"البرباشة" تعكس الأزمات الاجتماعية في تونس

"البرباشة" تعكس الأزمات الاجتماعية في تونس
صور: أ.ف.ب
الإثنين 28 يوليوز 2025 - 12:49

يزداد عدد “نبّاشي القمامة” أو “البرباشة” باللهجة العامية في تونس، والذين يجوبون الشوارع بلا كلل في القيض والبرد بحثا عن أية قارورة بلاستيكية؛ مما يشكل انعكاسا للأزمة الاقتصادية وأزمة الهجرة.

يضع حمزة الجباري منشفة على رأسه تقيه أشعة الشمس الحارقة، ويثبت كيسين مليئين بالقوارير البلاستيكية على ميزان في نقطة تجميع في حي البحر الأزرق الشعبي في الضاحية الشمالية للعاصمة تونس.

كان هذا الشاب الأربعيني قد جاب، منذ الرابعة صباحا، شوارع عديدة قبل أن يقوم عمّال النظافة بتفريغ حاويات القمامة.

حمزة، الذي يعيش من جمع البلاستيك منذ خمس سنوات، قال إن “هذا هو العمل الأكثر توفرا في تونس في غياب فرص العمل”؛ لكن هذا العمل مرهق جدّا فيما يُباع الكيلوغرام الواحد من القوارير البلاستيكية الموجهة لإعادة التدوير ما بين 500 و700 مليم (16 إلى 23 سنتا).

ولذلك، فهو في سباق لا ينتهي مع الزمن والمكان لملء أكبر عدد ممكن من الأكياس للحصول على بضعة دنانير لتوفير قوته اليومي.

انتشرت، خلال السنوات الأخيرة، في تونس مهنة جمع المواد البلاستيكية وبيعها للتدوير؛ فبات من المألوف رؤية نساء يبحثن عن القوارير المستعملة على جوانب الطرق، أو رجال يحمّلون أكواما من الأكياس على دراجاتهم النارية يجوبون الشوارع ويقفون عند كل ركن تلقى فيه القمامة للبحث فيها.

“عمل إضافي”

تؤكد منظمات غير حكومية محلية أنه من الصعب تحديد عدد “البرباشة”، إذ إن نشاطهم غير منظم قانونا.

لكن وفق حمزة الشاووش، رئيس الغرفة الوطنية لمجمعي النفايات البلاستيكية، التابعة لمنظمة التجارة والصناعة، فإن هناك 25 ألف “برباش” في تونس ينشط 40 في المائة منهم في العاصمة.

يقول الجباري إن “الجميع أصبحوا برباشة!”.

وأوضح الشاوش، الذي يدير أيضا مركز تجميع للمواد البلاستيكية في ضاحية تونس الجنوبية، أن “عددهم ازداد في السنوات الأخيرة بسبب غلاء المعيشة”.

ولفت المتحدث عينه إلى تحول في القطاع الذي كان “من ينشطون فيه بالأساس أشخاصا بلا دخل”؛ لكن “منذ نحو سنتين، بدأ عمال ومتقاعدون وخادمات في المنازل في ممارسة هذا النشاط كعمل إضافي”.

في العام 2024، تجاوزت نسبة الفقر في تونس 16 في المائة، حسب الأرقام الرسمية.

ولا تزال الأزمة الاقتصادية تلقي بثقلها في تونس مع نسبة بطالة تناهز 16 في المائة ونسبة تضخم تقارب 5,4 في المائة في العام 2025.

ومنذ العام الفائت، بدأ عدد كبير من المهاجرين غير النظاميين من دول إفريقيا جنوب الصحراء أيضا بجمع القوارير البلاستيكية وبيعها لتحصيل رزقهم.

يعيش معظم هؤلاء المهاجرين في فقر مدقع. وقد عبروا دولا كثيرة بهدف واحد هو الوصول إلى أوروبا عبر البحر؛ لكنهم وجدوا أنفسهم محاصرين في تونس التي شدّدت الرقابة على السواحل بعد إبرامها اتفاقا بهذا الخصوص مع الاتحاد الأوروبي.

“منافسة”

قال المهاجر الغيني عبد القدوس، البالغ من العمر 24 عاما، إنه صار “برباشا” لكي يتمكن من العودة إلى بلده.

ويعمل الشاب، منذ شهرين، في محطة لتنظيف السيارات؛ ولكنه يحتاج إلى تكملة لراتبه المتدني.

يساعد جمع النفايات القابلة لإعادة التدوير الشاب الذي حاول مرتين عبور البحر إلى أوروبا بشكل كبير في حياته ويمكنه من دفع الإيجار وشراء أغراض مثل الأدوية.

وأضاف عبد القدوس لفرانس برس متنهدا بعمق: “الحياة هنا ليست سهلة”.

