كانت هناك عقيدة عسكرية فاسدة في الماضي تزعم أن الانتصار لا يتم إلا بالكم البشري، ولذلك كان التركيز على العدد لا النوع. وقد تكون هناك حروب في التاريخ القديم كُسبت بالأمواج البشرية، لكنها قليلة. وقد تمّ التخلي عن هذه العقيدة مع دخول أسلحة تفتك بهذه الأمواج البشرية، مثل المدافع والبنادق، ثم الرشاشات في أواسط القرن التاسع عشر. غير أن الحرب العالمية الأولى، التي عرفت تبنّي الخطوط الدفاعية والتحصينات، أوهمت قادتها بقدرة الأمواج البشرية على خلخلة جمود الحرب، وارتُكبت مجازر فظيعة في حق الجنود من أجل كسب بعض العشرات من الأمتار. وقد قُتل من الألمان والبريطانيين والفرنسيين خلق كثير، في مجازر تبرهن على استرخاص الأرواح من أجل أوهام النصر (قُتل من الفرنسيين 27,000 جندي وضابط في يوم واحد).
تعلّم الغرب المتحضر دروسًا كثيرة من هذه الحرب، فأخذ صناع الاستراتيجيات العسكرية يدرسون الخسارة البشرية بحذر شديد، ويقدّرون نسبة هذه الخسائر من المجموع العام للمهاجمين. وقد طبقوا ذلك في الحرب العالمية الثانية، حيث كانت هذه الخسائر مقبولة بالنظر لحجم المعركة أو الهجوم (في الإنزال الأمريكي سنة 1944 في أوماها بيتش قُدرت الخسائر بسبعة في المائة فقط من مجموع المهاجمين). لكن اليابانيين والسوفيات ظلوا يستعملون الأجساد البشرية قرابين لنيران الحروب، بسبب رخص الأرواح.
وقد تميز السوفيات باحتقار كبير للعنصر البشري في المعارك، وأخذوا يستعملون الأمواج المهاجمة لإغراق العدو وتشتيت تركيزه، لذلك كانت الأرواح السوفياتية هي الأكثر إزهاقًا في الحرب العالمية الثانية (من ثمانية إلى عشرة ملايين قتيل سوفياتي). كما قُتل الكثير من الصينيين في الحرب الكورية بنفس منطق الاستهتار بالأرواح.
حين واجه المغرب ميليشيات البوليساريو، تفادى التضحية بالبشر من أجل سحق الأعداء، فلجأ إلى بناء الجدار الرملي حرصًا منه على تجنب خطورة حرب العصابات. كما أنه لم يفكر في اجتياح المنطقة العازلة للسبب نفسه، ومن ثم عبر عن اختياره الحفاظَ على أرواح جنوده، مفضلًا الخسارة المادية على الخسارة البشرية، لأن الصراع كلما طال تطلب وضع ميزانية كبيرة تقتطع من خبز الشعب. وهذه ضريبة استرجاع أرضه التي تكالب عليها المستعمر والطمّاعون بعده.
والآن، في صراع إيران مع أمريكا وإسرائيل، من يعتبر الأرواح رخيصة ومن يعتبرها غالية؟ يذكر التاريخ لإيران أنها في حربها مع العراق كانت تلجأ إلى الأمواج البشرية، غير المجربة وغير المسلحة تسليحًا جيدًا أو بدون تغطية جوية أو مدفعية (حوالي 200,000 قتيل في السنتين الأوليين، ما بين 1980 و1982)، بنفس المنطق، أي الأرواح مقابل الانتصار.
يختلف الوضع اليوم، لأن الحرب البرية المفتوحة غير ممكنة، ولأن أمريكا سيُحاسب رئيسها على كل روح زهقت بهذا المنطق المذكور، فلا نستطيع إذن أن نعرف إن كانت إيران ستعود لاستعمال الأمواج البشرية. لكنها تتعرض إلى قصف يومي، سيكون فتكًا بكم كبير من عناصر الجيش الإيراني بمختلف مكوناته، البحرية والجوية والبرية، وخاصة من حراس الثورة الذين يركز عليهم أعداؤهم بشدة. ستكون إيران ضحت بمرشدها الأعلى وبأسرته وبخمسين جنرالًا وضباطًا سامين آخرين، ولا تزال الحرب مستمرة، ولا تزال الأرواح تسقط بكثرة، حتى تحولت القوة العسكرية الإيرانية إلى المقاومة تحت الأرض أكثر منها تحت ضوء الشمس والقمر، مقابل ضربات مؤلمة في إسرائيل وفي القواعد الأمريكية.
