تشريح جيوسياسي لآخر معاقل الاستعمار الأوروبي في إفريقيا وآفاق الحل الاستراتيجي الشامل
في خضم التحولات البنيوية التي يشهدها النظام الدولي المعاصر، من تصاعد التعددية القطبية إلى إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية، تبرز قضية سبتة ومليلية بوصفها شذوذاً جيوسياسياً لم يعد قابلاً للتأطير ضمن منطق الوضع القائم ” الذي درجت العواصم الأوروبية على توظيفه كأداة لتجميد النزاعات الترابية. فكلما تجددت التوترات بين الرباط ومدريد – سواء على مستوى تدبير الحدود، أو ملف الهجرة أو الأبعاد الأمنية المرتبطة بمضيق جبل طارق فإنها تُعيد إبراز وتعرية البنية الهيكلية العميقة للنزاع: وجود جيبين استعماريين أوروبيين مثبتين على الساحل الشمالي لإفريقيا، في تناقض صارخ مع مبادئ القانون الدولي المعاصر ومقررات الأمم المتحدة المتعلقة بتصفية الاستعمار.
ما يُميز المرحلة الراهنة عن سابقاتها هو تضافر ثلاث متغيرات نوعية: أولاً، تصاعد الوعي الجماعي داخل الرأي العام الإسباني نفسه بفضل الرقمنة وتدفق المعلومات؛ ثانياً، تحوّل المغرب إلى فاعل إقليمي لا يمكن تجاوزه في المعادلات الأمنية والاقتصادية المتوسطية والأطلسية؛ وثالثاً، تراجع قدرة الخطاب الاستعماري التقليدي على الصمود أمام معايير الشرعية الدولية والحوكمة الرشيدة. وهذا التضافر هو ما يجعل النقاش اليوم يتجاوز إطار “إدارة الأزمة” ليقترب من استحقاق “حل الأزمة” جذرياً.
أولاً: تشريح المواقف الرسمية – تقاطعات وتناقضات في هندسة التحالفات
1- الموقف المغربي: الثبات الاستراتيجي والمرجعية القانونية
يُشكل الموقف المغربي من ملف سبتة ومليلية امتداداً عضوياً لاستراتيجية “استكمال الوحدة الترابية” التي انطلقت مع استقلال المملكة عام 1956 ، وتستند إلى ثلاثية مرجعية صلبة: المرجعية التاريخية السيادة المغربية الممتدة على المدينتين قبل الاحتلال الإسباني لسبتة سنة 1668 ومليلية سنة (1497) والمرجعية القانونية ( مبدأ تقرير المصير وتصفية الاستعمار المكرّس في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 1514 لسنة (1960)، والمرجعية الجغرافية – الديموغرافية (التواصل البري والسكاني والثقافي المتواصل بين المدينتين ومحيطهما المغربي).
وقد تجسد هذا الموقف الثابت في تصريح لوزير العدل، الذي عبر بلا شك عن الموقف الرسمي في أكثر من مناسبة، قائلاً: “سبتة ومليلية مدينتان مغربيتان، والمغرب سيسترجعهما عاجلاً أم آجلاً. هذا ليس تهديداً بل هو حقيقة تاريخية وقانونية لا يمكن لأحد أن يتنكر لها. نحن لا نطالب بأراض أجنبية، بل نطالب باستكمال سيادتنا على أراضينا المحتلة”.
ويُعد هذا التصريح – وتصريحات متطابقة لمسؤولين آخرين لاحقا – ترجمة واضحة للموقف الرسمي للدولة المغربية، الذي تتبناه مؤسساتها السيادية، ويعكس الإجماع الوطني حول ثوابت المملكة في ملف وحدتها الترابية. هذا التصريح، الذي أثار حفيظة مدريد حين صدوره، يُعيد تموضع الملف من خانة “النزاع الثنائي القابل للتأجيل” إلى خانة الاستحقاق التاريخي غير القابل للسقوط بالتقادم”، وهو ما يتسق مع الدينامية الدبلوماسية الأوسع التي يقودها المغرب في ملفات الصحراء المغربية والعمق الإفريقي.
