اعتراف كولومبيا بمغربية الصحراء

اعتراف كولومبيا بمغربية الصحراء
الإثنين 10 غشت 2026 - 17:55

قرارٌ يتجاوز البروتوكول

لم يكن الإعلان الصادر عن بوغوتا في مستهل غشت 2026 خبرًا دبلوماسيًا عابرًا؛ فكولومبيا أعلنت اعترافها بسيادة المغرب على صحرائه وسحب اعترافها بـ”الجمهورية الصحراوية” المزعومة بعد ساعات قليلة من أداء الحكومة الجديدة اليمين الدستورية، في واحد من أولى قرارات سياستها الخارجية؛ القرار، الذي أُعلِن عقب لقاء جمع نائب الرئيس الكولومبي خوسيه مانويل ريستريبو ووزير الخارجية عمر بولا إسكوبار بوزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة في مدينة كالي، وصفه الأخير بـ”التاريخي” القادر على إعطاء دفعة كبرى للعلاقات الثنائية. أما ريستريبو فذهب أبعد، معتبرًا المغرب “أول حليف لكولومبيا في إفريقيا” ومعبّرًا عن رغبة بلاده في شراكة استراتيجية مع المملكة.

بهذا القرار، تُطوى صفحة أربعة عقود من الاعتراف الكولومبي بالكيان الانفصالي الذي بدأ سنة 1985، ويُعكس مسارُ حكومة غوستافو بيترو التي كانت قد أعادت العلاقات مع الكيان الوهمي سنة 2022 بعد تجميد دام منذ 2001. لكن الأهم من البعد الثنائي أن الخطوة الكولومبية تتوج مسارًا تاريخيًا أوسع: تحوّل الأمريكتين من معقلٍ صدّر الاعترافات للأطروحة الانفصالية زمن الحرب الباردة، إلى فضاءٍ يصدّر اليوم سحب الاعتراف وتأييد مبادرة الحكم الذاتي.

أولًا: الجذور التاريخية: كيف صارت الأمريكتان حاضنةً للانفصال؟

لفهم حجم التحول، لابد من استحضار السياق الذي وُلدت فيه الاعترافات اللاتينية بالكيان الانفصالي. فخلال السبعينيات والثمانينيات، وفي ذروة الحرب الباردة، تشكّل الاعتراف بالـ”جمهورية الصحراوية” ضمن منظومة خطابية كانت رائجة آنذاك: خطاب “حركات التحرر”، والاصطفاف مع المعسكر الشرقي، والنفوذ الكوبي في القارة. وفي هذا السياق توالت الاعترافات: بنما سنة 1978، سورينام 1982، الإكوادور 1983، البيرو 1984، كولومبيا 1985، ثم السلفادور وهندوراس سنة 1989.

كانت هذه الاعترافات، في جوهرها، مواقف أيديولوجية وسياسية مرتبطة بلحظة دولية محددة، لا تستند إلى أي أساس قانوني أو واقعي؛ بدليل أن كثيرًا من الدول نفسها ستعود لاحقًا للتراجع عنها حين تغيّرت الظروف.

ثانيًا: الجزر التدريجي: موجات سحب الاعتراف

مع نهاية الحرب الباردة، وبروز واقعية المقاربة المغربية- خصوصًا بعد تقديم مبادرة الحكم الذاتي سنة 2007- بدأ “الجزر” التدريجي للاعترافات في القارة:

– الموجة الأولى (التسعينيات وبداية الألفية): السلفادور سحبت اعترافها سنة 1997، وهندوراس وباراغواي سنة 2000، والإكوادور سنة 2004.

– موجة التذبذب ثم الحسم: عادت بعض الحكومات اليسارية لإحياء الاعتراف مؤقتًا، قبل أن يُسحب مجددًا: باراغواي 2014، سورينام 2016، والسلفادور 2019. وقد جددت سورينام لاحقًا تأكيد سحب اعترافها مع دعمها لحل سياسي نهائي تحت السيادة المغربية.

– نقطة التحول الكبرى: الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على صحرائه في دجنبر 2020، الذي أعاد ضبط بوصلة القارة تجاه الواقعية السياسية.

