التقارير الدينية العالمية.. من يقف وراءها؟

التقارير الدينية العالمية.. من يقف وراءها؟
الخميس 20 دجنبر 2012 - 16:22

تلقفت وسائل الإعلام العالمية والعربية التقرير الأخير لمعهد بيو الأمريكي وروجت له على نطاق واسع، وقلدتها الصحف المغربية تقليدا أعمى دون أن تفحص الأخبار ولا من يروجها، ولا من يقف خلف المؤسسات التي أنتجتها ونشرتها.

كثيرة هي التقارير الدينية القادمة إلينا من الدول الغربية سواء في القارة العتيقة (أوروبا) أو في القارة الحديثة (الولايات المتحدة الأمريكية)، ومعظمها يحدثنا عن ما يتعرض له المسيحيون من اضطهاد في الدنيا بأسرها، لا سيما في البلدان المسلمة. وقد اكتسب تقريران أمريكيان شهرة عالمية وهما تقرير لجنة الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي المسمى تقرير الحريات الدينية، وتقرير بيو للحالة الدينية في العالم الذي نشرت بعض نتائجه يوم 18 دجنبر 2012.

وعن هذا الأخير أتحدث في هذا المقال، بعد أن تطوعت وسائل الإعلام العربية والمغربية فروجت لتشخيصاته وتحليلاته دون تمحيص وتقليب نظر، ودون تساؤل أو تعليق من أهل الخبرة على الأقل.

فمركز بيو للبحث الذي يعتبر ثالث مركز للتفكير بالولايات المتحدة الأمريكية تابع لشركة خيرية هي “بيو تروست الخيرية” تأسست عام 1948 برأسمال قدره 5 مليار دولار أمريكي، وهدفها الذي تعلن عنه هو تقديم خدمة للصالح العام من أجل تطوير السياسات العمومية وإخبار الجمهور، وتحريك الحياة المدنية. وهذه المؤسسة الخيرية ورثت مؤسسات خيرية أخرى كان وراءها جوزيف ن. بيو وزوجته ماري أندرسون بيو. وكان من أهداف المؤسسات السابقة تحرير الشعب الأمريكي من قبائح الإدارة، وإقناعه بمبادئ السوق الحرة وإخباره بمعركته الحقيقية، وبما تعرض له أجداده من استضعاف وما قدموه من تضحيات و”شهداء” من أجل حرية الفرد.

في عام 2004 تحولت المؤسسة إلى منظمة ذات نفع عام لا تسعى إلى الربح، ويمكنها تلقي الهبات والمساعدات والتبرعات من الجمهور.

وأما سياسيا فكان المؤسس من أبرز الوجوه المؤثرة في الحزب الجمهوري والمحافظين الأمريكيين. وأما دينيا فينتمي المؤسسون إلى الكنيسة المشيخية البروتستانتية الأمريكية، وهي طائفة بروتستانتية محافظة (بي سي أيه)، وثاني اكبر طائفة مشيخية في الولايات المتحدة بعد الكنيسة المشيخية (بي سي إس أيه). وتتميز بالتزامها بالتبشير والتعليم المسيحي، وتعلن أن هدفها كونها مخلصة للكتاب وأمينة للإيمان المصلح ومطيعة للإرسالية الكبرى. والمشيخية تشير للكنائس المسيحية التي تتبع تعاليم الزعيم اللاهوتي البروتستانتي جان كالفان، وتنتظم تحت حكم مجالس شيوخ بشكل ديمقراطي منتخب.

فالمعهد الذي ينشر تقاريره الدينية حول عقائد العالم وسلوك المتدينين من جميع الأديان، يقف وراءه إذن مسيحيون يؤمنون بالتنصير وشاركوا في المؤتمرات العالمية حول التنصير في العالم، كان آخرها ملتقى ميثاق لوزان الذي عقد في جنوب أفريقيا منذ عامين وحضره حوالي 5000 ممثل للكنائس البروتستانتية في العالم كله، من أهدافه المعلنة مكافحة العلمانية وتبليغ رسالة الكنيسة للجميع، بمن فيهم أطفال العالم.

فالتقرير الديني يرصد التحولات الدينية في العالم ويشخصها ويحللها، ويقدم خلاصاتها لأصحاب الشأن والقرار للتحرك بناء على تلك المعطيات. فهذه هي خلفية أصحاب التقرير.
أما مضمون التقرير ففيه نظر، من حيث الوسائل المعتمدة في جمع المعطيات، ومن حيث مضمون تلك المعطيات. أما الوسائل فقد ذكر أصحاب التقرير أنهم استندوا إلى دراسة ديمغرافية لأكثر من 230 دولة وبلدا بناء على تحليل أكثر من 2500 إحصاء وبحث وسجل، أفضت حساباتها إلى تصدر المسيحية للأديان بعدد بلغ 2.2 مليار نسمة، متفوقين بذلك على عدد المسلمين البالغ 1.6 مليار.

