(بين الجد واللعب مع إريكْ خيريتسْ)
بعد سلسلة مؤلمة من الهزائم المتتالية، جاء رجل من المملكة العربية السعودية وحلَّ بالمغرب كالهلال من “الهلال” لترويض الأسود الأطلسية التي باتت تتصرف كالقطط المدللة على الحلبة، غير مبالية بالمسؤولية الجسيمة الملقاة على عاتقها ولا بالآمال الكبرى المعلقة في عنقها من طرف شعب بأكمله. سبق الرجلَ كلامٌ كثيرٌ عامرٌ بالثقوب. على امتداد سنة تقريباً ظلت الرياح تنقل إلينا الغبار من السعودية والمغاربة يَحُكّون عيونهم متسائلين: تُراه آتٍ أمْ أن الخبر تكتيكٌ من الجامعة لذر الرماد في العيون وطمأنة القلوب القلقة على أوضاع المنتخب؟ في كل الأحوال، الشيء المؤكد والذي لم يتغير من البداية إلى النهاية هو اسم الرجل، حيث كان رجال ونساء الصحافة المغربية المختصة والعامة معاً والمغاربة جميعاً ينطقون ويكتبون اسم الرجل بصيغة واحدة موحَدة لا ثانية لها: غيريتسْ.
وفي الأخير، جاء الرجلُ في أكتوبر 2010 وعمل عمله وبَعث الكرة المغربية من بياتها وأسعدَ الناس وأهّل المغرب لنهائيات كأس أفريقيا 2012. في البداية، كان ثمة مَن يتفق ومَن لا يتفق مع أسلوبه في تدريب المنتخب أو أجره الخارق وإعفائه من الضرائب، إلا أن انتصار الفريق الوطني المغربي على نظيره الجزائري في مراكش خلال شهر يونيو 2011 بحصة خيالية (4 مقابل 0) وضعت خيريتس في قلب الحدث بالمغرب، وفي قلب المغاربة الذين انتظروا طويلا أن تحقق الكرة المغربية شيئاً مشرفاً ولو قليلا. الانتصار على الجزائر كان مشرفاً كثيراً فارتفعت الانتظارات وتوسعت وتشعبت عند المغاربة وباتوا يحلمون بعهد جديد مرصَع بالذهب للكرة المغربية. غير أن نشوة الفرحة بدأت تنتفي سريعاً وتحل محلها خيبة الأمل القديمة مع توالي الهزائم والأداء الهزيل للمنتخب المغربي. كوكبة من اللاعبين المحترفين المشاركين في بطولات عالمية والملقبين بأسُود الأطلس والمدللين بأموال وحناجر المغاربة يلبسون القميص بدون ضمير ويركضون بدون روح ويُجلجلون برؤوس مدهونة وآذان مثقوبة فيزأرون بصوت تخجل منه صغار القطط في الأطلس وباقي ربوع المملكة.
يحظى إريك خيريتسْ (1954) بعطف واحترام كبيرين في وطنه الأم بلجيكا، وبخاصة في مسقط رأسه: ريكَمْ. كما يحظى بتوقير مستحَق في الأوساط الكروية الأوروبية والدولية. ويعكس بيانُ سيرته مشواراً متميزاً في مجال كرة القدم لا بصفته مدافعاً أيمناً صعب المراس بالنسبة للخصوم ولا بصفته مدرباً ناجحاً في بلجيكا وهولندا وألمانيا وتركيا وفرنسا والعربية السعودية. بمعنى أن خيريتس جاء إلى المغرب وتحت إبطه ألقاب وبطولات وخبرات في التدريب (بطولة بلجيكا وهولندا مرتين متتاليتين وتركيا والسعودية مرة واحدة) وفي قدمه تميُز كبير في اللعب كُلِل بلقب “الكرة الذهبية” (1982) وبأعلى ذراعه شارة عميد “الشياطين الحمر” (كنية الفريق الوطني البلجيكي) وعلى رأسه لقب “أسد ريكَمْ” الذي يُعرف به في بلجيكا، نظراً للروح القتالية التي كان يشارك بها في جميع المباريات. ما إن تطأ قدماه الملعب حتى يتحول الرجل الهادئ إلى أسد يدافع عن فريقه بشراسة قل نظيرها. وقد استبشر المغاربة خيراً بهذا الرجل ورصيده ومصادفة الأسد للأسُود اسمياً للذود عن العرين الكروي المغربي فعلياً.