اضطر الشاب إلى مغادرة مدينة صفاقس الساحلية الكبيرة في الوسط الشرقي إلى العاصمة تونس، بعد أن تلقى “الكثير من التهديدات”.

وقد شهدت بلدات قريبة من صفاقس تفكيك مخيمات غير منظمة عديدة للمهاجرين هذا العام.

في العام 2023، تفاقمت أزمة المهاجرين بعدما اعتبر الرئيس قيس سعيّد أن “جحافل المهاجرين من جنوب الصحراء” تهدد “التركيبة الديموغرافية” لتونس.

وانتشرت بعد ذلك على وسائل التواصل الاجتماعي خطابات حادة وعدائية ضد المهاجرين.

ألقت هذه التوترات بظلالها على قطاع جمع القوارير البلاستيكية.

وقال حمزة الجباري: “هناك منافسة قويّة في هذا العمل”، في إشارة إلى المهاجرين.

وأضاف: “هؤلاء الناس جعلوا حياتنا أكثر صعوبة… لم أعد أستطيع جمع ما يكفي من البلاستيك بسببهم”.

ويذهب الشاوش أبعد من ذلك، فمركز التجميع الذي يشرف عليه “لا يقبل الأفارقة من جنوب الصحراء” ويمنح “الأولوية للتونسيين”.

في المقابل، أكد عبد الله عمري، وهو صاحب مركز تجميع في البحر الأزرق، أنه “يقبل الجميع”.

وأضاف الرجل، البالغ من العمر 79 عاما: “من يقوم بهذا العمل هم بحاجة”، سواء “كانوا تونسيين أم من جنوب الصحراء أم غيرهم”.

وختم بفخر: “نحن ننظّف البلاد، ونوفر لقمة العيش للعائلات”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • حميد
    الإثنين 28 يوليوز 2025 - 13:11

    منذ استيلاء قيس البغيض على الحكم في تونس والبلاد في تراجع إلى الوراء

  • Md bihi
    الإثنين 28 يوليوز 2025 - 15:22

    هذه الظاهرة تعمّ جل الأقطار العربية، اللهمّ إذا استثنينا الخليجية منها، نراها كذلك في بعض الدول الإفريقية و الآسوية و اللاتينو أمريكية ، يعني في المناطق التي تفتقر شعوبها إلى الحياة الكريمة، بل حتى في أوروبا لكن باختلافات كبيرة، بحيث تجد الباحثين في القمامات يركّزون على أشياء لازالت صالحة للإستعمال منها ما يباع هناك و منها ما يخزَّن حتى العطلة الصيفية و تجمع في سيارات رومورك، تكون وجهتُها البلدان الأصلية للمهاجرين لكسب مصروفات إضافية.

  • من لحيته لقّم ليه
    الإثنين 28 يوليوز 2025 - 15:22

    لا حنا راه عندنا كيقلبوا على الذهب و الألماس..
    راه كيف كيف..
    عندهم برباشة و عندنا كوعارا.
    إذا كان بيتك من زجاج فلا ترمي الناس بالحجر.

    ولكن نتوسّم خيرا في القادم من السنوات إن شاء الله مع المشاريع التي أعطى انطلاقتها ملك البلاد حفظه الله.
    غير هادوك مسامر الميدة ديال الأحزاب و المسؤولين يعطيونا تيساع

  • وظيفة شريفة
    الإثنين 28 يوليوز 2025 - 16:35

    هذه الوظيفة في المغرب تعرف بعبارة “الميخالة” (جمع ميخالي، قد تعني “جامع الاشياء”). هم اناس يقومون بوظيفة شريفة جدا، رغم احتقارها لدى البعض، وهي تدوير النفايات البلاستيكية والزجاجية، التي تضر بالطبيعة والبيئة. اما البرابيش فهي مشاقة من الجذر الامازيغي “بربش” وتعني المرقط، وقدتكون اطلقت عليهم لانهم يلتقطون الاشياء بانتقائية من هنا وهناك. وهناك فرع من قبلية الرحامنة تسمى البرابيش. و هناك مجموعات تحمل اسماء مختلفة (روم، خيتانوص، الرحالة) يقومون بنفس الشيء في بلدان جنوب اوروبا.

صوت وصورة
لوكهيد مارتن بمعرض مراكش
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 20:51

لوكهيد مارتن بمعرض مراكش

صوت وصورة
السيول تجتاح طرق أسني بالحوز
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 19:49 3

السيول تجتاح طرق أسني بالحوز

صوت وصورة
جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 16:47 2

جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن

صوت وصورة
مبادرة ساكنة لفك العزلة
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 15:06 9

مبادرة ساكنة لفك العزلة

صوت وصورة
تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 10:57 2

تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة