسخير جهازها الاعلامي الفرنسي خاصة في الدعاية المجانية ضد الحزب ووزرائه وكدا تصريحات الاسف و التخويف من ردة نكوصية محتملة

  • م.د.الشريفة
    الجمعة 20 يناير 2012 - 03:14

    هل لا يمكنك يا اخي ان تزيد في تحليلك باقتراح وجه ثالث لمخرجات هدا الصراع الشبه سياسي , كحل توافقي لمرحلة تدرجية ينتج عنها تسليم سلس لسلط بشكل يحفظ ماء وجه الجميع عوض العودة للماضي وصراعاته و ان كلفنا هدا عشرية زمن لا تعتبر شيء في ميزان سياغة وجه جديد لقوة ومستقبل شعب .
    وقد ادركت السلطة, في اعتقادي, انها مهما عظمت قوتها وتلونت اساليبها فعدم اخد القرارات الصحيحة في اوانها يشكل طوفانا ان هاج لن يتوقف . فالافضل لها تعلم السباحة فيه و مسايرته واستغلال مده الموصل الى شاطىء الامان بدل محاولة تجفيفه المستحيل في خضم اعلام فيسبوكي فاضح لا ينام .
    ولدي سؤال مهم لك صديقي هل تعتقد ان المجتمع المدني سيكون له النصيب الاوفر في بلورة هده الحلول ودفع السلطة لقرائتها والنظر فيها بامعان كاحاطاة اقتراحية تجعل خدام الشعب في تناغم مع عامته وشكرا .

  • محمد بنجدي
    الجمعة 20 يناير 2012 - 20:54

    فشل العدالة والتنمية لن يكون في مصلحة أي كان بالمغرب، خصوصا المخزن.

صوت وصورة
الرقمنة في خدمة مربي الخيول
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 13:42

الرقمنة في خدمة مربي الخيول

صوت وصورة
أشغال تهيئة مشروع المحج الملكي
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 12:12 2

أشغال تهيئة مشروع المحج الملكي

صوت وصورة
متحف الثقافة اليهودية المغربية بفاس
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 00:40 1

متحف الثقافة اليهودية المغربية بفاس

صوت وصورة
ميطا 3 | "أسود الفوتسال" يكتسحون الجزائر
الإثنين 12 أكتوبر 2026 - 22:52

ميطا 3 | "أسود الفوتسال" يكتسحون الجزائر

صوت وصورة
"إنوي" تطلق قافلة الألياف البصرية
الإثنين 12 أكتوبر 2026 - 22:45

"إنوي" تطلق قافلة الألياف البصرية

صوت وصورة
"اتصالات المغرب" تعزز الأمن السيبراني
الإثنين 12 أكتوبر 2026 - 21:49 1

"اتصالات المغرب" تعزز الأمن السيبراني