– الموجة الأخيرة (2023–2026): البيرو علّقت اعترافها في شتنبر 2023، وبنما- التي كانت من أوائل المعترفين- علّقت الاعتراف في نونبر 2024 في خطوة وُصفت بنقطة التحول الاستراتيجية، والإكوادور سحبت اعترافها في أكتوبر 2024 مؤكدة دعمها للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وهندوراس سحبت اعترافها في أبريل 2026، وصولًا إلى التتويج الكولومبي في غشت 2026.

أما اليوم، فلم يتبقَّ في الأمريكتين سوى دول معدودة ما تزال تعترف بالكيان الوهمي، لكنها ليست على مستوى واحد من التأييد والدعم، بل تتوزع على ثلاث شرائح متفاوتة الثقل والالتزام:

– المحور الايديولوجي: تقف فنزويلا وكوبا في صدارة المعسكر الانفصالي، فكاراكاس- بقيادة تشافيز ثم مادورو- كانت الأكثر حماسًا وصوتًا في الترويج لـ«البوليساريو» داخل المحافل الإقليمية والدولية، مدفوعةً بأيديولوجيا بوليفارية مناهضة للغرب، وتحالفٍ استراتيجي متين مع الجزائر. أما هافانا، فهي حليف تاريخي للجزائر منذ حقبة الحرب الباردة، وتحتفظ بعلاقات دبلوماسية مع الكيان الوهمي، وإن كان ثقلها الدولي قد تراجع بفعل أزماتها الاقتصادية المتلاحقة وانكفائها على شؤونها الداخلية.

– المحور المتضامن: تأتي نيكاراغوا وبوليفيا في مرتبة ثانية؛ فماناغوا تحت حكم أورتيغا تتبنى خطابًا تضامنيًا مع الانفصاليين انسجامًا مع محور كاراكاس–هافانا، لكن تأثيرها الفعلي يظل محدودًا بسبب عزلتها الدولية المتزايدة. أما لاباز، فموقفها أكثر تقلبًا، إذ بلغ الدعم ذروته في عهد موراليس ثم تذبذب مع التغيرات السياسية الداخلية، ما يجعل تأييدها أقرب إلى الالتزام الرمزي منه إلى الثبات الاستراتيجي.

– محور الاعتراف السلبي أو التاريخي: تشكل المكسيك والأوروغواي وبليز الشريحة الثالثة، حيث يمكن وصف اعترافها بأنه أقرب إلى “إرث دبلوماسي” منه إلى موقف نشط؛ فالمكسيك- رغم اعترافها السابق- تتبنى تقليديًا عقيدة عدم التدخل والحياد، ولا تلعب دورًا فاعلًا في الترويج للأطروحة الانفصالية. والأوروغواي تأرجح موقفها مع تعاقب الحكومات بين اليسار واليمين دون أن تشكل ثقلًا مؤثرًا في الملف. أما بليز، فهي دولة صغيرة ذات حضور دولي محدود، ويكاد اعترافها يكون شكليًا بحتًا.

وبهذا التفاوت في مستويات التأييد، يتضح أن المعسكر المتبقي ليس كتلة متجانسة، بل خليط من حلفاء أيديولوجيين ملتزمين، ودول ذات مواقف رمزية أو متذبذبة، ما يعزز الانطباع بأن هذا المعسكر يفتقر إلى العمق الاستراتيجي، وأن مساره يتجه نحو مزيد من التآكل والعزلة.

ثالثًا: من سحب الاعتراف إلى تأييد الحكم الذاتي:

تكامل المسار اللافت في التحول اللاتيني أنه لم يعد يقتصر على “سحب الاعتراف” بوصفه فعلًا سلبيًا، بل تطور إلى تأييد إيجابي لمقترح الحكم الذاتي المغربي:

كوستاريكا: أعلنت دعمها لمبادرة الحكم الذاتي.

البيرو: جددت دعمها الكامل لقرار مجلس الأمن 2797 الذي يكرّس المبادرة المغربية أساسًا للتسوية.

كندا: وصفت المقترح المغربي في أبريل 2026 بأنه أساس “جاد وذي مصداقية” للحل. وهكذا تجاوز عدد الدول الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي 130 دولة عبر العالم.

