مسار المعرفة والإبداع، لا يتحدَّد، فقط، بما نُنْتِجُه كَكُتَّاب، أو بما نُصْدِرُه من أعمال فكرية، أو أدبية، أو فنية، بل بما يُرافِقُه من عمل جمعوي، ومن انخراطٍ في الشّأن الثقافي، من خلال الاتصال المباشر بالقاريء، أو بمن يَهُمُّهُم شأن المعرفة والإبداع، من مثقفين، وطلبة، وباحثين، وتلاميذ، ممن يهتمون بالمعرفة، في حقولها المختلفة. ويفرض هذا المسار، في سياقه السوسيوثقافي، على المثقف تضحياتٍ، ونوع من العمل التَّطوُّعي النِّضالي، الذي بدونه، لا يمكن أن يَحْدُثُ اللِّقاء بمختلف المهتمين، والفاعِلين في الشأن لثقافي، أو الرَّاغِبين في دخول هذه الأراضي، التي تحتاجُ لمثل هذا العمل الجمعوي، التطوُّعِي، النِّضالي، الذي كان، دائماً، هو ما أتاحَ فتح قنوات التَّواصُل واللِّقاء، وتوسيع تلقِّي المعرفة والإبداع، وترويجهما، بنوع من الدِّعايَة الثقافية، عبر كُل القنوات، والوسائل المُتاحَة، رغم بساطتها، وما قد نجده في طريقنا من صعوبَاتٍ، وعراقيل، أو حتَّى مَنْع، كما حدثَ أكثر من مرَّة.
اتِّحاد كُتَّاب المغرب، في الأصْلِ، أي إبَّانَ تأسيسه، على يَدِ مثقفين، ومفكرين، وكُتَّاب، كان هاجِس ترويج المعرفة، وتداوُلِها، والخُروج بها من سياق الجامعة إلى سياق الاتصال المجتمعي المباشر، هو المبدأ الجوهري والأساسي، مهما كانت التأويلات، التي يمكن إعطاؤها لانبثاق الفكرة، وخُروجها إلى الوجود. فهو، قبل كل شيء، جمعية خاصة بشريحة من الناس، وهذه الشَّريحة، هي إحْدَى نُخَب المجتمع، ممن نَذَرُوا أنفسهم للمعرفة والإبداع، بعيداً عن كل أشكال التَّخَنْدُقات، والانتماءات الأيديولوجية، التي حدثَتْ في ما بعد التأسيس، لتصير فكرة اتحاد كتاب المغرب العربي، فكرة اتحاد كُتَّاب المغرب، ولتصير تابعةً للسياق السياسي العام، بكل ما كان فيه من صراعاتٍ، وتَقاطُباتٍ، ورغبة كل فصيلٍ في الهيمنة على الاتحاد، وجَرِّه إلى جهة دون أخرى. هذا ما حدث إبَّان سَحْبِ الاتحاد من «حزب الاستقلال»، ووضعه في يَدِ «الاتحاد الاشتراكي»، أو ليصير غنيمة يَسارٍ، كان في حاجة لتحويل الاتحاد من منظمة تميل لِكَفَّة التقليد والمُحافظَة، إلى منظمة يغلب عليها التَّحديث والتجديد، وبالتالي، حمايتها من الانجرار جهة «النِّظام»، الذي طالَما سعَى لاحتواء الاتِّحاد، ولَحَرْفِه عن مساره اليساري المُعارض، بِكُل ما فيه من أطياف سياسية، رغم هيمنة «الاتحاد الاشتراكي»، أو غلبته العددية، التي كانت هي الفَيْصَل في ترجيح كفَّة زيْد، على حساب عَمْر.
