مثقفون إسبان ومغربية سبتة

مثقفون إسبان ومغربية سبتة
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 12:42

من غالدوس إلى نينيو بيسيرا: مثقفون إسبان يعترفون بأن سبتة ومليلية مغربيتان

لم يكن غريبا أن يحظى احتلال مدينة تطوان سنة 1860 بإجماع لم تعرفه إسبانيا في تاريخها الحديث. من اليمين الكارليستي إلى اليسار الجمهوري، من الكنيسة إلى الصحافة، الجميع بارك حرب أودونيل(O’Donnell) على المغرب. كتب بينيتو بيريث غالدوس (Benito Pérez Galdós) ، أشهر روائي إسباني في القرن التاسع عشر، مدافعا عن تلك الحرب بأن الإسبان “احتاجوا أن يتباهوا قليلا أمام أوروبا”. كان ذلك جوهر العقلية الإمبريالية: المغرب حقل لإثبات الذات أمام القوى الكبرى.

منذ تلك اللحظة تأسست السردية الإسبانية، وكرسها خوسيه ماريا خوفير (José María Jover) (2006-1920) بقوله إن “العداء الإسباني-الموري هو الفكرة الأكثر رسوخا في الوعي التاريخي للإسبان”، سردية ترى سبتة ومليلية بديهية جغرافية إسبانية لا تناقش.

فكيف تم تفكيك أسطورة إسبانية سبتة ومليلية بالوثيقة التاريخية؟

أولا: السردية الإسبانية التقليدية: من غالدوس إلى مارغاريتا توريس

السردية الإسبانية التقليدية هي وليدة ما تُشحن به كتب التاريخ الاسباني التي تبدأ التاريخ الإسباني “الحديث” من سقوط غرناطة عام 1492، وليس من الامتداد والتنوع الحضاري والثقافي الذي عاشته الأندلس لقرون، حيث يتم تصوير الوجود الإسلامي كـ”عقبة” أو “استثناء عابر” تمت إزالته عبر ما يُسمى بحروب “الاسترداد” (Reconquista). والسردية التاريخية الرسمية تفضل استخدام مصطلح “الوجود الإسلامي ” أو “العربي” بدلا من الوجود المغربي لتجنب الاعتراف بالامتداد الجغرافي والسياسي للمغرب، وتفادي فكرة أن المغرب كان “الإمبراطورية الحاضنة” للأندلس في فترات قوته.

والمثقف الإسباني التقليدي لم يكن معاديا للمغرب بدافع الكراهية، بل كان أسير هذه الرواية الرسمية التي لم تقل له أن الأدارسة أسسوا الدولة المغربية في 789م أي سبعة قرون قبل تأسيس الدولة الاسبانية، بل علمته أن سبتة ومليلية “أقدم من المغرب نفسه”، وأنهما فوق التاريخ، وفوق القانون، وفوق النقاش.

هذه السردية مازالت حية . فقبل شهرين فقط، خرجت المؤرخة الإسبانية مارغاريتا توريس (Margarita Torres) في إذاعة كوبي الإسبانية (Cadena Cope) لتصف المطالب المغربية بخصوص سبتة ومليلية بأنها “فانتازيا متحركة”، وقالت: “حتى 1957 لم تكن مملكة المغرب موجودة”. حجتها أن المدينتين لهما 3000 سنة وأنهما جزء من هيسبانيا الرومانية.

إنه منطق استعماري كلاسيكي يختزل التاريخ في فترة الاحتلال ويقفز على 12 قرنا من وجود الدولة المغربية، وهو نفس المنطق الذي رد عليه المؤرخ الفرنسي برنار لوغان (Bernard Lugan)عندما نصحها بقراءة تاريخ المغرب “حتى لا تقول حماقات”.

ثانيا: الشرخ الكبير: من دولوريس بيريث إلى سانتياغو نينيو بيسيرا

لم يكن اعتراف بعض المثقفين الإسبان بمغربية سبتة ومليلية مجرد موقف أخلاقي، بل كان نتيجة عمل أرشيفي دقيق قامت به المؤرختان الإسبانيتان دولوريس بيريث تروخيو (Dolores Pérez Trujillo) وكارمن غونزاليس مارتينيز (Carmen González Martínez) ، وهما باحثتان في جامعة قادس وجامعة إشبيلية متخصصتان في تاريخ شمال إفريقيا الحديث.

