الشرايبي .. مئوية كاتب حر

الشرايبي .. مئوية كاتب حر
الجمعة 12 يونيو 2026 - 12:27

حين نحتفل اليوم بالكاتب المغربي الكبير إدريس الشرايبي في الذكرى المئوية لميلاده، فإننا لا نستحضر مجرد اسم بارز في تاريخ الأدب المغربي الناطق بالفرنسية في العصر الحديث، بقدر ما نستعيد تجربة إبداعية وفكرية ما فتئت تثير الأسئلة وتعمل على خلخلة اليقينيات. فثمة كتاب ينتمون إلى لحظتهم التاريخية، وثمة آخرون يتجاوزونها ليصبحوا جزءا من حوار دائم مع المستقبل.

مما لا شك فيه ان الشرايبي واحد من هؤلاء القلائل الذين لم تستهلكهم أزمنتهم، لأنهم انشغلوا بما هو أعمق من الوقائع العابرة : انشغلوا بالإنسان في توتراته الداخلية، وبالمجتمع في تناقضاته، وبالحرية في معناها الأكثر إشكالا وتعقيدا.

ولد إدريس الشرايبي سنة 1926 بمدينة الجديدة، التي كانت تعرف آنذاك بمزاغان، في مغرب كان يعيش تحت وطأة الحماية الفرنسية ويشهد تحولات عميقة على المستويات السياسية والاجتماعية والثقافية. وقد وجد نفسه منذ وقت مبكر في قلب أسئلة الانتماء والهوية والتحديث، وهي الأسئلة التي ستشكل لاحقا النواة الأساس لمشروعه الروائي المتفرد، حيث لم يكن ولوجه عالم الكتابة امتدادا لتقليد أدبي قائم، بل كان أشبه بمحاولة للبحث عن مسار خاص به، مسار يرفض الامتثال للصور الجاهزة.

حين صدرت باكورة أعماله، رواية «الماضي البسيط» سنة 1954، بدا وكأن مبدعا شابا قرر أن يسبح عكس التيار. ففي الوقت الذي كانت فيه الكتابة المغاربية الناشئ في مجملها، منهمكة في مجابهة الاستعمار وفضح ممارساته، نقل الشرايبي بؤرة الاهتمام إلى الداخل، إلى المجتمع نفسه، وإلى البنى الثقافية والاجتماعية التي تعيق تحرر الإنسان حتى في غياب المستعمر. لم يكن ذلك الموقف سهلا ولا مألوفا في سياق تاريخي كانت الأولوية فيه للمعركة الوطنية، ولذلك قوبلت الرواية بعاصفة من الجدل والنقد اللاذع.

بيد أن ما أثار الاعتراض آنذاك لدى شريحة واسعة من المهتمين بالشأن الأدبي هو بالضبط ما منح العمل قيمته التاريخية والأدبية لاحقا. فقد امتلك الشرايبي شجاعة نادرة في اثارة المسكوت عنه، وفي كشف النقاب عن التوترات التي كانت تتوارى خلف الشعارات الكبرى. لم يكن معنيا بإنتاج خطاب نمطي، بل كان معنيا بطرح الأسئلة الشائكة التي يتجنبها الآخرون. ولهذا ظل اسمه مقترنا، منذ بداياته، بمبدأ الحرية الفكرية، لا بوصفها شعارا سياسيا فحسب، بل باعتبارها ممارسة نقدية دائمة لا تستثني أحدا، ولا تعفي أي سلطة من المساءلة و على رأسها السلطة الأبوية.

ومن هنا تحديدا تنبع فرادة مشروعه الأدبي. فالشرايبي لم يكن كاتبا أيديولوجيا بالمعنى التقليدي للكلمة، ولم يسع إلى بناء منظومة فكرية مغلقة أو تقديم أجوبة حاسمة. بل كان كاتبا دائم القلق، مسكونا بهموم وطنه الأم، موزعا بين الوفاء للذاكرة والحاجة الماسة إلى نقدها، بين البحث عن الهوية والخوف من تحول هذه الهوية إلى سجن يكبح جماح ابداعة الفني.

ولعل هذا ما يفسر صعوبة وضعه داخل خانة أدبية واحدة. فقد ظل إدريس الشرايبي طوال مسيرته الأدبية التي امتدت لعقود عصيا على التصنيف، متنقلا بين موضوعات متعددة وأساليب مختلفة. إنه من الكتاب الذين يوثرون السؤال الدائم على الحقائق اليقينية، والحركة على السكون. لذلك ظلت أعماله مفتوحة على قراءات متعددة ومتجددة، قادرة في كل مرحلة على الكشف عن أبعاد جديدة لم تكن ظاهرة من قبل.

