الإسلاميون وجاذبية النموذج التركي

الإسلاميون وجاذبية النموذج التركي
الثلاثاء 22 نونبر 2011 - 00:41

مع تقدم الربيع الديموقراطي في المنطقة، ارتفعت جاذبية النموذج التركي بشكل كبير، وتحول إلى عنصر إلهام لقطاع من الفاعلين سواء كانوا إسلاميين و علمانيين في الحراك الديموقراطي، وفي الوقت نفسه إلى عامل طمأنة بالنسبة للقوى الدولية والإقليمية المتوجسة من مستقبل الاستقرار والأمن في المنطقة، وهو ما تردد في الآونة الأخيرة في بلادنا في ظل الزيارة الحالية لوزير الخارجية التركي.

ليس هناك خلاف حول قوة وجاذبية النموذج التركي والتي تعود إلى عقود ماضية إلا أنها مع حزب العدالة والتنمية التركي ونجاحاته الاقتصادية والتنموية والديموقراطية والخارجية اكتسب إشعاعا أكبر، وقدم هذه الجاذبية نجده واضحا عند الحركات الإسلامية المتبنية لخيار المشاركة السياسية، حيث استلهمت نموذج المبادرات السياسية المتكررة لنجم الدين أربكان مؤسس الفعل السياسي للإسلاميين الأتراك، والذي انطلق منذ نهاية الستينيات عبر سلسلة أحزاب تعرض جلها للمنع والملاحقة، إلا أن إصراره على المشاركة كان جليا وأثمر إعادة اعتبار متدرجة للمرجعية الإسلامية في النظام التركي، كما استطاع الحزب المنبثق من تجربته أن يكمل مسيرته بشكل استثنائي.

لكن هل يمثل النموذج التركي خيارا قابلا للتعميم؟ أم أن الحركة الإسلامية في المغرب مدعوة إلى نحت نموذجهم الخاص، مع الانفتاح على مختلف التجارب الناجحة وعلى رأسها التجربة التركية، والعمل على استلهام عناصر تفوقها دون السقوط في الاستنساخ غير الممكن؟

من الواضح أن الخيار الثاني هو المطلوب، لاسيما وأن السياق التركي استثنائي ومختلف عن السياق المغربي، حيث يشتغل الإسلاميون الأتراك في سياق خاص، مؤطر أولا بخيار الاندماج في الاتحاد الأوروبي، وما يفرضه من إصلاحات سياسية ديموقراطية فعلية، أدى تطبيقها إلى الحد من تغول سلطة الجيش وتقليص هامش تدخله في الشأن السياسي إلى درجة إنهاء إمكانية شله للحياة السياسية كما كان يقع في سلسلة الانقلابات التي شهتها تركيا منذ الستينيات وإلى غاية نهاية التسعينيات، وثانيا محكوم بإطار علماني صارم، جعل سقف طموحات الإسلاميين في قضايا المرجعية الإسلامية لا يتجاوز ضمان اعتراف بها وإلغاء الإجراءات المناهضة لها، وهو الشيء الذي حققوا فيه تقدما كبيرا جعل تركيا تنتقل وما تزال – رغم ما يلاحظ من بطء- من علمانية متطرفة إلى أخرى معتدلة، ثم ثالثا أن قدوم الإسلاميين للحكم جاء في ظرفية انهيار اقتصادي وحالة لاستقرار اجتماعي أسست لحماية شعبية قوية لهم تجلت في نجاحهم الانتخابي المستمر منذ 2002 أتاحها النظام الانتخابي القائم على عتبة 10 في المائة.

إن تنزيل خيار الانفتاح دن استنساخ يتطلب النظر إلى النموذج التركي باعتباره رافعة لدعم جهود بناء نموذج مغربي، وهو ما يقتضي الوعي بعناصر قوة ذلك النموذج وكذا حدودها، وهي عناصر تكفي العودة إلى تقارير المؤسسات الدولية المعتبرة للوقوف عليها، والتي يمكن إجمالها في ثلاث:

– أن الاستقرار السياسي رهين المصالحة التاريخية بين الإسلام والديموقراطية والامتناع عن الاستئصال السياسي والإقصاء الاجتماعي للحركات الإسلامية ، وأن المستقبل السياسي لهذه الأخيرة مشروط بقدرتها على إنتاج تفاعل إيجابي يحقق الاندماج والمصالحة في إطار الدولة المدنية الحديثة، وهو ما يقتضي طي صفحة تقديم الإسلاميين كخطر على الديموقراطية وبدء صفحة تول إلى فاعل أساسي في الإصلاح الديموقراطي، حيث كشفت تجربة العدالة والتنمية التركي عن فعالية كبيرة في ذلك بسلسلة تعديلات دستورية فاقت العشرين آخرها في شتنبر 2010 لوضع تركيا على طريق الإلتزام بمعايير الانضمام إلى الاتحاد الأوربي.

