التذمر لا يصنع التغيير‬

التذمر لا يصنع التغيير‬
السبت 21 دجنبر 2019 - 04:08

النقاش الصاخب والحاد الذي أعقب خطاب أخنوش في إيطاليا ذكرني بتصريح ألبرتو ابروتسيزي Alberto Abruzzese، أحد دهاقنة سوسيولوجيا التواصل على المستوى العالمي، حيث تنبأ في حديث للتلفزيون سنة 2001 بأن أكبر خطر ستفرزه وسائل الإعلام الجديد هو الانطباع الذي سيتولد لدى الجميع بأن ما سيقولونه (وما سيفعلونه) بشكل فردي سيغير العالم.

لاحظوا معي أن ابروتسيزي استعمل كلمة “انطباع”، أي إنه كان واعيا منذ البداية بأن الحقيقة والواقع يوضحان بالملموس أن ما يبدو تغييرا قد يكون في نهاية الأمر مجرد تحول شكلي يخدم الطبقة المهيمنة التي تحسن، مثل العادة، الدفاع عن مصالحها.

كلمات وزير الفلاحة المغربي غير الموفقة أنتجت زخما من ردود الفعل القاسية، بدت أنها ستجر الرجل إلى أن يقدم على الأقل اعتذارا عما تفوه به. وبحكم أن الرجل يعرف أن مستقبله ليس بيد أولئك الذين ينتقدونه، فلم يتبادر لذهنه ولو لوهلة القيام بشيء من هذا القبيل..اكتفى بأصوات من حزبه تعطي تأويلات “مقبولة” لكلام أوضح لمن كان لديه قليل من الأمل في بلد كالمغرب أن الوزير رقم واحد في البلاد، والذي يتم التخطيط منذ سنوات لكي يصبح رئيسا للحكومة، لا معرفة له بقواعد الديمقراطية، ولا دراية له بأبجديات التواصل.

ما علينا. الوزير ليس هو الموضوع الرئيسي لهذه المقالة. ما يهمني حقا هو الأسلوب الذي لجأ إليه أغلب المغاربة، من تنفيس عبر الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي. كثيرون يدلون بدلوهم ويعبرون عن أفكارهم بهذا الخصوص، بل هناك من يمر مباشرة إلى رئيس الدولة بكلام لم يعهده المغاربة من قبل.

من يتابع المشهد من بعيد، مثل حالتي، لا يخالجه شك في أن الظاهرة مثيرة للاهتمام سوسيولوجيا وإعلاميا، وقد تكون صحية ديمقراطيا. ولكن ما هو مؤكد الآن أن ما حصل بعد خطاب ميلانو جسد أساسا درجة الاحتقان الذي وصلت إليه البلاد، وهو ما لم يستوعبه “موالين الحال” ولن يستوعبوه؛ فالتاريخ علمنا أن أصحاب القرار في بلادنا يحسنون مقاربة واحدة، وهي تلك الأمنية، وهي مقاربة غير مجدية نهائيا، إن لم يتم إرفاقها بإصلاحات جذرية تأخذ بعين الاعتبار وعي المواطن المغربي والتحولات العميقة التي يعرفها العالم.

المهم هنا أننا أمام درجة كبيرة من الاحتقان، ولكننا لسنا أمام حركة سياسية لها لغة ذكية تحسن صياغة تصور ينطلق من فهم حقيقي لموازين السلطة في المغرب، والعمل على تغييرها. التذمر لا يعني التغيير، ولا يعني الإصلاح.

التنفيس عبر الأنترنيت قد يكون مفيدا على المستوى الشخصي، ولكنه غير مجد لبناء حركة تعطي قيادات جديدة في بلد قتل نخبه السياسية عرقا عرقا؛ فالأحزاب قبلت دورها الهامشي منذ زمن بعيد، ولم تعد تنجب نخبا رائدة يمكنها خلق التغيير المطلوب. هناك استثناء، وهي أحزاب الإسلام السياسي التي تؤمن بالتدرج في عملها، ولها قدرة هائلة على التسرب في هياكل الدولة. هذه الأحزاب، للأسف، لا يمكنها أن تكون معبرنا نحو المستقبل لعدم قدرتها، ولأسباب إيديولوجية محضة، على الابتعاد عن فهمها الضيق للعالم.