لا تكفي تلك الوسائل للتحقق من عقائد سكان المعمور ومدى التزامهم بها وتأثيرها في حياتهم وفي مجتمعاتهم وسياساتهم، وغاية ما يمكن أن تقدمه هو رسم خريطة تقريبية للواقع العالمي، وتوجهاته المقبلة. ولا شك في أن وجهة الدين في المستقبل القريب والبعيد هي ما يهم من يقف وراء هذا التقرير.

ويرمي التقرير إلى تثبيت المسيحيين في العالم بكثرتهم وتفوقهم على المسلمين، ظنا منهم أن الكثرة تغني وتجدي في مواقف الجد والحسم. قل لو كانت الكثرة ذات غناء لنفعت المسلمين يوم حنين وبقيت واقعتهم قرآنا يتلى إلى يوم الدين (و لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ) (26) سورة التوبة

الكثرة التي تغيض بعض المسيحيين الراغبين في تنصير العالمين هي التي تحدث عنها الرسول الكريم في حديث القصعة، فذكر أن المسلمين سيكونون كغثاء السيل وعرضة للأكل، وهم يومئذ كثير، وليس من قلة كما ظن الصحابي سائلا ومتخوفا.

لذلك تقوم تقارير المنصرين بتكبير الأعداد وتضخيمها تعويضا نفسيا عن عقدة قديمة وهزيمة دينية سلمية عمرها 1500 عام هي اختفاء كنيسة شمال أفريقيا من المغرب العربي بعد اعتناق أهله للإسلام، لا يفتأ يذكرها كبار المخططين فيهم وكبار المفكرين في مآلات المسيحية، منهم مثلا ستيوارت موراي في كتابه “ما بعد المسيحية: الكنيسة ورسالتها في عالم جديد وغريب” لعام 2004.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

6
  • مصطفى هطي
    الخميس 20 دجنبر 2012 - 17:52

    كل شيء في الغرب لا يتم عشوائيا لانهم حددوا اهدافهم بدقة ويسخرون كل الوسائل بما فيها البحوث (العلمية) لتحقيق الاهداف. لكن المشكل عندنا هو هذا التيه الذي يجعل إعلامنا ونخبنا ومثقفينا يتبنون كل مايصدر عن الغرب دون تمحيص. مع العلم ان اهدافنا مناقضة لهم ماداموا يريدون الابقاء علينا متخلفين مخافة منافستهم والانتصار عليم لان الاسلام قوي بذاته وبأفكاره وليس بالاشخاص.

  • إبادة جماعية وحروب لا تتوقف
    الخميس 20 دجنبر 2012 - 18:26

    تعج اليوم ديار الإيمان، ومهد الرسالات، بعشرات الأديان اللاسماوية، واللا توحيدية، وعبدة البقر، والنار، والشيطان، والمشركين والملحدين، وفي أحيان كثيرين يتجاوز هؤلاء أعداد السكان الأصليين الذين يدعون العصمة والنجاة. ويصمت الفقهاء في هذه البلاد بالذات عن هذا التجاوز في تطبيق فتوى ابن تيميه، إذ أن تطبيقها يعني إبادة جماعية وحروب لا تتوقف باستمرار. لأن ذلك قد ينسف أسس وجودهم وجوهر تكوينهم الإيديولوجي والفكري. ولا تزال تلك الجماعة تتمسك بفتاوي ابن تيمية وتتخذ من تراثه منهجاً وسبيلاً للعمل رغم ادعاء بعضهم التحضر والتمدن والدخول في روح العصر، لكن هذا لا يستقيم ولا يستوي مع وجود فتاوي ابن تيميه، التي تبيح وتجيز دماء وأعراض وأموال الأقليات المسلمة "الضلالية" والمارقة، حسب فتاوي "مولانا" الشهيرة. لا حداثة ولا عصرنة مع ابن تيمية، ولاسلم أهلي ولا مجتمعي مع تراثه وفتاويه، وهو ليس برسول، وليس بقرآن منزل، فما المانع من التبرؤ من فتاويه، ورميها في مزابل التاريخ للتدليل على حسن نية، ونظافة قلب، ولسان تلك الجماعات التي تشكو من المعاناة والتمييز والاضطهاد؟