وفي الكلمة التي ألقاها وزير الأوقاف خلال حفل المولد النبوي بين يدي جلالة الملك، لم يكتفِ الوزير باستحضار البعد الروحي والوجداني لتعلق المغاربة بالجناب النبوي، بل نسج من هذا النسق الديني إشارات سياسية وتاريخية بالغة الدلالة. فمن خلال استعراضه لأعلام مدينة سبتة، كالقاضي عياض والأزفي، وربطهم بكتاب “دلائل الخيرات” للإمام الجزولي – الذي مثّل عبر التاريخ راية للتعبئة والجهاد ضد الاحتلال الإيبيري – تجاوز الخطاب حدود الموعظة الدينية ليحمل رسائل سياسية عميقة.
جاء هذا الخطاب في سياق دقيق يتسم بالتوتر الدبلوماسي مع إسبانيا، ليؤكد أن ملف سبتة ومليلية يتجاوز كونه مجرد نزاع على سيادة ترابية، ليمس جوهر الهوية المغربية الدينية والعلمية. إن استحضار البعد التحرري لـ “دلائل الخيرات” لم يكن مجرد استرجاع لتراث روحي، بل تذكير بأن المطالبة المغربية بسيادتها على المدينتين تستند إلى جذور تاريخية وحضارية راسخة. هكذا، انتقلت المعركة من حيزها السياسي والدبلوماسي البحت، لتكتسب بُعدًا أخلاقيًا ووجدانيًا يعكس عمق الانتماء.
وبناءً على ذلك، تحوّل الخطاب إلى رسالة مزدوجة الأبعاد: داخليًا: يهدف إلى تحصين الذاكرة الجماعية، وتعزيز الشعور الوطني، وتأكيد أن سبتة ومليلية ليستا مجرد حيز جغرافي، بل هما امتداد تاريخي وروحي للهوية المغربية. وخارجيًا: يوجه رسالة حازمة لإسبانيا، مفادها أن الملف ليس مطويًا أو منسيًا، بل يظل حاضرًا بقوة في الوعي الجمعي، وفي صلب الخطاب الرسمي والديني، كقضية وجودية لا تقبل المساومة.
2- الموقف الإسباني بين البراغماتية المضطربة والجمود الأيديولوجي
تعتمد مدريد في تعاملها مع الملف على سردية “الأمر الواقع المُقنّن (fait accompli) “، مستندة إلى وصف المدينتين بـ “المدن المتمتعة بالحكم الذاتي (ciudades autonomas) “منذ إقرار نظامهما الأساسي عام 1995. غير أن هذا التوصيف الإداري الداخلي لا يُنتج أي أثر قانوني دولي يُغير من طبيعة الوضعية، إذ إن السيادة لا تكتسب بالزمن في القانون الدولي المعاصر وفق مبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة.
وقد جاء رد وزارة الخارجية الإسبانية على تصريحات المسؤولين المغاربة بلغة دفاعية لكن بدبلوماسية حذرة؛ حيث أعلنت في بيان رسمي: “سبتة ومليلية مدينتان إسبانيتان، وسكانهما إسبان يتمتعون بكامل الحقوق الدستورية. إن سيادة إسبانيا على هاتين المدينتين ليست موضع تفاوض، وهي راسخة في الإطار القانوني والدستوري للمملكة الإسبانية. ندعو إلى تعزيز الحوار والتعاون مع المغرب في إطار الاحترام المتبادل والشرعية الدولية”.
غير أن هذا البيان، رغم حزمه الظاهري، يُخفي مأزقاً بنيوياً تعيشه السياسة الإسبانية: فمن جهة، تدرك النخب الحاكمة في مدريد أن الوضع الحالي غير مستدام على المدى الطويل، خاصة مع تصاعد كلفة التدبير الأمني والحدودي؛ ومن جهة أخرى، تُقيّد الحسابات الانتخابية الداخلية وصعود تيارات اليمين المتطرف (حزب “فوكس” على وجه الخصوص أي إمكانية لتحريك الملف في اتجاه المصالحة التاريخية. وهذا ما يُحوّل الموقف الإسباني إلى ما يُسميه المحللون “توازن العجز (solde d’incapacité)؛ أي العجز عن الحفاظ على الوضع الراهن والعجز عن تجاوزه في آن واحد.