إذن الأمل الوحيد هو ما قد تفرزه حركة سياسية خارج اللعبة “المخزنية”، تستطيع أن تفرض قواعد ديمقراطية حقيقية، مع وعي بأن أساليب الحكم التقليدية لازالت هي المهيمنة. بمعنى آخر المسألة تحتاج إلى تخطيط وبعد نظر لا يمكن أن يتجسدا عبر خطابات إنترنيتية لا تسمن ولا تغني من جوع، اللهم عدد اللايكات التي قد تشبع غرور الذات، ولكنها غير صالحة بتاتا كبديل لنظام مخزني قوي وصلب لا قدرة له على فهم التحديات الحقيقية التي علينا جميعا كمغاربة مواجهتها.

*إعلامي مغربي مقيم في إيطاليا

‫تعليقات الزوار

5
  • فريد
    السبت 21 دجنبر 2019 - 08:32

    الكل يعرف أن القصر هو الذي يحكم ،هو الذي يعطي لمن يشاء وينزع ممن يشاء ،هو صاحب المشاريع الكبرى وكل فشل مرجعه إلى الأحزاب البخيسة (وربما هو على حق في تبخيس هاته الأحزاب ،كان عليه فقط إضافة مستشاري القصر كذلك)، مشاكل المغرب ليست مرتبطة بشخص الملك أو رئيس الحكومة أو وزراء أو …النظام المخزني الأفقي هو أساس مشاكل المغرب لأنه مبني على الخدمة والسُّخْرَة من في الأسفل يخدم من فوقه مقابل عطاء وريع ،لا جهاز يستطيع التحرك بدون تعليمات (من يعطي التعليمات؟ الله أعلم) ،حس المسؤولية منعدم ليس فقط عند كبار أجهزة الدولة بل حتى عند العموم، هاته الوضعية أدخلت البلاد إلى حالة autodestruction :خيرات البلاد تستنزف في البر والبحر دون التفكير في الأجيال القادمة ،خيرة أبناء البلاد ترغم على الهجرة ،مهاجري المغرب يرغمون على البقاء في بلاد المهجر ،الشباب الذين ولدوا بعد سنة 1999 فقدوا كل أمل في العيش الكريم وهذا ماأصبحوا يعبرون عليه في كل فرصة ولو بالكلمات والأفعال النابية (ولذى وجب إعادة تربيتهم rééducation حسب قول le grand vizir )…

  • محمد بلحسن
    السبت 21 دجنبر 2019 - 09:41

    مقال ممتاز أعتبره مساهمة وازنة تتطلب جلسة خاصة يبرمجها رئيس اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي المهندس شكيب بنموسى. جلسة خاصة مع مساعدين الـ 35 لتدارس الفقرات الثمانية مع التركيز على فقرتين:
    فقرة مهمة: لاحظوا معي أن ابروتسيزي استعمل كلمة "انطباع"، أي إنه كان واعيا منذ البداية بأن الحقيقة والواقع يوضحان بالملموس أن ما يبدو تغييرا قد يكون في نهاية الأمر مجرد تحول شكلي يخدم الطبقة المهيمنة التي تحسن، مثل العادة، الدفاع عن مصالحها.
    فقرة مهمة جــدا: إذن الأمل الوحيد هو ما قد تفرزه حركة سياسية خارج اللعبة "المخزنية"، تستطيع أن تفرض قواعد ديمقراطية حقيقية، مع وعي بأن أساليب الحكم التقليدية لازالت هي المهيمنة. بمعنى آخر المسألة تحتاج إلى تخطيط وبعد نظر لا يمكن أن يتجسدا عبر خطابات إنترنيتية لا تسمن ولا تغني من جوع، اللهم عدد اللايكات التي قد تشبع غرور الذات، ولكنها غير صالحة بتاتا كبديل لنظام مخزني قوي وصلب لا قدرة له على فهم التحديات الحقيقية التي علينا جميعا كمغاربة مواجهتها.
    خلاصة القول: العمل بالشعار الخالد الله-الوطن-الملك يستوجب من شكيب بموسى الإنصات الجيد لخبراء حقيقيين غيورين على المغاربة.

