إن مسألة البيعة كانت دائماً مثار نقاش في تاريخ الفكر السياسي الإسلامي عامة، والفكر السياسي بالمغرب خاصة، إذ ظل تاريخ الصراع الفكري حولها يتركز على تحديد طبيعتها الفقهية، هل هي بيعة مطلقة أم بيعة مشروطة؟ وهل هي بيعة تنشئ السلطة أم تزكيها فقط؟ هذه أسئلة جوهرية لا يستطيع الفقهاء أن يخوضوا فيها، لأن الجواب عنها له تبعات ….
وإذا عدنا إلى عصر الخلافة الراشدة نجد أن القاعدة الدستورية المتبعة في هذا الأمر ألا ينهض أحد من نفسه ليستولي على الخلافة أو يركب السلطة بسعيه وتدبيره، إنما كان الناس يضعون زمام الحكم في يد من يرونه أصلح لقيادة الأمة وأكفأ لزعامتها، فلم تكن البيعة حصاد السلطة، بل كانت البيعة مانحة السلطة وسببها، ولم يكن لجهود المرء أو محاولاته أو تآمره أي دخل في انعقاد البيعة له على الإطلاق، وكان الناس أحراراً تماماً في أن يبايعوا أو لا يبايعوا، ومن ثم لم يصل إلى السلطة من لم تنعقد له البيعة برضا الناس.
وكل الخلفاء الراشدون وصلوا إلى الحكم وفق هذه القاعدة، فما حاول واحد منهم أن يصل إلى الحكم بنفسه، إنما كان يصل إلى الحكم إذا وصل الحكم إليه وأعطي له.
وقد انتقضت هذه القاعدة مع خلافة سيدنا معاوية رضي الله عنه، حيث إن خلافته لم تكن من نوع الخلافة الراشدة الذي يعين فيه المسلمون خليفتهم فلا يصل إلا برضاهم ومشورتهم، لأن معاوية رضي الله عنه كان يريد أن يصبح خليفة بأي حال من الأحوال، ولذلك قاتل إلى أن اعتلى الخلافة، كما أن خلافته لم تكن عن رضا من المسلمين، ولم يختره الناس اختياراً حراً، إنما تأمّر عليهم بقوته وسيفه، فلما رأى الناس أنه صار خليفة عليهم بالفعل لم يكن أمامهم أي مفر من غير مبايعته، ولو أنهم أحجموا عن بيعته لما تنحى عن الحكم، بل لكان معنى ذلك سفك الدماء وبث الفوضى، وهو ما لا يمكن تفضيله على الأمن والسلام والاستتباب، ومن أجل هذا اتفق جميع الصحابة والتابعين وصلحاء الأمة على بيعة معاوية بعد تنازل الحسن له عن الخلافة عام 41ﻫ، وسمي هذا العام بعام الجماعة على أساس أن الحرب الأهلية قد انتهت فيه نسبياً.
ومن ذلك التاريخ أصبح الحكام يتملكون الحكم لا بمشورة المسلمين، بل بالقوة والجبروت، وبدلاً أن تكون القوة أساسها البيعة صارت البيعة أساسها القوة وأضحى المسلمون غير أحرار في أن يبايعوا أو لا يبايعوا أو يمتنعوا عن البيعة، ولم يعد انعقاد البيعة شرطاً لتملك السلطة والاستمرار فيها، فليس أمام الناس فرصة للامتناع عن بيعة من قبض بيديه على زمام الحكم، وحتى لو امتنعوا عن بيعته فلن يجدي امتناعهم شيئا، لأن من وصل إلى السلطة لن يتركها إذا ما امتنعوا عن بيعته.
وفي المغرب بقيت مراسيم البيعة مستمرة مع جميع الدول التي تعاقبت على حكم المغرب كالمرابطين، والموحدين، والمرينيين، والسعديين، ثم العلويين، إذ رغم إدراج بعض الشكليات على مراسيم البيعة والتي همت إدخال بعض العناصر كالأشراف ضمن أهل الحل والعقد، وتوقيع صك البيعة بالإضافة إلى تقديم بعض الهدايا، فقد بقيت محافظة على جوهرها العام سواء من ناحية طقوسها أو ترتيبها البروتوكولي.
لكن طغيان هذه المراسيم وإعادة إنتاجها ظهر مع حكم الحسن الثاني رحمه الله، وخاصة بعد التهديدات السياسية والعسكرية التي واجهته كالمحاولتين الانقلابيتين، حيث سعى إلى تكريس هذه المراسيم من أجل الحفاظ على شرعية المؤسسة الملكية وتجديد آليات الولاء والخضوع لشخص الملك.
وهكذا تم في هذا الإطار إحياء العديد من المؤسسات المراسيمية والمظاهر البروتوكولية، من أهمها:
إحياء مؤسسة الحاجب الملكي.