لكن، حين نعود إلى بعض الوثائق، والشّهادات، لأشخاص لا يمكن الطَّعْن في مصداقية رأيهم، وفكرهم، وما تَحَلَّوْا به من نزاهَة، وأعني، تحديداً، شهادة الأستاذ الجليل أحمد اليبوري، الذي قال عنه الأستاذ أمجد الطرابلسي، بأنه رجل « الوفاء للمبدأ، وللحق وللصداقة، يدعمُه العلم والصراحة والجُرأة، وصلابة الخُلُق»، والتي كتبها في حقّ محمد عزيز الحبابي، الذي ارتكز في مساره الفكري والإبداعي على قِيَمٍ فكرية، كان أهَمّها، «الحوار مع الذات الحضارية» و «الانفتاح على الآخر» و «الكتابة والوعي»، أو «خلق الوعي» و«رفض الإقطاعية الفكرية» و الميل إلى «الاستقلال الفكري»، يمكننا أن نجد، كلمة حقّ، في الدور الذي لعبه هذا الرَّجُل في «منح اتحاد كتاب المغرب، خلال فترة رئاسته، نزعة إنسانية مُتَفَتِّحَةً، حَذِرَةً، في فترة كانت تغلي فيها الساحة الثقافية بِلُوَيْنَاتٍ من الخطاب الماركسي والوجودي، حول الالتزام والتغيير في منتصف الستينيات». ما يعني، أنَّ محمد عزيز لحبابي، المفكر والمبدع، أو المثقف، بقدر ما كان صاحِبَ مشروع فكري إبداعي، بقدر ما كان حريصاً على أن يكون هذا لمشروع في قلبِ الاتِّحاد، خصوصاً في شِقِّ الاستقلالية، وحرية الرأي، وتوسيع أفق الوعي، ليشمل المعنى الإنساني، في انْفِتاحِه، وعُمْقِه.
في افتتاحيته لمجلة «آفاق»، كما أثْبَتَها الأستاذ أحمد اليبوري في شهادته، أكَّد لحبابي أنَّ المجلة ينبغي أن تكون «ملتقى مختلف الاتجاهات» و «مرآة مختلف الحركات الفكرية بالمغرب الكبير[المغرب العربي] لا مجلة هيئة ثقافية أو سياسية كيفما كانت». فلا داعِيَ لتحريف معاني الكلمات، هُنا، كون التَّوجُّه كان، في أساسه، تعبيراً عن مبدأَيْ الاستقلالية، وحرية الرأي والاختيار، لا إكراه، ولا إجبارَ، ولا هيمنةَ جهةٍ على جهة بحكم العدد، أو بحكم الاستحواذ والاستفراد. في الثقافة، وفي المعرفة، وفي الإبداع، لا حُدودَ، ولا قيود، ولا إجْبار، أو مُصادرَة للرأي المُنْتَقِد، المنضبط للحق، والنزاهة والإباء، بل الرأي والرأي المُخالِف، وثقافة الإنصات، والحوار، وإدارة الاختلافاتِ، حتَّى لا تتحوَّل إلى خلافاتٍ، ونزاعاتٍ، أو اشْتباك بالأيْدي.
ويقول الأستاذ اليبوري، في نفس السياق «على هذا الأساس، يعتبر اتحاد كتاب المغرب في الفترة المُشار إليها، اختراقاً غير مباشر للمجال السياسي، وعملاً سياسياً بالمعنى الثقافي العام للكلمة، وذلك ما يفسر إقبال مختلف الفعاليات الفكرية عليه، وتموقعها داخله، في إطار علاقات تفاعُل أو تكامُل أو توتّر، حسب الشروط السوسيوثقافية السائدة»، و «دون أن ينصاع للتوجيهات الحزبية، أو الأومر الرسمية بصفة عامة».