ففي كتابهما المشترك “سبتة والتاريخ الأسير” (Ceuta y Melilla: la historia cautiva) الصادر سنة 2018 أثبتث الباحتثان بالوثائق من الأرشيف العام للهند(Archivo General de India) ومن الأرشيف البرتغالي (Torre do Tombo)أن سبتة لم تكن أبدا إسبانية قط قبل 1415، بل كانت مدينة مغربية مرينية يحكمها بنو العزفي، وأن سكانها دفعوا البيعة للسلطان المريني أبي سعيد حتى يوم سقوطها. وتثبتان بالوثائق أن البرتغاليين طردوا كل سكانها المسلمين سنة 1415 واستبدلوهم بمستوطنين برتغاليين، وهو ما يعتبر حسب القانون الدولي الحديث تطهيرا عرقيا يبطل أي ادعاء بالسيادة التاريخية .وتضيفان أن إسبانيا نفسها لم تحتلها مباشرة ، بل ورثت الاحتلال عن البرتغال سنة 1580 عند اتحاد التاجين الإبيريين، مما يبطل قانونيا أسطورة السيادة التاريخية الإسبانية، لأن اسبانيا ورثت احتلالا ولم تؤسس سيادة.

وتشير الباحثتان من جهة ثانية أن معاهدة 1860 التي وسعت حدود سبتة فرضت بالقوة بعد حرب تطوان، وأن السلطان المغربي وقعها تحت تهديد قصف طنجة والرباط، وهو ما يجعلها حسب القانون الدولي معاهدة إذعان باطلة ولا تمنح إسبانيا أي شرعية تاريخية.

أما ما تعلق بمليلية فتؤكدان أنها كانت مغربية تابعة لقبيلة قلعية الريفية، وأن الملك الكاثوليكي فرناندو لم يضم أرضا خلاء، بل هاجم مدينة آهلة وطرد أهلها، وأن وثيقة التأسيس نفسها الموقعة من طرف دوق ميدينا سيدونيا تقول حرفيا أي “أخذنا بالقوة قرية مليلية التي كانت في حوزة المغاربة” Omamos por la fuerza la villa de Melilla que estaba en poder de moros

وتخلص الباحثتان إلى نتيجة قانونية حاسمة: سبتة ومليلية ليستا مدينتين إسبانيتين في إفريقيا، بل هما مدينتان مغربيتان محتلتان من طرف إسبانيا.

ومؤخرا في شتنبر 2025، كتب الخبير الاقتصادي الشهير سانتياغو نينيو بيسيرا (Santiago Niño Becerra) ، أستاذ الاقتصاد في جامعة رامون لول ( Ramon Llull) وأحد أكثر الاقتصاديين متابعة في إسبانيا، تغريدة على منصة ” “X قلبت النقاش: “السؤال ليس هل ستغادر إسبانيا سبتة ومليلية، بل متى ستغادرهما”.

وقال: “وصلنا إلى نقطة لم يعد فيها القرار بيد إسبانيا وحدها”. وأضاف: “فمهما كانت رغبة إسبانيا في الاحتفاظ بهما فالواقع الجيوسياسي العالمي في 2026 ليس هو نفسه في 1986”. وهذا اعتراف بأن الاستاتيكو الاستعماري له نهاية.

لم يكن نينيو بيسيرا يتحدث عن حرب، بل عن قانون التاريخ. واستحضر سابقة سيدي إفني والصحراء المغربية اللتين كانتا “إسبانيتين للأبد” ثم غادرتهما إسبانيا.

هؤلاء لا يمثلون الدولة، لكنهم يمثلون بداية مراجعة أخلاقية لماض استعماري ظلت إسبانيا الديمقراطية ترفض فتحه.

رابعا: لماذا يعترفون الآن؟

هذا التحول عند بعض المثقفين الإسبان ليس حبا في المغرب، بل نتيجة ثلاثة حقائق دولية جديدة:

1- سقوط حجة “أوروبيتان”: وزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس كرر في 21 غشت الماضي أن سبتة ومليلية “أوروبيتان” كأن القارة تمنح الشرعية، لا القانون الدولي. ورد عليه الخبير الإسباني سانتياغو نينيو بيسيرا: “الواقع الجيوسياسي في 2026 ليس هو 1986”. فالحليف الأكبر لإسبانيا لم يعد يرى المدينتين “أوروبيتين” بالضرورة. فقد صدر قبل سنة عن الكونغرس الأمريكي في يوليوز 2025 وثيقة رسمية تضع سبتة ومليلية في خانة “الأراضي المغربية” ، ودعا صراحة الخارجية الأمريكية لتشجيع الحوار بين الرباط ومدريد حول مستقبلهما.