  • amahrouch
    الخميس 20 دجنبر 2012 - 19:56

    Monsieur,quand vous avez 2 langues officielles au pays,il fallait,en tant qu intellectuel,en parler toutes les 2 et faire vos suggestios ou s abstenir.Elles sont mères,l une biologique,l autre adoptive.Ceci dit,je crois qu avant de d évoquer les langues,vous devriez d abord militer pour que leurs cadres s améliore:ecoles,enseignants et programmes appliqués.Ecoles délabrées,enseigants démoralisés,étudiants et éléves pour la plupart déprimés et perturbés!!L esprit saint est dans un corps saint.La langue,mon cher ami,est tel un chèque,si tu n as pas de provisions,mieux vaut le ranger.Le socio économique reste la priorité.Accrocher la langue à l ONU et l admirer les pieds dans la misère est une prétention.Ne soyez pas jaloux de la francophonie,la France a travaillé tot!Salut

  • المسيحيون بنيجيريا
    الخميس 20 دجنبر 2012 - 21:32

    المسيحيون يقتلون في نيجيريا من طرف اسلاميين راديكاليين و خصوصا مجموعة (باكو حرام). هذه حقيقة لا تنكر.
    كنائس في مصر هوجمت من طرف بعض الاسلاميين.
    اامسيحيون في العراق تمت ابادتهم من طرف المتطرفين….هذه حقائق لا نحتاح لجمعيات امريكية لنشرها.
    مقالك ايها الاستاذ هي محاولة للتستر على جرائم الاسلاميين المتشددين. من باب النزاهة كان عليك ان تتكلم عن جرائم المتشددين اتجاه المسيحين. واعلم ايها الاستاذ ان دور الصوفيين و الاسلاميين المعتدلين سياتي من بعد. لان المتشددين يعتبرونهم ظالين و يجب قتلهم. فان سترت جرائمهم اليوم فانك ستحرق بها غدا.

  • مغاربي
    الجمعة 21 دجنبر 2012 - 01:03

    بيو مركز لا معهد. ثم لا شك أن التقرير الذي أشرت اليه صادر عن منتدى بيو حول الدين و الحياة العامة، وهو أحد المشاريع السبع التي تكون مجتمعة مركز بيو للأبحاث. و يختص المنتدى قي اجراء استطلاعات و تحاليل ديموغرافية و أبحاث اجتماعية أخرى حول أهم جوانب الدين و الحياة العامة بالولايات المتحدة الأمريكية و باقي العالم.
    تفوق المسيحيين على المسلمين عدديا حقيقة، لكن و حسب دراسات المنتدى نفسه عدد المسيحيين، بخلاف المسلمين، في نقصان واضح. كما أن متوسط عمر المسيحيين هو 30 سنة في حين لا يتعدى 23 لدى المسلمين.

  • أحمد القدوسي
    السبت 22 دجنبر 2012 - 08:43

    أما آن الأوان لإنشاء معاهد دراسات خاصة بالإسلام يقوم عليها أبناء المسلمين أنفسهم؟ إذا كان القوم يعملون ليظهروا تفوقهم في أي مجال من المجالات فذلك حق مشروع لهم لا ينازعهم فيه أحد.
    ما ننازعهم فيه هو:
    -ادعاء المصداقية في كل ما يصدرونه
    -مصادرة حق الآخرين في امتلاك المعرفة-الحقيقة-الأحقية بالفعل…
    -مدى صدقية نواياهم فيما يصدرونه من تقارير حول الآخر
    -تحري العدل والإنصاف في تصرفاتهم تجاه الآخرين…
    أما اللوم فهو متجه لا محالة إلى الذات. إننا في غفلة لا أدري إلى متى سنبقى مصممين العزم على التمسط بها؟؟؟

صوت وصورة
جلسة عمل | إدريس الكراوي
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 22:53

جلسة عمل | إدريس الكراوي

صوت وصورة
العسري واتصال المنصوري
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 22:02

العسري واتصال المنصوري

صوت وصورة
بنعبد الله بعد لقاء المنصوري
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 21:26 8

بنعبد الله بعد لقاء المنصوري

صوت وصورة
لشكر في مقر ''البام''
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 20:15

لشكر في مقر ''البام''

صوت وصورة
المغرب والخليج في مواجهة التحديات
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 19:00 1

المغرب والخليج في مواجهة التحديات

صوت وصورة
إدريس لشكر يهنئ رئيسة الحكومة
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 18:29 4

إدريس لشكر يهنئ رئيسة الحكومة