– أن الإقلاع الاقتصادي يمثل شرط استمرار الاحتضان الشعبي للإسلاميين، بما يعني أن المحك الحقيقي هو القدرة على تقديم أجوبة اقتصادية واجتماعية على معضلات التنمية، ذلك أن تركيا في 2001 كانت في وضعية انخفاض في معدل النمو بلغ -9.5 في المائة وتنتقل إلى متوسط معدل نمو سنوي في مرحلة 2002 إلى 2007 بنسبة 6.75 في المائة طيلة تلك السنوات ليصبح أزيد من 735 مليار دولار في 2010 بعد أن كان في 1998 في حدود 50 مليار دولار، ووضع تركيا ضمن الاقتصاديات الصاعدة برتبة 15 عالميا، ومضاعفة الدخل الفردي من 4172 دولار إلى 10106 دولار في 2010، وتقلصت الدين الحكومي على الأبناك إلى 17 في المائة بعد أن كان في حدود 70 في المائة.

– أن القوة الداخلية انعكاس للقوة الخارجية، وهو ما ظهر في السياسة الخارجية الجديدة القائمة على تنويع الشركاء وبناء شراكات متوازنة مع عموم القوى والفعالية في تدبير الأزمات الدولية وإحياء العمق الإسلامي لتركيا، وهو ما ظهر في سلسلة محطات دولية سواء في القضية الفلسطينية أو في الربيع الديموقراطي العربي أو في العلاقة مع الاتحاد الأوربي.

ما سبق عناصر لا ينبغي تجاهلها وبلادنا تستعد لكسب استحقاق التحول الديموقراطي، لاسيما وأن النجاح التركي قام بداية على وجود حكومة سياسية قوية تمتلك القدرة والشجاعة على القيام بالإصلاحات المطلوبة، وهو ما يجعل من نزاهة الانتخابات شرطا لا مفر منه وضرورة لا بديل عنها.

افتتاحية التجديد 16 -11-2011

مصطفى الخلفي

‫تعليقات الزوار

8
  • محمد 14
    الثلاثاء 22 نونبر 2011 - 01:36

    مقالة حكيمة .

    النموذج التركي اليوم هو نموذج لدولة عصرية كافحت طويلا من أجل الإنسلاخ عن سلطة المؤسسة العسكرية ,, وبالإمكان فعلا وضع نوذجها بعين الإعتبار . وذلك لأنها نجحت في التأسيس لمفهوم الدولة الحديثة بقيادة حزب ذو مرجعية إسلامية وهذا ما يؤكد أن المرجعية الإسلامية لا يمكن لها بأي شكل من الأشكال أن تكون خطرا على الديمقراطية ولا حتى خطرا على مكون دولة كيف ما كانت إن اتبع الطريق الأسلم .

    اليوم في المغرب نستطيع أن نضع النموذج التركي في الواجهة وأن يكون في الصورة لدى أي حزب كان وصل للسلطة أكان ليبيراليا أو إسلامي المرجعية كما هو حزب العدالة والتنمية ,, مع الإحتفاظ بضرورة إدراك أن هذا النموذج يمكنه أن ينجح في المغرب كدولة إسلامية ,, وأن يكون المغرب غدا النموذج الحقيقي لدولة إسلامية صاغت قالبا ديمقراطيا حقيقيا ببناء معقلن بعيدا عن الإستنتاخ الأعمى للقوالب الأخرى .

    نستطيع لما لا .

  • لا تصدقوا تخرصاتكم
    الثلاثاء 22 نونبر 2011 - 10:52

    ما لا أظنه يغيب عن ذهنك هو أن مجال ممارسة السلطة الذي كان متاحا لحزب الإسلاميين في تركيا منذ أن إعتلى سدة الحكم أكبر بكثير من السلطة الرمزية التي يعطيها الدستور في المغرب لأي وزير أول أو رئيس حكومة أو سمه ما شئت.
    زد على هذا أن تشرذم الساحة السياسية في بلدنا العزيز سيفرض عليكم تحالفات غير ذات معنى إذا آستثنينا المعنى العددي اللازم لتكوين أغلبية …
    في انتظار صبيحة يوم الإثنين القادم أتمنى أن لا تصدقوا تخرصاتكم كثيرا حتى يكون رجوعكم إلى كوكب الأرض مريحا…
    المرجو كذلك أن تكفوا عن مغالطة الناس باستحضار نموذج تركي لا يجمعكم به إلا الإسم…