3- موقف الاتحاد الأوروبي البراغماتية الأمنية على حساب المبدئية القانونية
يتعامل الاتحاد الأوروبي مع ملف سبتة ومليلية عبر منظور وظيفي محض، يركز على ثلاث ملفات عملية تدبير الهجرة غير النظامية، ومكافحة شبكات التهريب والجريمة العابرة للحدود، وتأمين الحدود الخارجية للاتحاد. ومن هذا المنطلق، فإن بروكسل تفضل عدم الخوض في البعد السيادي للملف، مكتفية بإدراج المدينتين ضمن الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي دون أن تُصدر أي موقف صريح حول مشروعية الوجود الإسباني من عدمها.
غير أن هذا الصمت الدبلوماسي لا يعني الحياد. فالأوراق غير الرسمية المتداولة في أروقة المفوضية الأوروبية تشير إلى إدراك متنام بأن استقرار الجوار الجنوبي وعلى رأسه المغرب يُشكل شرطاً وجودياً لأمن المتوسط وأوروبا ذاتها. وهذا ما يفسر الحذر الشديد الذي تتعامل به بروكسل مع أي تصعيد قد يُربك شراكتها الاستراتيجية مع الرباط، لا سيما في ملفات مكافحة الإرهاب والطاقة والهجرة.
ثانياً: الشذوذ الجيوقانوني للمدينتين و “الصدمة المعرفية” في الفضاء الرقمي الإسباني
-1المفارقة الجغرافية والقانونية
تُشكل سبتة (18.5 كم ²) ومليلية (12.3 كم ²) حالة فريدة في الجغرافيا السياسية المعاصرة: كيانان إداريان أوروبيان محشوران في البر الرئيسي للقارة الإفريقية، يفصل أحدهما عن أقرب نقطة إسبانية شبه الجزيرة الإيبيرية مسافة بحرية تتجاوز 200 كيلومتر، بينما يتشاركان حدوداً برية مباشرة مع المغرب بطول يقارب 16 كيلومتراً. هذا الانفصام الجغرافي يُنتج تناقضاً وظيفياً حاداً: فالمدينتان تعتمدان اقتصادياً ولوجستياً وسكانياً على محيطهما المغربي (الماء، الغذاء، اليد العاملة، السوق الاستهلاكية)، بينما تُداران سياسياً وأمنياً من مدريد وبروكسل. أما من الناحية القانونية، فإن وضع
المدينتين يظل معلقاً في منطقة رمادية (zone grise juridique) فهما ليستا جزءاً من الاتحاد الجمركي الأوروبي بالكامل، ولا تنطبق عليهما بعض تشريعات الاتحاد (مثل السياسة الزراعية المشتركة)، وفي الوقت ذاته لا تعترف بهما الأمم المتحدة كأراض إسبانية سيادية بالمعنى الكامل. هذا الالتباس يُعزّز الفرضية القائلة إن الوجود الإسباني هو إرث استعماري محمد (héritage colonial figé) وليس وضعية قانونية مكتملة الأركان.
2- “الصحوة الرقمية” للرأي العام الإسباني
لعل أبرز مستجدات المرحلة الراهنة هو ما يمكن توصيفه بـ “الصدمة المعرفية choc cognitif) ” التي يعيشها قطاع متزايد من الجمهور الإسباني، وخاصة فئة الشباب 18-35 سنة)، عبر منصات التواصل الاجتماعي. فخلال الأسابيع الماضية، شهدت منصات رقمية انتشاراً واسعاً لمحتوى بصري وخرائطي يُوثّق – بلغة إسبانية مبسطة الحقيقة التاريخية والجغرافية لسبتة ومليلية. وقد تفاعل مئات الآلاف من المستخدمين الإسبان مع مقاطع تظهر خرائط ما قبل الاستعمار، وشهادات سكان المدينتين من أصول مغربية، ومقارنات بصرية بين المدينتين ومحيطهما المغربي. هذا التفاعل الرقمي كسر حاجز الصمت الإعلامي (black-out médiatique) الذي فرضته الحكومات الإسبانية المتعاقبة على الملف لعقود، وحوّله من “قضية نخبوية” محصورة في أروقة الأكاديميين والدبلوماسيين إلى نقاش عام حيوي. وبدأت تظهر تساؤلات جريئة في الفضاء الرقمي الإسباني من قبيل: “هل نحن فعلاً قوة استعمارية في القرن الحادي والعشرين؟”، و “كيف نطالب بالديمقراطية وحقوق الإنسان بينما نحتل أراضي جارتنا؟”، و”أليس من المتناقض أن ننتقد الاحتلال الروسي لأوكرانيا ونمارس احتلالاً مشابهاً في إفريقيا؟ .. ” هذه الدينامية، وإن كانت لا تزال في مراحلها الأولى، تشير إلى تحول تكتيكي مهم في معادلة النزاع: فمعركة الرواية (bataille narrative) لم تعد حكراً على الدبلوماسية الرسمية، بل انتقلت إلى الفضاء الرقمي حيث يمتلك المغرب أفضلية نسبية بحكم القرب الجغرافي والثقافي والتاريخي.
