إمْسَاكُ الوَاقِعِيّ بِيَدِ السِّحْرِيّ

إمْسَاكُ الوَاقِعِيّ بِيَدِ السِّحْرِيّ
الأحد 24 نونبر 2019 - 20:45

المُدْهِش والخارِقُ، ما يفتح أُفُقَ الدَّهْشَة، بل يجعل الواقعي يبدو أكثر واقعيةً في سِحْرِيَّتِه وغرائِبِيَّتِه، وفي ما يَخْتَزِنُه في مَشْهَدِيَّتِه من مُفارقاتٍ وتناقضات وتضَادّ، هي، تشبه في جوهرها قُبَّعَة السَّاحِر الذي يُحَوِّلُ اللون إلى معنىً يفوق المعنى ويتجاوزه، بل هو يَسْتَوْلِدُ المعاني الخِبِيئة، يُخْرِجُها من ظلمتها، التي، غالباً، ما تَحْجُبُ عنَّا ما في الواقع من عَراء، لا نراه بحكم العادة.

لا يتوهَّم شفيق الزُّكَارِي، في هذا العمل الجديد، علائِق غير معقولة بين مخلوقاته، فهو، بعكس من ذهبوا في هذا المَنْحَى، أعاد للطبيعة ما افْتَقَدَتْه في علاقة البَشَرِيّ بالبَهِيمِيّ أو الحيوانيّ، كلاهما، هنا، لِبَاس للآخر، وهما في وضع الانفصال ليسا سوى صورة لذلك العراء الأنطولوجي الذي نحيا فيه، وهو ما يُشَكِّلُ واقعنا اليومي، بكل مفارقاته وصراعاته المُفْرِطَة فى شراسَتِها.

هل تخلَّص الإنسان من الحيوان فيه؟ هل هُمَا خلائق وُجِدَتْ لتكون بذاتها، أم الوجود، هنا، هو وجود بالالْتِبَاس، وبالأقنعة التي وراءها يتخَفَّى كُل كائن لينسب العطب والخلل إلى الآخر، أو الوجود، في أعمال شفيق المُرْعِبَة هذه، هو وجود بالسِّحْرِيّ الذي كان أوَّل ما التجأ الإنسانُ إليه ليفهم به كيف تدور الأرض، وكيف الزوابع والعواصف والكوارث تجري في الأرض، وهذه، عنده، طريقة لنقد واقعنا الراهن، ولوضع الإنسان في سياق الازدواجية التي تسكن ذاته، وتحكم رؤيته للآخرين.

أليس هكذا بدأنا طفولتنا في رسم السِّحْرِيّ العجائبيّ باعتباره معقولاً وواقعاً؟ إننا إزاء خيال طفولي يَسْتَعِيدُ بِداياته الأولى، وهي بدايات اكْتِشَاف واسْتِشْفَاف، ورغبة في اعتقال غمامة في زُجاجة. وهذا يعود بنا إلى فرويد في قولته الشَّهِيرَة «الطفل أبُ الرَّجُل».

من يتأمَّل هذه الأعمال الأخيرة لشفيق الزُّكارِي، أو يقيسها بغيرها، أو ينظر إليها مُجَزَّأَةً، كما ينظر إلى قِطَع البُّوزَلْ، مُتَناثِرَةً، لِيَسْتَجْمِعَها في الصورة، أو في الشكل الذي يَتَوَهَّمُهُ، سيكون أخطأ الطريق إلى طبيعة الرؤيا التي تحكم جوهر هذه الأعمال، كما سيكون أخطأ الطريق إلى الأطار الذي داخله تجري هذه المَشْهَدِيَّة الخَوَارِقِيَّة السِّحْرِيَّة التي لا تُفْضِي إلا إلى ذلك السقوط الأول المُرِيع، الذي فيه بدا الأنسان عارِياً، بلا معنى، بدا مَأْخُوذاً، مسحوراً، تدور به الأرض، ولا بيت ولا مسكن، ولا إقَامَةَ له، بل لا هوية له، فهو كل الوجوه ولا وجه له.