ويكتسي هذا المسار شرعيته الأممية من القرار 2797 الصادر عن مجلس الأمن في 31 أكتوبر 2025، وهو القرار الذي مدّد ولاية المينورسو وكرّس، للمرة الأولى، خطة الحكم الذاتي المغربية بوصفها الأساس الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق لحل النزاع. وقد اعتبره باحثون غربيون أول قرار من مجلس الأمن يدعم صراحة الخطة المغربية.
رابعًا: الدلالات الاستراتيجية للاعتراف الكولومبي

1. سقوط آخر المعاقل الرمزية للانفصال في أمريكا الجنوبية.

لم تكن كولومبيا دولة هامشية في معسكر الاعتراف بالكيان الوهمي؛ فهي ثالث أكبر اقتصاد في القارة، وعضو مؤثر في محافل عدم الانحياز ومنظمة الدول الأمريكية، وكانت حتى الأمس القريب- في عهد حكومة بيترو- تَعِدُ بدعم غير مشروط لتقرير المصير، بل أعادت العلاقات مع “الجمهورية” المزعومة سنة 2022 بعد تجميد دام منذ 2001. لكن انقلاب موقفها، الذي جاء في اليوم الأول من ولاية الحكومة الجديدة، يعني أن الأطروحة الانفصالية فقدت آخر سند رمزي كبير لها في نصف الكرة الغربي. والأهم أن هذا التحول لا يُقرأ بوصفه حدثًا معزولًا، بل باعتباره تتويجًا لمسار تساقطٍ متتابع بدأ مع البيرو (2023) مرورًا بالإكوادور وبنما (2024) وهندوراس (2026)، ليكتمل المشهد بسقوط كولومبيا. وبذلك تنهار السردية التي طالما وظفتها جبهة البوليساريو للترويج لـ “تضامن أمريكا اللاتينية” مع ما تسميه “حق الشعب الصحراوي”، إذ لم يعد لهذا الادعاء أي صدى مؤسسي أو دبلوماسي في القارة.

2. بعدٌ أممي مباشر: مقعد مجلس الأمن.

يكتسي القرار الكولومبي وزنًا قانونيًا استثنائيًا بتزامنه مع عضوية بوغوتا غير الدائمة في مجلس الأمن ابتداءً من 1 يناير 2026. فملف الصحراء ليس ملفًا عاديًا في أروقة الأمم المتحدة، بل هو ملف قائم بذاته تُجدَّد ولاية بعثة “المينورسو” سنويًا في أكتوبر، وتُصاغ قراراته التنفيذية بناءً على القرار الإطار 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025. لذلك، فدولةٌ- بهذه المواصفات- تعترف صراحة بسيادة المغرب على صحرائه لن تكون مجرد مراقب محايد، بل ستصوّت لصالح تجديد الولاية، وستدفع نحو صياغة قرارات تُرّسخ الحكم الذاتي كحل وحيد، وستواجه أي محاولة جزائرية أو من البوليساريو لتعطيل المسار أو تخفيف لغته. وبهذا يتحول الاعتراف الكولومبي من مجرد موقف دبلوماسي رمزي إلى رافعة قانونية فاعلة داخل الجهاز الأممي الوحيد المختص بالملف، ما يضيف لبنة جديدة إلى الجبهة الداعمة للمغرب داخل المجلس.

3. عزل محور الجزائر-بوليساريو دبلوماسيًا.

مع تقلّص عدد المعترفين بالكيان الوهمي إلى حفنة دول لا تتجاوز أصابع اليد، يتأكد أن “الجمهورية الصحراوية” المزعومة ليست سوى كيان دبلوماسي متآكل، يفتقر إلى مقومات الدولة من إقليم وشعب وحكومة فعلية، ويعيش حصريًا على الدعم المالي والسياسي الجزائري. والأخطر على هذا المحور أن الدول القليلة المتبقية في معسكر الاعتراف- مثل فنزويلا وكوبا ونيكاراغوا وبوليفيا- هي نفسها دول معزولة دبلوماسيًا ومأزومة داخليًا؛ ما يجعل “الاعتراف” الذي تمنحه بلا قيمة استراتيجية حقيقية. في المقابل، تتوسع الجبهة الدولية المساندة للوحدة الترابية للمملكة لتشمل أوروبا (فرنسا، إسبانيا، كندا، ومعظم دول الاتحاد)، وإفريقيا (بعد عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي وفتح عشرات القنصليات في الأقاليم الجنوبية)، والأمريكتين معًا. هذا التمدد، متعدد الأقاليم، يُفقد الجزائر ورقة الضغط التي طالما استخدمتها في سياستها الإقليمية، ويكشف أن ملف الصحراء لم يعد ورقة تفاوضية بيد أحد، بل صار قضية محسومة دوليًا لصالح المغرب.