مربط الفرس، في قول الأستاذ اليبوري، هو هذا الانتماء للثقافي، باعتبار المثقف صاحبَ فكر ونَظَر، ولا يحتاج لوصاية الحزب، أو الدولة عليه، فهو وَصِيّ على نفسه، بل إنّ الحزب والدولة، هُما مَنْ في حاجَة إلى فكره، لا إليه باعتباره تابعاً، أو مُبَرِّراً لاختياراتٍ، وقراراتٍ لا رأْيَ له فيها. ومحمد عزيز لحبابي، بهذا المعنى، صان الفكرة من التلاشي والانهيار، وصانَها من التّخَنْدُق، رغم ما يُقال عن الرجل، وعن فترة وجوده على رأس الاتحاد من كلام، هو نقيض هذه «الحقيقة» التي خرجت من لِسانٍ، أو قَلَمٍ نظيف، لا يُجامِل، ولا يتحامَل، بل يقول ما قاله الطِّفْل للإمبراطور، الذي حين كان يُصَفِّق الجميع لعرائه، فهو فَضَح عراءَه، وقال كلمتَه، دون تزويق، أو ترميق، Bricolage بما يعنيه ذلك من تلاعُبٍ بالكلام، وفَتْحِه على كل المعاني والدَّلالاتِ، دون فائدة أو طائل.
لا حِيادَ في الثّقافة، فمجرد التفكير في توسيع المعرفة وترويجها بين النَّاس، والخروج بها إلى القاعات،، والساحات العامة، أي إلى المجتمع، فهذا يجعلها في حالة مواجهة، ولها رأي وموقف، وهي، بالتالي، تتصرَّف، باعتبارها بديلاً، أو هي نفسها،لا باعتبارها ناطقةً باسم غيرها، ممن يَبْتَلِعُ صَوْتَها، ويَسْتَعْمِلُه لمصلحته، فقط. فـالثقافة، يقول الأستاذ اليبوري، ليست موقفاً مُحايداً في العالم، وليست انتماء سياسياً مباشراً، ولكنها منظومة أفكار ومباديء وقيم»
الاتحاد، إذن، ووفق هذا المنظور الثقافي الذي فيه تمييز واضح، وعميق بين «السياسة» La politique و«السياسي» Le politique، كان اتِّحاداً للمثقفين، لا للمُقاوِلِين، بما قد تعنيه هذه الكلمة من استثمارٍ، يقوم به هذا الطرف أو ذاك لصالحه، ولمصلحته، دون التفكير في مصلحة جميع من هُم معه في نفس الخندق، أو من يعتبرهم حَطَباً، لإشعال الحرائق، ليس أكثر، وهذا ما حدث، وما يحدث، خصوصاً في الوقت الراهِن، الذي أصبح فيه الاتحاد بلا صَوْتٍ، ولا طَعمٍ، ولا لَوْنٍ، مثل الماء، ليس في صفائه، ونقائه، بل حين يَجْمُد، ويتوقَّف عن التَّدفُّق، والحياة، ليصير بِرْكَةً، تُعَشِّش فيها الطُّفيْلِياتُ، التي هي سبب الأمراض، وما قد يُصيب الغارقِينَ فيه من قُروحٍ، لا علاجَ لها سِوَى الكَيْ، وفق التعبير العربي القديم.
إنَّ «مصيبة» الجمعيات الثقافية، كما قال الشَّابي في زمنه، هو أنَّها ما أن تبدأ حتَّى تموت، أو أنَّ من يقومون عليها يكونون سبب موتها، بما يُقْدِمُون عليه من تشويه لمعناها الذي كان طريقاً وأفقاً، وهذا هو وضع اتحاد كتاب المغرب، بعد أن زال عنه غطاء الكاريزمات الثقافية، وغطاء المعنى الثقافي، ليتحوَّل إلى حانوتٍ لعرض البضائع الفاسدة، لا يخضع لمراقبة الجودة، ولا لصلاحية المواد المعروضة للبيع، ولو بأبخس الأثمان.
المثقف النبيل، هو المثقف الذي لا تُغريه الغنائِم، ولا يجري وراءَ الأشياء الصغيرة، العابرة. عمل المثقف، هو عمل حَفْرٍ في العمق، وعمل شاقّ، وهو تَعلُّم دائم، وإنصاتٌ، وحوار مع الماضي، والحاضر، واكتشافٌ، واختبار للمعارف، دون الدُّخُول في تعاقُداتٍ مشبوهَة، تُشْبِه في، عمقها، تعاقُد «فاوُسْت» مع الشيطان، الذي فَوَّضَ له دَمَه بعد موته، لينعم بألاعيبه، وهو على قَيْدِ الحياة.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.