ثالثاً: الاحتلال كبنية مولدة للأزمات
استمرار الاحتلال الإسباني لسبتة ومليلية من منظور الاقتصاد السياسي للعلاقات الدولية لا يُمثل مجرد إرث “رمزي” من الماضي، بل هو بنية مولدة للأزمات، تنتج توترات دورية ذات كلفة متصاعدة على كلا الجانبين:
– ملف الهجرة غير النظامية تحوّلت المدينتان إلى نقطة اختناق في مسارات الهجرة الإفريقية نحو أوروبا، مما يُحمّل المغرب أعباء أمنية وإنسانية هائلة بينما تستفيد إسبانيا من “تدويل” المشكلة عبر إشراك الاتحاد الأوروبي في تمويل السياجات الحدودية وأنظمة المراقبة.
– التهريب والاقتصاد غير المهيكل: يُشكّل النشاط الاقتصادي الموازي حول المدينتين شبكة معقدة من المصالح المتشابكة التي تُغذّي الفساد وتضعف سيادة الدولة على حدودها، وهي ظاهرة لا يمكن معالجتها في ظل الانقسام السياسي الحالي.
– الابتزاز السياسي المتبادل تُستخدم المدينتان كـ صمام أمان في العلاقات الثنائية، حيث تفعل مدريد ورقة الهجرة للضغط على الرباط حين تقتضي الحاجة، ويُفعل المغرب ورقة التعاون الحدودي حين يتراجع الالتزام الإسباني بتعهداته. هذه الدينامية التبادلية تُبقي العلاقة في حالة “توازن هش” قابل للانفجار في أي لحظة. الخلاصة التحليلية هنا واضحة طالما أن سبتة ومليلية تُداران كـ “حدود أوروبية” معزولة عن محيطهما الطبيعي، فإن العلاقة المغربية – الإسبانية ستظل محكومة بمنطق “إدارة الأزمات” بدلاً من “صناعة المستقبل.”
رابعاً: الحل الجذري الاعتراف بمغربية المدينتين كخيار استراتيجي لا كتنازل
يكمن الحل العقلاني والوحيد القادر على كسر حلقة التوتر الدورية في خطوة شجاعة من مدريد؛ تتجلى في الاعتراف الرسمي بسيادة المغرب على سبتة ومليلية، في إطار اتفاق ثنائي شامل يُراعي المصالح الحيوية لجميع الأطراف. هذا الطرح لا ينطلق من منطق اللعبة صفرية المجموع”؛ حيث يكسب طرف ويخسر آخر، بل من منطق اللعبة إيجابية المجموع”؛ حيث يُحوّل الاعتراف بمغربية المدينتين من “خسارة ترابية” لإسبانيا إلى مكسب استراتيجي يُعيد تموضعها كشريك موثوق في جنوب المتوسط وإفريقيا. فالدول العظمى- كما يُعلمنا التاريخ – لا تُقاس بمدى تمسكها ببقايا مستعمراتها، بل بمدى قدرتها على تجاوز إرث الماضي لبناء شراكات مستقبلية قائمة على الندية والاحترام المتبادل.