  • Lila
    الثلاثاء 22 نونبر 2011 - 17:11

    Pas d'amalgame SVP. La Turquie est un pays laïc. Ardoghan n'arrête pas de le répéter. C'est à dire qu'il y a une sépération entre la politique et la vie de tous les jours. Le PJD veut un pays avec des références de la' Charia. D'ailleurs les seules domaines où se parti intervient sont la vie civile qui est du domaine du privé : Il ne s'occupe que des femmes et des festivals. Du haram et du Hallal de son point de vue. Vous avez jamais entendu Ardoghan parler de ça. Où on est moderne et on vit au 21ème siècle ou on se réfère à la .Charia, et on a la mentalité du 6ème siècle

  • مصباح عبدالحليم
    الأربعاء 23 نونبر 2011 - 00:47

    لا احد يكره ان يكون رائدا في التجربة السياسية كالنمودج التركي .لكن ما لا احبه في ابناء الحركة الاسلامية عندنا في المغرب هو اعتقادهم بان التجربة التركية ابتدات من حيث انتهت .والاخ الخلفي يشاركني الراي خصوصا ادا راجعنا ادبيات الحزب التركي التي اعتمدت اسلوب التكتلات الاقتصادية لادماج الحزب ضمن منظومة متماسكة وقوية سياسيا واقتصاديا .هده الرؤية التي جسدها الموصياد في تركيا ظلت الى حد الان غائبة عندنا في المغرب .فقوة التعاطف مع حزب العدالة المغربي لا يمكن ان تجسد الحل الانسب في ادبيات السياسة .والدليل على دلك هو عدم قدرة الحزب على ممارسة الحكم -افتراضيا-ضمن السياقات التي اوجدتها التشريعات والمؤسسات الحالية .فالجانب المالي مثلا ومن اجل خلق استراتيجية تسبق ارادة تصحيحية للمعاملات البنكية فانت ملزم بان تكون فاعلا ايجابيا وقويا داخل الفضاء الاقتصادي ضمن لوبي اقتصادي فاعل ومؤثر .وبدلك يمكن ان تواجه الخصوم باسلوب واحد هو الاقناع . وعليه فانا كفاعل اقتصادي ومن خلال تجربتي اجزم بان الحزب عندنا لايملك هده الميكانزمات والمؤهلات .فالبرنامج شيىء والممارسة شيىء اخر .لدى وجب الاستفادة من التجربة التركية

  • aladin
    الأربعاء 23 نونبر 2011 - 01:02

    le deputé de pjd de la ville du tanger a parler sur aljazerra et il a dit que son partit va islamiser le maroc;comme si ne nous somme pas des musulement ;et c'est le pjd qui va nous rendre musulement;cela vraiment m'a choquer;et cela nous montre la grande deference entre pjd turk qui a un vrai proger et qui a tripler le PB (produit brute) de son payer en 10 ans et qui n'a pas toucher a la liberter des gens ;et le pjd marocain qu'il n'a aucun proger de gouvernance sauf le populisme et aussi qui vent nous rendre au moyen age;et le villes qu'ils ont diriger nous donne l'exenple de leure inconpetance .

  • ابن علي-اوروبا
    الأربعاء 23 نونبر 2011 - 12:02

    جاذبية النموذج التركي انها تعتمد اساسا على ثقافة المشروع اي ثقافة الرؤية.هذه حلقة مفقودة,قال الله تعالى: ان تقوموا لله مثنى او فرادى ثم تتفكروا. وهي خاصية قليلة فى المجتمع تقوم على وحدانية الله اولا ثم تقوم على اثنين او ثلاث ثانيا ثم ثالثا:تنهض وتقوم .هذه الثقافة ثقافة المشروع اصبحت سلوكا فى المجتمع االتركى.سنة1990اصدرت المخابرات الامريكية تقريرا حددت ان سبب المد الاسلامى يرجع فى: اولا:انتشار االطريقة النقشبندية التى انتجت التيار الاسلامى السياسى وعلى راسها البرفيسور نجم الدين اربكان.ثانيا:المدارس السليمانية.اما الاول نجم الدين اربكان ركز على تاسيس جمعية الموصياد بخمسة تجارسنة1990وصلت اليوم5000من الرجال الاعمال ويملكون15الف شركة فى شتى المجالات ولهم93مركزتنسيقي فى42 دولة .سنة يتم تاسيس منتدى رجال الاعمال ب34من الخبراء فى الاقتصاد والقانون…اما المدارس السليمانية نسبة للعالم حلمى طونا خان الذى كان يركز على كتاب الله وعلومه .يذهب بهم الى البوادي والجبال فى صورة عمال اوفلاحين وكان يدفع لهم الثمن اجرنائب برلمانى خائفا من علمه ان يضيع وكان يحاول ان لا يستفز السلطة.انها العقلية.