  • الحسن العبد بن محمد الحياني
    السبت 21 دجنبر 2019 - 09:46

    إذا كانت الأحزاب السياسية ببلادنا غير موفقة بثاتا في طرح وإيجاد الحلول المناسبة لقضايانا العويصة لعدة أسباب؛سواء بداخل التنظيمات نفسها؛ومنها ضعف شخصية الزعيم القائد الحزبي من حيث التكوين السوسيوثقافي والسوسيواقتصادي والسياسي؛وتغييب وإقصاء وإبعاد الكفاءات؛ أو بسبب اكراهات داخلية تلزم الأحزاب على الاختيارات الجوهرية وتتحكم فيها،بل تتجاوزها وتتحداها؛كذا املاءات خارجية، وبالأخص تحكم المؤسسات المالية الدولية في البرامج الوطنية؛لم يبق لنا إلا انتظار ما ستسفر عنه أعمال اللجنة التي بدأت عملها هذا الأسبوع؛والحالة هذه المغرب في أشد الحاجة الآن إلى الأطر العليا والكفاءات سواء بداخل المملكة أو بخارجها،كثروة بشرية؛وفي حاجة إلى مستثمرين وطنيين من داخل المملكة وخارجها،كثروة مالية؛رجل أعمال مغربي متعلم بماله هو الوحيد الذي يمكنه تقديم خدمات جديدة وممتازة للوطن؛أضف إلى ذلك،لابد من وضع سقف محدود للأجور الخيالية؛لا يعقل أن يحصل مدراء عامون ومسؤولون كبار على رواتب وأجور تفوق كل تصور؛-أش كيديروا كاع في ملك الله؟-؛فاقتراحنا هو 50000درهم كحد أعلى لأكبر إطار و5000درهم لآخر مرتب في السلاليم الأدنى؛وكلشي يعيش.

  • عين طير
    السبت 21 دجنبر 2019 - 11:25

    اغرس، أو لا تغرس، فالشجر على الطريق المستقيم يعطي الانطباع أنه يمر مر السيارة بالاتجاه المعاكس، بينما هو جامد جمود الجبال تمر مر السحاب، صنع الله الذي أتقن صنع كل شيء. إنهم يتوهمون، وكم يخيب الظن في المقبل، فلا توحش النفس بخوف الظنون، واغنم من الماضي أمن اليقين، وتذكر حركة لكل الديمقراطيين، وكيف حال القدر بينها والجندول، وتذكر أم كلثوم تقلب أفئدة المتيمين بالهوى في محراب الشعر وسحر الكلام : فقد تساوى في الثرى راحل غدا .. وماض من ألوف السنين.

    حلم من ليـــالي كيــــــلو-بتره …!

  • Hassan
    السبت 21 دجنبر 2019 - 14:05

    فعلا نحن في حاجة ماسة لإعادة التربية . التربية على المواطنة .مكارم الأخلاق .

صوت وصورة
شرف تطلق "العرس في دارنا"
السبت 12 يونيو 2021 - 12:41

شرف تطلق "العرس في دارنا"

صوت وصورة
قنصل أمريكا بمصنع كوكا كولا
السبت 12 يونيو 2021 - 04:49 7

قنصل أمريكا بمصنع كوكا كولا

صوت وصورة
ضحايا الاعتداءات الجنسية
الجمعة 11 يونيو 2021 - 23:50 5

ضحايا الاعتداءات الجنسية

صوت وصورة
أولويات البيئة بمعامل لافارج
الجمعة 11 يونيو 2021 - 21:42 10

أولويات البيئة بمعامل لافارج

صوت وصورة
بوريطة وموقف البرلمان الأوروبي
الجمعة 11 يونيو 2021 - 19:42 24

بوريطة وموقف البرلمان الأوروبي

صوت وصورة
وزيرة الخارجية الليبية في المغرب
الجمعة 11 يونيو 2021 - 17:46 9

وزيرة الخارجية الليبية في المغرب