الأسرة المغربية مُدانة أم مغلوبة؟

الأسرة المغربية مُدانة أم مغلوبة؟
الخميس 3 شتنبر 2020 - 14:16

على إثر الأحداث الأليمة والمخزية التي عرفتها بعض المدن المغربية –بمناسبة ذكرى عاشوراء لهذا العام- وما صاحبها من تخريب متعمد للممتلكات العامة والخاصة، وفوضى عارمة في الأزقة والشوارع، وما نجم عنها أيضا من اعتداءات شنيعة على قوات الأمن من طرف أشخاص معظمهم قاصرين؛ على إثر هذا وذاك وما شابهه من أحداث سابقة يقفز إلى واجهة النقاش السؤال عن دور الأسرة المغربية فيما وقع ويقع وسيقع، حيث تتناسل أسئلة من قبيل: هل استقالت الأسرة من دورها التربوي وأصبحت تكتفي بدور الرعاية المادية والبيولوجية للأبناء؟ هل أصبحت عاجزة عن احتواء أبنائها؟ هل تعطلت لوحة قيادتها التوجيهية والتأطيرية؟ هل استسلمت للمؤثرات الخارجية الضاغطة ورفعت الراية البيضاء أمامها؟

إن هذه التساؤلات وغيرها التي يطرحها أيُّ غيور على الخلية الأساس للمجتمع –حسب نص الدستور المغربي ذاته-باعتبار مركزها المحوري في بناء الإنسان بناء متكاملا ومتوازنا جسديا وعاطفيا وعلقيا، وباعتبار دورها في تربية الفرد على كل القيم النبيلة البانية للذات والمجتمع… تجعلنا لا نجازف بإقرار تلك التهم الثقيلة في حق الأسرة المغربية وإدانتها بالتقصير والانسحاب والعجز والتجاوز وكل الأوصاف السلبية التي يُصرُّ البعض على إطلاقها هكذا جزافا، ليَسْهل عليه بالتالي نسبة كل السلوكيات المشينة والعنيفة الصادرة عن بعض فلذات أكبادها في مثل هذه الأحداث وشبيهها !!

صحيح أن ثمة بعض الأسر ممن تنطبق عليها كل الأوصاف المشار إليها، لأنها فعلا تتعمد عن سبق إصرار وترصد إيقاع أبنائها في هذه المنزلقات الفجّة والقاسية؛ لكن الموضوعية تقتضي أن نؤكد أن كثيرا من الأسر تبذل قصارى جهدها لتلافي وقوع أبنائها في أي سلوكيات شاذة أو منحرفة أو عنيفة من شأنها أن تسيء لهم ذاتيا أو اجتماعيا أو تلحق أضرارا بمحيطهم الخارجي.. إلا أن هذه الأسر تجد نفسها مُسيّجة بعدة إكراهات تحول دون قيامها بوظيفتها التربوية على أكمل وجه، ولعل من جملة تلك الإكراهات:

1 – السياق العام للمحيط التربوي الذي تعيشه هذه الأسر، حيث يغلب على هذا السياق إشاعة “ثقافة الحقوق”: “حقوق الطفل”- “حقوق المرأة”- “حقوق الفتاة”- “حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة”… الشيء الذي يجعل كثيرا من الأسر غير قادرة على اعتماد منهج الصرامة والحزم في تربية أبنائها، أو خائفة ومتوجسة من اعتماد هذا المنهج لأنه ينعت بنعوت قدحية من قبيل: “متشدد” و”متجاوز” و”يؤدي إلى مضاعفات سلبية على مستوى نفسية الأطفال” أو “يولد لدى الأطفال عقدا مزمنة”…وحتى لا تبدو نشازا في محيط عام يميل أو يعتمد منهج “الرخاوة التربوية” فإنها تنخرط “طوعا” –بل- كرها في هذا السياق وتقبل بـ”قواعده المريرة”!!