4. المغرب شريكٌ استراتيجي لا بوابة نزاع.

وصفُ نائب الرئيس الكولومبي للمغرب بـ”أول حليف لكولومبيا في إفريقيا” لا يحمل دلالة بروتوكولية فقط، بل يكشف جوهر التحول العميق في مقاربة دول الأمريكتين للملف؛ فهي لم تعد تنظر إلى قضية الصحراء عبر عدسة الأيديولوجيا وشعارات وَهْم “التحرر” التي سادت زمن الحرب الباردة، بل عبر إدراك الحق الجلي للمغرب في أقاليمه الجنوبية، وعبر منطق المصالح الاقتصادية والجيوسياسية البحتة؛ فالمغرب اليوم ليس مجرد دولة تدافع عن وحدتها الترابية، بل هو بوابة اقتصادية واستثمارية نحو غرب إفريقيا، وفاعل محوري في أمن الغذاء العالمي عبر مجموعة الشريف للفوسفاط التي تُعد من أكبر منتجي الأسمدة، وشريك موثوق في مجالات الطاقة المتجددة ومكافحة الهجرة غير النظامية والتعاون الأمني. كما أن تجربته في التعاون جنوب-جنوب، وبرامج تدريب الأئمة والدبلوماسية الدينية، تجعل منه نموذجًا للاستقرار في منطقة مضطربة. وبهذا الفهم الجديد، يصبح الاعتراف بالسيادة المغربية ليس تنازلًا سياسيًا، بل استثمارًا في شراكة استراتيجية طويلة الأمد، تفتح لكولومبيا وللقارة الأمريكية أبواب إفريقيا عبر بوابة الرباط لا عبر متاهات النزاع.

نهاية حقبة وبداية إجماع

إن اعتراف كولومبيا بمغربية الصحراء ليس حدثًا معزولًا، بل الحلقة الأحدث في سلسلة تحولات بدأت مع سقوط الجدار الأيديولوجي الذي بُنيت عليه اعترافات السبعينيات والثمانينيات. لقد صارت الأمريكتان، اللتان كانتا تصدّران الاعتراف بالكيان الانفصالي، تصدّران اليوم سحب الاعتراف وتأييد الحكم الذاتي، فيما يرسّخ القرار 2797 المرجعية الأممية الجديدة: حلٌّ سياسي واقعي تحت السيادة المغربية. وبينما تتجه دول معدودة ما تزال أسيرة خطاب الماضي نحو عزلة متزايدة، يواصل المغرب حصد ثوابت دبلوماسيته الهادئة: من كان جزءًا من المشكلة في القارة الأمريكية صار جزءًا من الحل المغربي، ومن يتشبث بالوهم يزداد تقلصًا أمام إجماع دولي يتسع يومًا بعد يوم.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • ساءح عربي
    الثلاثاء 11 غشت 2026 - 03:15

    تناقض كولمبيا فالمواقف والنفاق الدولي .
    المغرب ليس في حاجتها لاعترافها المنافق .قرار مجلس الامن هو الاساس .و الذي يدل عليه تخبطها بعد ايام من اعترافها بمغربية الصحراء ها هي اعترافها للكيان الصهيوني بالجولان السوري المحتل والصادر فيه ادانه وقرار من مجلس الامن .

صوت وصورة
تكرار إغلاق "دونور" يغضب الجماهير
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 13:00 3

تكرار إغلاق "دونور" يغضب الجماهير

صوت وصورة
"أونسا" تحارب أمراض النخيل
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 11:23

"أونسا" تحارب أمراض النخيل

صوت وصورة
مع أسطورة البرازيل كافو
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 09:15

مع أسطورة البرازيل كافو

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41 1

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 2

ملعب هسبريس | هشام الدكيك