إذن جاء الرجل وانبعثت الروحُ في الكرة المغربية والآمالُ لدى المغاربة، الشغوفين بكرة القدم تخصيصاً. أما الإعلاميون المغاربة فقد كانوا يغطون بالدقيقة تقريباً كل كبيرة وصغيرة تخص الأسد والأسُود، مدفوعين بحماس نحو التجربة الجديدة ومتعطشين لما قد تفرزه من نتائج، ولكنهم لم يُكلفوا نفسهم قَط عناء التدقيق في اسم هذا الأسد الفلاماني (أو الفلامنكي) الذي يجلس على عرش الكرة المغربية. يكتبونه وينطقونه كل الوقت “غيريتس” بدل “خيريتس”. ورغم تمادي المسئولين واللاعبين والإعلاميين والمواطنين في الخطأ ظل خيريتس محتفظاً بهدوئه ولم يُنقل عنه أنه انفعل أو توترَ في تدريب أو مجلس أو مقابلة أو مؤتمر صحفي إزاء أحدٍ خاطبَه باسم “غيريتس” عوض خيريتسْ. ولكن صمت الأسد لم يكن بالضرورة علامة على الرضا.
الأسد حيوان فخور بنفسه ولن يرضى بأي مسّ بكيانه. وإذا شاءت الأقدار أن يكون خيريتس “شيطاناً” (من “الشياطين الحمر”) فضلا عن كونه “أسداً” (“أسد ريكم”) فلا مفر من عاقبةٍ وخيمةٍ للمخطئ في حقه عاجلا أو آجلا. والعاقبة الوخيمة بدأت مع الانتصار على الجزائر بمراكش. عمت الفرحة الجميع باستثناء خيريتس؛ الجميع يهلل ويرقص ويبتهج ولا أحد انتبه إلى الحزن على مُحيا الناخب الوطني. وفي لحظة انتشاء المغاربة، وقف الشيطان على خيريتس وقال له: “الفضل يرجع كله إليك وإذا بهم لا يأبهون حتى باسمك أيها الأسد، وذلك أضعف الإيمان. لهذا فالانتقامُ منهم واجب”. حطت الفكرة الشيطانية على صدر خيريتس فقرر الانتقامَ منذئذ من الكرة المغربية ولكن بطريقة فنية هادئة. وقد نفذ خطته الشيطانية أحسن تنفيذ حيث مُني المنتخب المغربي بهزائم متتالية ومُهينة حتى من طرف منتخبات دون مستواه بكثير في تاريخ وتصنيفات كرة القدم العالمية. ومن شاء الاعتراض على هذا التفسير بدعوى أنه يدخل في مجال الهرطقة والخرافة سوف يُقابَل بحجة أن خيريتس لم يخفق قط في مشواره التدريبي في مختلف البلدان والمنظومات الكروية، فلماذا أخفق في المغرب؟ الحقيقة الدامغة أن الرجل “الشيطان” “الأسد” خيريتس حَز في نفسه أن لا يُعامَل اسمياً كما يجب، وربما قال في نفسه منذ هزيمة الجزائر في مراكش: هل سيقبل أحمد أن يُدعى أخمد؟ هل سيرضى علي بأن يسمى غلي؟ كلا. أنا خيريتس ولستُ غيريتس، وسيؤدون ثمن تحريف اسمي غالياً.
واليوم، وقد ودّعَنا خيريتس عبر النافذة في الظلام وعلى ظهره كيس من العملة الصعبة بعد أن دخل إلينا من الباب نهاراً جهاراً، لا شك في أن الشعب المغربي يريد القطيعة مع الماضي، يريد أن تصير الجامعة الملكية لكرة القدم هيئة مدنية بالكامل وليست عسكرية في شيء، بإشراف لاعبين سابقين أكفاء ومسيرين شرفاء لا يهزهم ماء ولا يصعقهم كهرباء، وتخضع لتدبير شفاف وديموقراطي يربط المسئولية بالمحاسبة. ولعل أول إجراء وطني بمعنى الكلمة في هذا الاتجاه هو إسناد مهمة الإشراف التقني على المنتخب الوطني لكرة القدم إلى إطار مغربي. وإذا حصل، لا قدّرَ الله، أن تمادتِ الجامعة المسئولة فتعاقدت مع ناخب أجنبي من جديد فوجب علينا، مسيرين وصحافيين ومشجعين ومتتبعين، أن ننتبه كل الانتباه منذ أول يوم إلى اسم القادم إلينا، لأن العاقل لا يُلدغ من نفس الجُحر مَرّتيْن، وعفا خيريتس عمّا سلف.
* أكاديمي ومترجم
من المفرح التعويل على مدرب مغربي غير أن الأسماء المطروح لم ترقني . مصطفى حجي مثلا يمكن أن يعطي الكثير بحكم تجربته الكبيرة مع المنتخب المغربي , فعلى سبيل المثال ,غوارديولا,أسندة له مهمة التدريب بدون تجربة طويلة في ميدان التدريب فصار الأن من أفضل مدربي العالم .