الكينونة هنا، تَتَخلَّف باللون، بِقَتامَة الألوان وما تَحْتَمِلُهُ من سَدِيمِيَّةٍ، بتجاوُباتِها، وتصَادِيها، بالفراغات التي تخترقها علامات وإشارات خاطفة مثل مجرَّاتٍ تظهر فَجْأَةً في طُلْمَةِ السَّماء ثُمَّ تَخْتَفِي، باعتبارها رموزاً تتقاطع مع الحروف المتشظية المُتَشَذِّرَةِ، التي بدل أن تُساهِم في فَكِّ السِّحْر وطِلَّسْمِيَّةِ اللَّوْحَةِ، تُضاعِفُ سحريتها وتُؤَزِّمُها، مثل علاج الصَّدَمات بالصَّدَمات. إنها إذن، كينونة التَّشَذُْر، وكينونة التشَتُّتِ، والثُّنائِيات الضِّدِيَّةِ، حيث الهوية تَمَّحِي، وتذوب في بعضها، مثل الماء حين يذوب في الماء، لِيَحُلَّ محلَّها المعنى الفائق للمعنى، ما يتجاوز المعنى ويُفْضِي إلى نقيضه، بلد إلى ما تَمَنَّع منه في فهم واستيعاب هذا الواقع المُركَّب المُلْتَبِس، والغارق في سَدِيمِيَّتِه.

يمكن اعتبار هذه الأعمال، بمثابة «غرنيكا» في سياق آخر مغاير، هو سياق الواقع الذي هو حرب يومية خَفِيَّة صامتة، فيها الإنسان تخَفَّى وراء غيره من الكائنات، ليقول في نهاية الأمر: إنَّ الذئب، هو من قتل يوسف !!؟

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • KITAB
    الأحد 24 نونبر 2019 - 22:59

    حقيقة أن التأمل في أعمال الفنان التشكيلي شفيق الزُّكارِي تحيل المشاهد والزائر عموماً إلى عوالم متداخلة في تأمل ارتباط الذات بالواقع، حيث لا وجود لحدود أو أعراف أو حرمات ومقاييس، هذه ورب الكعبة هي عالم الفنان ومحرابه الذي تحده حدود، يتقاطعه أو بالأحرى يتساكن معه الشاعر والفيلسوف، وتكاد تجمعهما في النهاية لغة واحدة مع فارق بسيط في الأدوات، الشاعر يذهب سابحا عبر الكلمات والأحرف بينما الفيلسوف دوماً يستقل بحرا من الاستفهامات اللامحدودة، ويأتي الفنان التشكيلي ليقتحم عالمهم بالأصباغ والألوان، وحتى انطباعات الأستاذ بوسريف تحمل في طياتها هذه النفحة من الجمالية الفنية والتحليق بها عبر كلمات سوريالية ذات معاني لامحدودة، وتحياتي

صوت وصورة
ميطا 3 | كيف هزم "الأسود" منتخب ليسوتو؟
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 22:23 2

ميطا 3 | كيف هزم "الأسود" منتخب ليسوتو؟

صوت وصورة
غضب طلبة طب الأسنان بالدار البيضاء
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 22:22

غضب طلبة طب الأسنان بالدار البيضاء

صوت وصورة
إطلاق "كرسي المرأة والمجتمع"
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 21:31 2

إطلاق "كرسي المرأة والمجتمع"

صوت وصورة
ماذا يقول مغاربة عن المنصوري؟
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 20:30 12

ماذا يقول مغاربة عن المنصوري؟

صوت وصورة
أجواء فرح بمراكش عقب تعيين المنصوري
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 20:25 6

أجواء فرح بمراكش عقب تعيين المنصوري

صوت وصورة
مباشر | أول امرأة رئيسة للحكومة بالمغرب
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 19:00 15

مباشر | أول امرأة رئيسة للحكومة بالمغرب