  • مغربي
    الأربعاء 23 نونبر 2011 - 15:02

    اختيار سنة 2002 كمرجعية لمقارنتها بالنمو الاقتصادي الحالي في تركيا هو اختيار خاطئ يراد به التتويه لا غير … ففي هذه السنة و خلال السنة التي قبلها سجل الاقتصاد التركي أسوأ أداء له و دلك راجع لاسباب موضوعية أهمها : الزلزال الذي ضرب البلاد سنة 1999 و الذي أتى على أهم منطقة صناعية بالبلد و خلف أزيد من نصف مليون مشرد علاوة على كساد السياحة حيث انخفض عدد السياح ب 25 بالمائة نتيجة التهديدات الكردية التي تلت القبض على أو جلان . المعجزة التركية بدأت منذ السبعينات و وصلت ذروتها خلال الثمانينات و التسعينات ففي سنة 1999 كانت نسبة النمو الاقتصادي تقارب 13 في المائة . و بالنسبة لاردوغان فهو رجل يومن بالعلمانية و لا يناقشها اطلاقا باعتبارها الضامن الحقيقي للديموقراطية في تركيا .. النموذج المغربي لا يمكن ان يكون مثل تركيا لان الهدف الاساس هو تنميط الشعب باستعمال الدين تريدونه مواطنا على مقاسكم .. تحدون من حرية التفكير أولا كي لا تصلوا لمناقشة الحق في التعبير .. و الانتقائية ليست صالحة أذا أردت النمودج التركي فخذه كما هو و الا لن تحصل على نفس النتائج

  • ذ محمد الامام
    الأربعاء 23 نونبر 2011 - 19:10

    كفى غرورا كفى تهريجا كفى من تجاهل اربعين مليون مغربي تضم علماء وكفاءات متميزة بانواع الثقافة والمعرفة في كل فن وتخصص فليس هؤلاء المغاربة يا ولدي صاحب المقال تلاميذ بلداء ولا علاقة لهم بالحروف الابجدية ختى ينتظروا ولادتك ومجيءك الى هذه الدنيا امس ليكتشفوا ما تتفضل به من عصارة اختياراتك مشكورا لكن اتعبت خيلك يا ولدي فهذه صحف بالية طويناها منذ تقافة الاعدادي والمراحل الثانوية ان الاسلام هوالاسلام والشيوعية هي الشيوعية والراسمالية والليبرالية وانواع الافكار والايديولوجيات التي عايشناها مؤخرا وحاليا لاتحتاج لمزيد من المزج والخلط والجلط فكل هذه الافكار قد تعب الناس منها و كلما جاءت امة روجت لها باسلوب ولون ومنهج مخالف وضيعت على الناس وقتا يتضح بعدها باختصار ان الاسلام يبقى هو منقذ البشرية مما هي فيه من عنت ومشقة وظلم وان الاسلام لايقبل بتاتا الترقيع بديموقراطية ولا علمانية ولا اشتراكية ولا ديموغوجية حفيد ووارث الاتاتوركية التي يروج لها الغرب الصهيوني بديار الاسلام هذه الايام وخاصة ورثة حزب الخطيب الذين جاءوا سدا منيعا لمنع اي ثورة تطيح بمخزن الفساد والاستبداد فدعهم ان موعدهم الصبح

صوت وصورة
قنصل أمريكا بمصنع كوكا كولا
السبت 12 يونيو 2021 - 04:49 7

قنصل أمريكا بمصنع كوكا كولا

صوت وصورة
ضحايا الاعتداءات الجنسية
الجمعة 11 يونيو 2021 - 23:50 5

ضحايا الاعتداءات الجنسية

صوت وصورة
أولويات البيئة بمعامل لافارج
الجمعة 11 يونيو 2021 - 21:42 10

أولويات البيئة بمعامل لافارج

صوت وصورة
بوريطة وموقف البرلمان الأوروبي
الجمعة 11 يونيو 2021 - 19:42 23

بوريطة وموقف البرلمان الأوروبي

صوت وصورة
وزيرة الخارجية الليبية في المغرب
الجمعة 11 يونيو 2021 - 17:46 9

وزيرة الخارجية الليبية في المغرب

صوت وصورة
تنسيق النيابة العامة والأمن الوطني
الجمعة 11 يونيو 2021 - 16:59 4

تنسيق النيابة العامة والأمن الوطني