شاهدت طائرة أواكس محطمة في إحدى القواعد الأمريكية، فسألت عن ثمنها فوجدته يتجاوز 700 مليون دولار، وقد يكون الصاروخ الإيراني الذي حطمها رخيصًا لا يتجاوز مليون دولار. من هنا نستنتج أن هناك من يخوض الحرب بكلفة مادية باهظة، وهناك من يخوضها بكلفة بشرية أكبر وأوسع مما يجب أن يدفعه وطن ما في الحرب. وإذا كانت إيران تخوض الحرب بأسلحة رخيصة، فإنها تدفع العدو إلى تكبد خسارة هائلة، لأن مُسيّرة رخيصة مثل “شاهد” ثمنها 17 ألف دولار يعترضها صاروخ “باتريوت” بملايين الدولارات، وقس على ذلك.
لقد برهنت إيران عن قدرة خارقة على الوقوف أمام أعدائها الأغنياء، المسلحين بأحدث التقنيات العسكرية، لكن باسترخاص للأرواح قل نظيره في تاريخ الحروب. وبهذا المنطق فإن الإيرانيين يحسنون المقاومة لكنهم ليسوا في وضعية المنتصر.
و نحن على أرائكنا المريحة، في موقف المتفرج على عدوان فاضح سافر، كيف نستسيغ لأنفسنا جلد الضحية المعتدى عليه لأنه يستميت في الدفاع عن نفسه بكل ما يملك؟!!!!
هلى الأقل، و قد أعجزنا القعود، فلنلزم الصمت حفاظا ماء وجوهنا.
بينما لا يساءل المرشد عن مقتل آلاف الجنود في المعارك ، يخرج الشعب الأمريكي إلى الشارع احتجاجا على مقتل خمسة جنود في كمين . هنا يتجلى الفرق الجوهري بين ثقافة تعلي من قيمة الفرد وأخرى تعتبره مجرد وقود لنيران الحرب . فلو قررت الإدارة الأمريكية إيقاف حربها ضد إيران لوجدت نفسها في مواجهة سياسية شرسة مع الكونغرس ، في حين سيخرج الإيرانيون إلى الشوارع احتفالا بما يعتبرونه اندحارا للعدوان .
“الحروب سجال، والدهر دولاب، والدنيا ليل ونهار، والأرض صعود جبل وهبوط واد، ولكن العبرة بالنهاية، والأمور بخواتيمها، والنهاية لنا إن شاء الله”
“Wars are back‑and‑forth, time is a revolving wheel, the world is night and day, the earth is climbing a mountain and descending into a valley; but the lesson lies in the end, and matters are judged by their outcomes, and the end, God willing, is ours”
علي الطنطاوي
( في كتابه “قصتنا مع اليهود”)
(1909-1999)
“قيمة الأمة تُقاس بمدى تقديسها للحياة، لا بعدد من تُرسلهم إلى الموت”
أستاذ علي،
قرأت مقالك العميق فرأيت فيه مرآة لتاريخ يكرّر نفسه بأشكال مختلفة. لقد بيّنتَ كيف يتفاوت ميزان الأرواح بين من يحسب الخسائر بالعقول، ومن يحسبها بالعاطفة أو بالعقيدة. ما يُقلق حقًا هو أن الحروب الحديثة، رغم دقتها، ما زالت تُدار بمنطق الأرقام لا الأرواح، كأن التطور التقني لم يرافقه ارتقاء إنساني. ربما لم تعد الأمواج البشرية تزحف تحت القصف، لكنها اليوم تنزف بصمت خلف الشاشات وتحت الرماد. فكر الإنسان صار يُحارب بدل جسده، ومع ذلك يبقى النزيف واحدًا.
ALHOCEIMA
الانسان يضحي بنفسه فداء للوطن يضحي به من اجل حرمة وطنه .
الولايات المتحده الامريكيه كل حروبها خارج حدودها . جنودنا محترفوا الحرب يدافعون عن مصالح اقتصادية و منافع راسمالية. . .
تغاضى الكاتب عن حقيقة إنسانية راسخة وهي أن هناك قيمة أعلى من الحياة نفسها: حياة حرة كريمة خالية من الإستعباد.
المقال يقوم بمقارنة انتقائية وتعسفية ليخرج بنتيجة توافق هواه:
الدول التي ضرب المقال بها المثل ليتهمها أنها لا تحترم حياة جنودها كانت تواجه غزوا لأراضيها في إطار حرب فرضت عليها. وكانت تواجه جيشا يتفوق عليها أضعاف مضاعفة في القوة النارية والتفوق التكنولوجي. هذا ينطبق على السوفيات الذين تعرضوا للغزو النازي حيث كانت ألمانيا أول قوة علمية عالميا والثانية اقتصاديا وتتوفر على جيش مرعب حديث، في حين أن السوفيات كان يصارع للخروج من مجتمع زراعي والدخول لمجتمع صناعي.