وإذا كانت بعض القراءات النقدية قد وقفت طويلا عند صورة الفتى المتمرد، فإن هذه الصورة، على الرغم من صحتها، ليست قمينة بفهم عالمه الإبداعي المعقد. فخلف النقد اللاذع والسخرية المريرة التي طبعت جل انتاجاته الأدبية تتوارى حساسية إنسانية مفرطة، ووعي مؤلم بهشاشة الكائن البشري. وهذا ما حدا بالناقد ذي الأصول المغربية الفرنسية، سليم جاي، في مستهل كتابه الموسوم بأنطلوجيا الكتاب المغاربة بالمهجر، الصادر بدار النشر لا كروازيه دي شومان، القول : ” لم يتنكر إدريس الشرايبي قط لخصوبته الإبداعية التي لم تفتر يوما، وقد توفي بمدينة كريست – حيث يحمل أحد شوارعها اليوم اسمه – في الأول من أبريل سنة 2007 . وقد ظل في المحصلة، وفيا لطبيعته الساخرة الدقيقة وميله إلى الدعابة الذكية، مؤكدا للمرة الأخيرة إرادته الراسخة في ألا يأخذ على محمل الجد سوى كتبه، تلك التي نادرا ما تخلو من روح الفكاهة، لا سيما حين يتناول سرد تحقيقات المفتش علي.”

من اللافت للنظر أن كثيرا من الأسئلة التي طرحها إدريس الشرايبي في كتاباته تبدو اليوم أكثر راهنية مما كانت عليه حال صدورها. فالهجرة، وتعدد الانتماءات الثقافية، وصراع الأجيال، وأزمة الهوية، والعلاقة الملتبسة بين الأصالة والتحديث، كقضايا محورية تكررت في رواياته، كلها قضايا تتصدر النقاش العالمي المعاصر. ولهذا ينتاب القارئ المعاصر شعور، وهو يعيد قراءة نصوص الشرايبي الأولى، بأنه ليس بصدد قراءة كاتب ينتمي للماضي، بقدر ما يتحاور مع عقل متقد ما يزال يفكر في قضايا الانسان الراهنة.

وفي عالم تتصاعد فيه النزعات الهوياتية من جهة، وتتمدد فيه أشكال من العولمة المنفصلة عن الجذور من جهة أخرى، تكتسب تجربة الشرايبي أهمية خاصة. فهي تذكرنا بأن الهوية ليست معطى ثابتا، بل سيرورة مستمرة من الحوار والمراجعة والتجدد. كما تذكرنا بأن الحرية لا تتحقق بتغيير السلطات فقط، بل تحتاج أيضا إلى تحرير العقول من الخوف، ومن الجمود الفكري، ومن الاستسلام للموروث، لاسيما حينما يتحول إلى عائق أمام التفكير.

إن الاحتفاء بمئوية إدريس الشرايبي اليوم لا ينبغي أن يكون مجرد استعادة لذكرى كاتب كبير، بل مناسبة لإعادة اكتشاف معنى الأدب نفسه. فالأدب، في تجربة الشرايبي، ليس تزيينا للواقع، بل هو فعل مساءلة دائم. إنه المجال الذي نتعلم فيه كيف نشك، وكيف نعيد النظر في مسلماتنا، وكيف ننصت إلى الأصوات التي يفضل المجتمع تجاهلها.

بعد مئة عام على ميلاده، ما يزال إدريس الشرايبي حاضرا بيننا كصوت يواصل طرح الأسئلة نفسها التي لم نفلح بعد في الإجابة عنها. وربما في هذا تحديدا يكمن تفرد الكتاب الكبار: كونهم يتركون وراءهم أعمالا مفتوحة على المستقبل، كما لو أنها كتبت لتبدأ حياتها الحقيقية بعد رحيل أصحابها.

أستاذ اللغة الفرنسية وباحث في الأدب المغاربي

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • مولاي أحمد
    الجمعة 12 يونيو 2026 - 22:51

    التفاتة جميلة ومستحقة من ذ.محمد عالي الحيرش في حق أحد أعلام الأدب المغربي، إدريس الشرايبي، الذي ترك بصمة فكرية وإبداعية ما زالت تلهم الأجيال. إن استحضار مساره في الذكرى المئوية لميلاده ليس فقط تكريماً لكاتب كبير، بل دعوة لإعادة اكتشاف قيم الحرية والفكر النقدي التي دافع عنها طوال حياته. كل التقدير لهذه المبادرة الثقافية الهادفة.

  • Educo Med
    السبت 13 يونيو 2026 - 02:14

    شكرا اخي احمد على هذا التعليق الطيب. بالفعل الكاتب الكبير ادريس الشرايبي يستحق الاشادة و التكريم بمناسبة ذكرى ميلاده المئوية.
    تحياتي

صوت وصورة
الرميلي وتخفيف تكلفة العلاج
الجمعة 18 شتنبر 2026 - 21:29

الرميلي وتخفيف تكلفة العلاج

صوت وصورة
محافظ ثقيلة وأطفال صغار
الجمعة 18 شتنبر 2026 - 20:29

محافظ ثقيلة وأطفال صغار

صوت وصورة
استفدت من 800 درهم وسأدعم "الأحرار"
الجمعة 18 شتنبر 2026 - 20:00 1

استفدت من 800 درهم وسأدعم "الأحرار"

صوت وصورة
ادّخار اليوم لضمان الغد
الجمعة 18 شتنبر 2026 - 19:16 1

ادّخار اليوم لضمان الغد

صوت وصورة
سخي سخي سخي بحال إنوي
الجمعة 18 شتنبر 2026 - 17:42

سخي سخي سخي بحال إنوي

صوت وصورة
لقاء خاص | محمد أوجار
الجمعة 18 شتنبر 2026 - 17:00 1

لقاء خاص | محمد أوجار