2- تناقض جبل طارق: إسبانيا تعيش أكبر تناقض سياسي في قضية جبل طارق. فهي تطالب باسترجاع الصخرة من بريطانيا وتعتبر احتلالها استعمارا يجب إنهاؤه. لكنها في نفس الوقت ترفض نفس المنطق عندما يطالب المغرب بسبتة ومليلية، وتقول إن المدينتين إسبانيتان منذ 500 سنة. فكيف تطلب من لندن احترام وحدة ترابها، وهي ترفض احترام وحدة التراب المغربي بنفس الحجة الاستعمارية؟ لا يمكن أن تكون ضد الاستعمار في الشمال ومعه في الجنوب.

3- مأزق السيادة في الخطاب الملكي: عندما زار الملك فيليبي السادس سبتة ومليلية في أكتوبر 2026 في أول زيارة ملكية منذ 2007، قال جملتين متناقضتين في خطاب واحد: “سيادتنا غير قابلة للتفاوض”، ثم أضاف “يجب الحفاظ على حسن الجوار مع المغرب”.

هذا التناقض هو اعتراف ضمني بأن السيادة القانونية التي تدعيها إسبانيا لا تكفي وحدها لتأمين المدينتين دون تعاون أمني يومي من المغرب، خصوصا بعد أزمة العبور الجماعي في يوليوز 2026 . فأي سيادة هذه التي تحتاج رضا “الخصم” لتحمي حدودها؟

المثقف الإسباني فهم الرسالة.

لهذه الأسباب الثلاثة، لم تعد زيارة ملك إسبانيا، كما وصفتها الصحافة المغربية، إلا “اختبارا لثوابت المغرب” لا يغير الواقع القانوني. فكما كتبت إحدى الصحف: “زيارة ملك إسبانيا لا تمحو ذاكرة الاستعمار ولا تمنح التاريخ شرعية جديدة”.

خلاصة:

المعركة حسمت فكريا، وبقي أن تحسم سياسيا.

المعركة اليوم لم تعد معركة جنود على الأسوار، بل معركة مثقفين على السردية. وإسبانيا التي استطاعت أن تبني ديمقراطية حديثة، مدعوة لامتلاك الشجاعة السياسية والأخلاقية لمراجعة علاقتها بماضيها الاستعماري في المغرب.

والحقيقة أن عددا متزايدا من المثقفين الإسبان بدأ يفعل ذلك.

التاريخ لا يعود للوراء، لكن المثقفين هم أول من يشعر بانعطافه.

-أستاذ التعليم العالي- الرباط

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • Hamid
    الخميس 22 أكتوبر 2026 - 17:02

    مقال اكاديمي رائع.
    شكرا لكم استاذ.
    لقد استفدنا منه كثيرا.

  • علياء
    الخميس 22 أكتوبر 2026 - 17:04

    مقال مفيد.
    كنا نعتقد ان الاسبلن كلهم يقولون ان سبتة ومليلية اسبانيتان.
    تأكدنا ان مؤرخين اسبان يقولون الحقيقة.

صوت وصورة
حامي الدين والبراءة في الاستئناف
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 16:56 1

حامي الدين والبراءة في الاستئناف

صوت وصورة
ندوة دولية تقارب التماسك الاجتماعي
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 15:21 1

ندوة دولية تقارب التماسك الاجتماعي

صوت وصورة
الراشدي يشيد بالبرنامج الحكومي
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 13:37 1

الراشدي يشيد بالبرنامج الحكومي

صوت وصورة
فريق "البام": لن نكون مجرد "كومبارس"
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 13:00 2

فريق "البام": لن نكون مجرد "كومبارس"

صوت وصورة
مغاربة يشيدون بإنجاز أسود الفوتسال
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 12:50 2

مغاربة يشيدون بإنجاز أسود الفوتسال

صوت وصورة
استقالات وتعيينات بمجلس النواب
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 10:51 1

استقالات وتعيينات بمجلس النواب