هب السوفيات لمواجهة الغزو وكان لا خيار لهم إلا استعمال كل ما يملكون من عوامل القوة لإنقاذ وطنهم من التدمير النازي، فاستعملوا قوتهم العددية وبنجاح في مواجهة التفوق التكنولوجي النازي فوصلوا لبرلين العاصمة فانتحر هتلر وانهارت النازية.
ما فعله السفيات ينطبق كذلك على الأمثلة الأخرى: إيران في مواجهة الغزو العراقي والآن الصهيوني والأمريكي.
يتبع …
تتمة …
ما فعله السفيات ينطبق كذلك على الأمثلة الأخرى: إيران في مواجهة الغزو العراقي والآن الصهيوني والأمريكي. اليابان عندما وصل الأمريكان لجزيرة Okinawa اليابانية. الفيتناميون في مواجهة الغزو الأمريكي. وكذلك الصينيون في الحرب الأمريكية على كوريا عندما وصل الأمريكيون لحدود كوريا مع الصين فتدخلت هذه الأخيرة لأنها كانت متأكدة أن الأمريكان سيواصلون غزوهم للصين كذلك. وكان تدخل الصين ناجحا حيث دُحر الأمريكان حتى الحدود القائمة الآن بين كوريا الشمالية والجنوبية.
أمريكا والغرب عموما لا يحترم لا أرواح جنوده ولا حياة الشعوب الأخرى التي يهاجمها . هو يقوم بحروب إمبريالية يوازن فيها بين الربح والخسارة عندما ترتفع خسارته يوقف حربه العدوانية أكانت خسارة في أرواح جنوده أم خسارة اقتصادية، لأن شعوبه ترفض أن يموت أبناؤهم من أجل حروب إمبريالية ظالمة. كمثال في حرب الفيتنام مات 60.000 جندي أمريكي وجرح 150.000، فثار الشعب الأمريكي واضطرت الإمبريالية الأمريكية على وقف عدوانها على الفيتنام.
أما إيران والصين والسفيات والفيتناميون فدافعوا / يدافعون عن وطنهم وحريتهم من غزو خارجي.
أقول للإيرانيين المغاربة إن أمريكا خسرت 150 مليون دولارا من أجل إنقاذ طيار واحد بينما الأرواح الإيرانية من إخوتكم تتساقط كما يتساقط الذباب.
أي متحضر هذا الذي يقدم رأسماله واغلى ما عنده قربانا للطيش ، والنزعة الإجرامية – كما هو الحال عند ترامب -؟!؟!؟! معظم الحروب في ما سبق اشتعل فتيلها بسبب رعونة وحماقة بعض القواد و الرؤساء، اما لتصفية حسابات او ارضاء اطماع غير مشروعة؛ لكن ذهب ضحيتها ملايين الأبرياء ممن لا يردون من الدنيا إلا كسرة خبز ومأوى يقيهم واولادهم لهيب الشمس وقساوة الزمهرير. …. حتما ستنتهي حرب الخليج الحالية- قريبا او آجلا- وسيعلن كل من اطرافها انتصارا مزعوما ؛ رغم انهم لم ينجو منها إلا الويلات والدمار . لكن الخاسر والمهزوم الأكبر فيها هو المواطن ” الغلبان” الذي سيعاني الى أمد طويل من مخلفاتها ، من غلاء المعيشة وركود اقتصاد.
حوالي 45.000 أمريكي يموت سنويا بالسلاح الناري في أمريكا لأن لوبي السلاح يرفض منع بيع السلاح للمواطن الأمريكي. يُقتلون كما تقتل الكلاب.
في أغنى دولة في العالم يعيش عشرات الملايين من الأمريكيين في فقر مذل. كمثال حوالي 90.000 أمريكي يعيش في خيام مهترئة في أكبر شواع لوس أنجلس وفي محيط طرقها السيارة. ونفس الشيء في نيويورك ، حيث يعيش أكثر من 70.000 أمريكي في الشوارع. مواطنون سقطوا للقاع فقط لأن دخلهم من عرق جبينهم لا يستطيع أ ن يوفر لهم مسكنا، أو لأنهم أصيبوا بمرض فذهبوا للمستشفى للعلاج فكلفهم علاجهم عشرات الآلاف من الدولارت (40 مليون أمريكي لا يتوفر على تأمين عن المرض) فتراكمت عليهم الديون وعجزوا عن دفع أقساط مساكنهم التي اشتروها بقروض، فطردوا منها، حياة لا تليق حتى بالكلاب.
لو كان حكام أمريك اتهمهم حياة شعبهم لوجهوا تلك الملايير التي ينفقونها في حربهم الإمبريالية اللاقانونية امتثالا لممولي حملاتهم الإنتخابية من اللوبي الصهيوني، لوجهوها لضمان سكن لائق لمواطنيم المشردين، بما في ذلك تلك 150 مليون لإنقاذ الطيار، إنقاذ بغرض الدعاية لأمريكا التي لاتقهر لاغير.