ويمكن من الناحية الإجرائية تصور خارطة طريق تدريجية تشمل:
-1 مرحلة انتقالية يتم خلالها نقل الصلاحيات الإدارية تدريجياً مع ضمان حقوق السكان الحاليين.
-2 وضع خاص للمدينتين كمناطق حرة اقتصادية تتمتع بحكم ذاتي موسع تحت السيادة المغربية.
خامساً: الانعكاسات الاستراتيجية للاعتراف – سيناريو التحول البنيوي
1- على المستوى المغربي الإسباني من الشراكة المشروطة إلى التحالف العضوي
– سياسياً وأمنياً سيختفي الملف العاطفي – التاريخي من طاولة المفاوضات، مما يُحرر الطاقة الدبلوماسية للبلدين للتركيز على التحديات الوجودية المشتركة الأمن البحري في المضيق، ومكافحة الإرهاب في الساحل، وإدارة تحولات الطاقة، ومواجهة التحديات الديموغرافية.
– اقتصادياً: سيتحوّل مضيق جبل طارق – أكثر الممرات البحرية ازدحاما في العالم أكثر من 100,000 سفينة سنوياً) – إلى قطب اقتصادي متكامل يربط بين شبكات النقل واللوجستيك والطاقة في الضفتين. ويمكن تحويل سبتة ومليلية إلى منطقتين حرتين تعملان كبوابات تجارية ومالية بين إفريقيا وأوروبا، على غرار نموذج ميناء طنجة المتوسط، مما سيخلق آلاف فرص العمل ويُعزز الناتج المحلي لكلا البلدين
2- على المستوى المغربي – الأوروبي: إعادة هندسة الشراكة المتوسطية الاعتراف بمغربية المدينتين:
– سيعزز من مكانة المغرب كـ “شريك استراتيجي لا غنى عنه للاتحاد الأوروبي، وسيفتح الباب أمام تجديد شامل لاتفاقية الشراكة المغربية الأوروبية بما يُراعي المصالح الحيوية للمغرب.
– سيرسخ سابقة قانونية وسياسية مفادها أن أوروبا قادرة على تجاوز إرثها الاستعماري والتعامل مع دول الجنوب كـ أنداد وشركاء، وليس من منظور الوصاية الأبوية،
– سيعزز من زخم الاعتراف الدولي بمغربية الصحراء، إذ سيفقد الخصوم حجة “الازدواجية” التي يوظفونها أحياناً للتشكيك في اتساق الموقف المغربي،
– سيحوّل مضيق جبل طارق من منطقة احتكاك جيوسياسي (zone de friction géopolitique) إلى منطقة تكامل استراتيجي (zone d’intégration stratégique)، مما يُعزز امن الملاحة الدولية ويُقلل من مخاطر التصعيد العسكري في منطقة حيوية للعالم بأسره.
لذلك، يمكن القول بإن أزمة سبتة ومليلية، في جوهرها العميق، ليست مجرد نزاع حدودي تقني قابل للحل عبر لجان ترسيم الحدود، بل هي اختبار وجودي لقدرة إسبانيا، وأوروبا عموماً، على مصالحة خطابها القيمي مع ممارساتها الجيوسياسية. فلا يمكن لدول تدعي الدفاع عن القانون الدولي ومبدأ تقرير المصير في أوكرانيا وفلسطين وأماكن أخرى أن تغض الطرف عن آخر معاقل الاستعمار الأوروبي المباشر على التراب الإفريقي. كما أن غرابة الوضع الاستعماري لم تعد تخفى على أحد، والرأي العام الإسباني بدأ يُدرك الحقيقة عبر شاشات هواتفه، وبدأت الموازين الجيوسياسية تتحوّل لصالح المغرب بثبات وصبر استراتيجي. وبناء على ذلك، يُشكّل الاعتراف بمغربية المدينتين المفتاح الاستراتيجي لتحويل مضيق جبل طارق من جدار فاصل إلى جسر للتعاون والازدهار المشترك. وأن الحل لا يكتمل إلا بعودة الثغور المحتلة شمال المغرب إلى حضن الوطن، في إطار شراكة إقليمية جديدة تعيد للمملكة موقعها الطبيعي كجسر بين القارات والحضارات.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.