التشديد على ارتداء الزي التقليدي من طرف كبار مسؤولي الدولة من وزراء وموظفين سامين وحتى النواب.
المراسيم التي ترافق قراءة الظهائر والرسائل الملكية، حيث يقوم المستشارون برفع الرسائل إلى جباههم وتقبيلها مرددين عبارة الله << يبارك في عمر سيدي>>.
مراسيم تجديد الولاء كل سنة…
وخلاصة القول، فإن بعض الفقهاء يرون أن بيعة الانعقاد وإنشاء السلطة قد انتهت بسيطرة معاوية رضي الله عنه على الحكم، ولم يبق بعد ذلك إلا بيعة الانقياد التي تزكي السلطة ولا تنشئها. لأن منطق القوة أصبح هو الذي يؤسس ويسقط السلطة، والبيعة آلية لتزكيتها، فالسلطة أولاً وأخيراً هي علاقة قوة.
البيعة بين الماضي والحاضر
…….إن بعض الفقهاء يرون أن بيعة الانعقاد وإنشاء السلطة قد انتهت بسيطرة معاوية رضي الله عنه على الحكم، ولم يبق بعد ذلك إلا بيعة الانقياد التي تزكي السلطة ولا تنشئها. لأن منطق القوة أصبح هو الذي يؤسس ويسقط السلطة، والبيعة آلية لتزكيتها، فالسلطة أولاً وأخيراً هي علاقة قوة.
تعليق
يحاول كاتب المقال الخلط المراحل التاريخية والسياسية التي عاشتها الدولة الاسلامية عهد الخلافاء الراشدين ودولة الاموين و دولة المغرب في الحاضر لخدمة توجهه السياسي . وهو خلط مكشوف لان العالم الذي نعيشه اليوم مختلف عن الحقب التاريخية التي استشهد بها الكاتب ، اليوم لم تعد هناك انظمة تفرض بحدة السيف ولا بالقوة بل اصبح هناك تعاقد يحكمه الدستور اسمى قانون بالبلاد . كما حفل الولاء او البيعة لايجب توظيفه لخدمة لتمرير مواقف سياسية معينة ، فكل الدول العريقة تتمسك باعرافها وتقليدها لانها بكل بساطة تعكس اصالتها وعراقة شعوبها بل نرى الدول الحديثة التكوين بالبحث عن اي شيئ يمكن تؤثت به تاريخها الحديث فبما بالك بدول لها عشرات القرون من التاريخ .
سئل الشيخ صالِح الفوزان -حفظه الله-: هل البيعة واجبة، أم مستحبة، أم مباحة؟ وما مَنْزلتُها من الجماعة والسمع والطاعة؟
فأجابَ فضيلته: تَجبُ البيعة لولي الأمر عَلَى السمع والطاعة عِنْد تنصيبه إمامًا للمسلمين عَلَى الكتاب والسنة، والذين يُبايعون هُم أهل الحل والعقد من العلماء والقادة، وغيرهم من بقيَّة الرعيَّة تبع لَهم، تلزمهم الطاعة بِمبايعة هؤلاء، فلا تُطلب البيعة من كل أفراد الرعية لأن المسلمين جَماعة واحدة، ينوب عنهم قادتُهم وعلماؤهم.
هذا ما كَانَ عليه السلف الصالِح من هذه الأمة، كما كانت البيعة لأبي بكر ولغيره من ولاة المسلمين.
وليست البيعة فِي الإسلام بالطريقة الفوضوية المسماة بالانتخابات، الَّتِي عليها دُول الكفر، ومن قلدهم من الدول العربية، وَالَّتِي تقوم عَلَى المساومة، والدعايات الكاذبة، وكثيرًا ما يذهبُ ضحيتها نفوس بريئة.
والبيعة عَلَى الطريقة الإسلامية يَحْصُلُ بِها الاجتماع والائتلاف، يتحقق بِها الأمن والاستقرار، دون مزايدات، ومنافسات فوضوية، تُكلف الأمة مشقة وعنتًا، وسفك دماء، وغير ذَلِكَ.
الأجوبة المفيدة عن أسئلة المناهج الجديدة (ص204)، ط- دار المنهاج.
" لأن معاوية رضي الله عنه كان يريد أن يصبح خليفة بأي حال من الأحوال، ولذلك قاتل إلى أن اعتلى الخلافة "
وفقك الله ، و لكن معاوية رضي الله عنه رفض ان يبايع عليا رضي الله عنه وبايعه اهل الشام ومن بعد بايعه أهل مصر و الحجاز فمعاوية لم يطمع في الخلافة الى ان بايعه الناس .
سؤال هل نسمي خكم معاوية خلافة؟؟؟
لانه في بعض الاحاديث ان الرسول صلى الله عليه وسلم قال او كما روي عنه أنه قال "الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تسير ملكا"
فالمرجو من الاخ الكريم صاحب المقال ان يجيبنا على السؤال وشكرا.