ولم تقتصر عدوى “الرخاوة التربوية” على الأسرة الصغيرة بل تعدته إلى الفضاء الخارجي، بما فيها الفضاء المدرسي، حيث أصبح بعض الآباء والأمهات يرفضون رفضا تاما التعامل في المدرسة مع فلذات أكبادهم بأي شكل من أشكال الصرامة –ولو كانت مطلوبة أومعقولة أحيانا- ومهما صدر من أولئك الأبناء!! ولا أدل على ذلك من الاحتجاجات المتكررة في حق رجال التربية والتعليم، بل وحتى التعنيف القاسي في حقهم، لا لشيء سوى لأنهم “زيْرو شويا مع الدّْراري”، الشيء الذي أدى وسيؤدي تدريجيا إلى سقوط “هيبة المؤسسة التربوية” بل-لا قدر الله- ” سقوط هيبة الدولة”!! وهذا خلافا لما كان عليه الأمر في بلادنا إلى عهد قريب حيث عاشت أجيال وأجيال من أبناء المغاربة تحت الشعار التربوي الأبوي/ المدرسي: “أنت ذْبح وأنا نَسْلخ”.

2 – ازدياد عزلة الأسرة النووية وتنامي النزعة الأنانية بين أفرادها، حيث أصبحت كل أسرة تنظر إلى نفسها على أنها تشكل “النموذج المثالي للتربية”- وإن كانت فيه علاّت وعلاّت بادية للعيان- ولذلك فهي ترفض أن “يُلاحظ على سلوك أبنائها أي ملاحظة”، أو أن “ينتقدوا في أي تصرف من تصرفاتهم”، أو أن “ينبهوا إلى أي هفوة صدرت منهم”!! فشعارهم المقدس هو “وعين الرضى عن كل عيب كليلة”… وأمام هذا الإفراط في “النرجسية التربوية” أصبح كل حبيب قريب بَلْه بعيد غريب يتحاشى أن “يحشر أنفه فيما لا يعنيه من أمور تربية أبناء الآخرين” مخافة أن يسمع ما لا يرضيه من تلك “الأسر النموذجية المربية مزيان”، وهكذا انقطع من مجتمعنا ما يمكن أن نسميه بـ”التعاون التربوي” الذي كان يقوم به الأخ والأخت، والخال والخالة، والعم والعمة، والجار والجارة، والصديق الوفي والصديقة الوفية وعموم الناس من الرجال والنساء، بعيدا عن أنظار الآباء والأمهات.. ولكن بطواعية وصدق ومحبة.

3 – وجود هيئات ومؤسسات “حشرت” نفسها في الوظائف الأساسية للأسرة (الرعاية –التربية- التأهيل للحياة…) تحت مسمى الدفاع عن حقوق الأطفال والقاصرين والقاصرات، إلا أنها –للأسف الشديد- تدفع بعض الأبناء بشكل إرادي أو لاإرادي إلى “العقوق” و”الجفاء الأخلاقي” و”هجران الأسرة”، لأنها تعتمد –في الغالب- “مقاربة حقوقية صرفة” تقوم على أساس “إدانة الآباء وتبرئة الأبناء”، وتُبالغ في الإعلاء من حاجيات الأبناء على حساب أحاسيس ومعاناة الآباء!!

4 – التأثير الكبير لوسائل التواصل الاجتماعي التي أضحت إدمانا لا يقل خطورة عن إدمان المخدرات “الخفيفة” أو الصلبة؛ لأنها تساهم بشكل متنام وخطير في زحزحة الاستقرار التربوي لكثير من الأسر المغربية، نظرا لما تُتيحه من إمكانات هائلة وفتاكة في إنتاج “القدوة السيئة” وقوة تأثيرها في بناء/تخريب شخصيات الأطفال والشباب وتوجيه سلوكياتهم وتغيير قناعاتهم والتلاعب بعواطفهم بمجرد “نقرة” على “هاشتاك” أو “يوتوب في دقيقة أو أقل”.. بعيدا أو قريبا عن أنظار الآباء أو الأمهات الذين سقط في أيديهم كل شيء وأصبحوا يكتفون بدور “المتفرج الأبله” أو “الباكي النادب حظه” أو “المُشفق الذي يرجو رحمة ربه”.

إن هذه الإكراهات وغيرها تجعلنا نَخْلُص، وبموضوعية تامة، إلى أن الأسرة المغربية أصبحت مغلوبة على أمرها، وبريئة وغير مسؤولة بشكل مباشر في إنتاج ما وقع أو إعادة إنتاج ما سيقع من انفلاتات لاتربوية من طرف هذه العينات العنيفة والمستهترة من الشباب والقاصرين، وأن معالجة مثل هذه الظواهر الشاذة لا يمكن أن تتم من طرف الأسرة وحدها، وإنما تقع على عاتق كل المؤسسات الشريكة معها والمعنية –بشكل مباشر أو غير مباشر- بمستقبل ومصير أجيال مغرب القرن الواحد والعشرين.

‫تعليقات الزوار

9
  • أزمة تربية
    الخميس 3 شتنبر 2020 - 15:06

    بكل بساطة الآباء و الأمهات فقدوا السيطرة على أبنائهم.

  • حثالة البشر .
    الخميس 3 شتنبر 2020 - 15:45

    القاصر الذي يبيع الحشيش فراس الدرب والذي يتحرش بالمتزوجات والذي يحمل السيف في وجه الجيران والذي يتفوه بأوسخ كلام والذي يعترض المواطنين ويسلبهم ارزاقهم . يجب ألا يستفيد من قانون القاصر الذي يجعله يستفيد من حكم مخفف رغم بشاعة أفعاله واجرامه .

  • فقر التوعية .
    الخميس 3 شتنبر 2020 - 15:46

    ليس عيبا أن تكون فقيرا ولكن أن تكون فقيرا وتنجب عشرة اطفال فأنت بالقطع مجرم خطير .

  • ساخط على الغباء
    الخميس 3 شتنبر 2020 - 15:55

    استفزني ماجاء في هذا المقال لأنه يكرر العبارات المتداولة على نطاق واسع من قبل الشيوخ و العجائز الذين يغلبهم الحنين المرضي حين كان الزمن "جميلا جداً و الكل يعيش في حب و وئام يا سلام يا سلام" . أنا أجزم بأن أغلب المغاربة يلوكون فقط بألسنتهم كلمة الأسرة أما مفهوم الأسرة الذي تطرق إليه كبار المفكرين و الباحثين فهو غائب ، الأسرة لم تسقط من السماء فهي تتطور بتطور المجتمع و تنظيم الأسرة الحديثة بالذات مرتبط بنظرة معينة للمجتمع البشري لا عذر لنا إن كنا جهلة نجهل كل شيء عن هذا العصر البشري الحديث و نريد تطبيق الأفكار و القيم القديمة رغم اختلاف الظروف و لا عذر للآباء و الأمهات المغاربة (المتعلمين) إن هم جهلوا أن الجو الذي تربوا فيه هم و أجدادهم يختلف عن ماهو موجود حالياً بحكم التقدم الزماني فالوقت لا يرجع إلى الوراء . أكاد أجزم أيضا أن الآباء المغاربة فضلا عن جهل قسم واسع منهم بمفهوم الأسرة الحديثة لا يعرفون حتى أي قيم إنسانية يمكن تلقينها للأبناء لأن قسما لا بأس به منهم لا يتبنى القيم الحديثة

  • Freethinker
    الخميس 3 شتنبر 2020 - 16:10

    مغالطات بالجملة! هناك حقوق الطفل وحقوق المرأة وكافة أنواع الحقوق في البلدان المتقدمة باوروبا وغيرها لكننا لا نرى فيها هذه الهمجية والتوحش والتخلف!!! سياسة اولد واطلق دون تربية مدنية أو وطنية هي المسؤولة عن هؤلاء المتخلفين!

  • ساخط على الغباء
    الخميس 3 شتنبر 2020 - 16:10

    الأسرة الحديثة مبنية على مفهوم المساواة بين الجنسين على حرية الفرد في تقرير مصيره و على أن ينطلق في تجربته الذاتية حينما يكبر قليلا متجاوزا ما تعلمه من الأسرة و متجاوزا الأمية ، باستثناء بعض الأسر الحضرية لا يبدو أي شيء من هذا يفقهه الآباء والأمهات المغاربة و مرة أخرى الإناث هن الضحية الأكبر لأن الرجال يملكون حرية أكبر و يحضرني مثال واحد ينسف كل ادعاءات أولائك الشيوخ و العجائز و هو حتى نهاية القرن الماضي في الأسر الرجعية كانت البنت تطرد من البيت إن هي (بعد حصار و منع جنسي و دون تربية جنسية) حملت هكذا كان الحب الأسري في "الزمن الرائع الجميل…." و إلى اليوم و في هذا القرن الواحد والعشرين في كل حديث عن الأسرة ينصب المتزمتون و الغوغائيون (الذين يجهلون كل شيء) أنفسهم متحدثين باسم المجتمع بأننا مجتمع فلاني و فلتاني…

  • amaghrabi
    الخميس 3 شتنبر 2020 - 18:59

    المدرسون في المغرب الحبيب كالحكام الذين يدبرون الشؤون العامة في الدولة,فحينما يرى المدرس اكثر من 40 تلميذ في القسم وباحوال اجتماعية ونفسية مختلفة يعلم علم اليقين ان النتائج ستكون ضعيفة جدا وبالتالي ما يهمه هو الاجرة التي تدخل الى جيبه شهريا ويمارس تعليم "ديال السلاك",والتعليم العمومي يسير في هذا الشكل,وكذلك حكام الدولة يرون كما قال احد المعلقين انت فقير وتلد 10اولاد ,وجل المغاربة الفقراء يلدون ويمارسون تعدد الزوجات ويرمون الى الشارع ومنهم من يشجع ابناءه وهم قاصرون ليحركوا الى اروبا ويرسلون له اموالا.فماذا يفعل المسؤول المنتخب يبحث عن مصالح جيبه ويترك المجتمع يعيش الغليان من فساد وجريمة وسرقة ووولانه يعرف ان الدولة بدون مساعدات العائلات في الشأن التربوي لا تسير الى الامام وانما تبقى تدور حول نفسها مع المشاكل التي تتراكم يوما بعد يوم

  • مغربي
    الخميس 3 شتنبر 2020 - 22:32

    للاسف واقع الحال هو هذا الا ان ما يؤسف له اكثر هو الاصرار على تحميل الاسرة كامل المسؤولية مع ان المسؤولية مقتسمة بين كل المتدخلين في الشان المجتمعي ولا احد حاول ان يعرف مقدار تاثيره السلبي على المستوى الذي الت اليه الامور اعتقد اننا في حاجة الى مراجعة دواتنا بدل الهروب الى الامام فقط

  • sifao
    الجمعة 4 شتنبر 2020 - 21:46

    ليست ازمة "اسرة" وانما ازمة منظومة قيم باكملها،الاسرة ايضا ضحية تلك القيم ،"الحزم التربوي" الذي تقدمه كاصل او اساس لتلك القيم، انتج مختلف انواع العاهات الذهنية ،من صناع الموت ، دواعش ، الى مخربين وغوغائئن ،
    بدل ان تناقش اسس التربية في الاسرة والمدرسة والفضاء العام ، القائم على العنف المادي"الزجر"اوالعنف المعنوي"الترهيب" المستمد من منظومة القيم الدينية ، تلقي باللوم على منظوم القيم الكونية ، حق الطفل والمرأة والانسان بصفة عامة ، هل برامج التربية على حقوق الانسان تتضمن ما يشجع الطفل على القيام باعمال الشغب وسلب المارة ممتلكاتهم، وتدمير حاويات النفايات والتغوط على ارصفة الشوارع؟ ام انها تضمن للاطفال الحد الادنى لحياة كريمة ومتوازنة ، الحق في الصحة والتغذية والتعليم واللعب و…و…؟ في اية خانة تدرج اولئك الشباب الذين كانوا يعترضون المارة ويعنفون اصحاب السراويل القصيرة تحت شعار "استر راسك" ؟ اليس هذا ايضا اسلوب من اساليب العنف الذي يستمد اسسه من الدين ؟
    لا تفوتون اية فرصة لالقاء اللوم على الفكر الحداثي في فشل منظومتكم الاخلاقية ، ليس في التربية وحدها ، وانما في جميع مناحي الحياة

صوت وصورة
قنابل مسيلة للدموع بسبتة
الثلاثاء 18 ماي 2021 - 18:06 29

قنابل مسيلة للدموع بسبتة

صوت وصورة
قصص الأنبياء: قصة موسى عليه السلام
الثلاثاء 18 ماي 2021 - 17:30 5

قصص الأنبياء: قصة موسى عليه السلام

صوت وصورة
الهجرة نحو سبتة المحتلة
الثلاثاء 18 ماي 2021 - 12:36 27

الهجرة نحو سبتة المحتلة

صوت وصورة
من إنزكان إلى الفنيدق
الثلاثاء 18 ماي 2021 - 10:13 5

من إنزكان إلى الفنيدق

صوت وصورة
مرشحون للهجرة السرية بطنجة
الإثنين 17 ماي 2021 - 23:37 10

مرشحون للهجرة السرية بطنجة

صوت وصورة
مجمع نادي الفروسية بالقنيطرة
الإثنين 17 ماي 2021 - 22:05 5

مجمع نادي الفروسية بالقنيطرة