الجسد السياسي المغربي

الجسد السياسي المغربي
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 23:54

بين “فقر الدم الانتخابي” وبناء النضج التدبيري

يقف المغرب اليوم على عتبة محطة تشريعية حاسمة تفرض، قبل كل شيء، إجراء فحص صريح وشجاع لحصيلة العمل الحكومي خلال السنوات الماضية، ومساءلة مدى قدرتها على الصمود أمام تطلعات المواطنين ومقارنتها بمؤشرات النمو الوطنية والدولية. فعلى الرغم من الخطابات المتفائلة والوعود الوردية، أظهرت الواقعية الاقتصادية والاجتماعية فجوة مقلقة بين ما تم التعهّد به وبين معدلات النمو الحقيقية على أرض الواقع، إذ عجزت السياسات المتبعة عن ترجمة البرامج إلى عدالة اجتماعية ملموسة يستفيد منها الجميع، ومواكبة التغيرات الدولية المتسارعة. هذا التباين يضع المشهد السياسي أمام حالة من “فقر الدم” المزمن، تتطلب علاجاً حقيقياً يتجاوز المسكنات والشعارات المكررة نحو إصلاح الأسباب الحقيقية وراء ركود عجلة التنمية.

إن تاريخ الممارسة السياسية مليء بالمحطات والوقائع التي شهدت اعتلاء فاعلين لمنصات الخطابة، حيكت خلالها وعود فضفاضة وصور برّاقة جعلت الجماهير تصفق لها بحرارة، لكن قلّة قليلة هم الذين التزموا بمسؤولياتهم وحققوا تلك العهود على أرض الواقع، بينما آثرت فئات واسعة بناء أمجادها على حساب إخفاقات الآخرين. وسواء كانت تلك التعثرات حقيقية أو مجرد اتهامات مصطنعة بغرض تهميش المنافسين وصمهم بالفشل، فإن المحصلة تظل واحدة وهي تغليب المصلحة الفردية الضيقة على حساب المصلحة الجماعية العليا للوطن. هذه الممارسات تعكس جدلية أزلية بين القيم الأخلاقية والعمل السياسي، وتطرح تساؤلات عميقة حول آليات التعايش، واحترام الاختلاف، وكيفية تحويل التعددية الفكرية إلى قيمة مضافة تخدم الشأن العام بدلاً من السعي المستمر لإقصاء الآخر ونكران وجوده.

وما يزكي هذا التراجع الأخلاقي هو الطريقة التي تُدار بها الحملات الانتخابية في بلادنا، والتي تحولت في كثير من الأحيان من سوق عكاظ للأفكار والمشاريع إلى حلبة صراع ضيقة تموج بالتراشقات اللفظية العقيمة والاتهامات المتبادلة بين مرشحي مختلف الهيئات الحزبية. إن انزلاق الخطاب الانتخابي نحو تصفية الحسابات الشخصية والحزبية الضيقة لا يقدم أي إفادة للمواطن، بل يساهم في تعميق هوة العزوف الجماعي، وبدلاً من الاجتهاد الفكري والإبداع الميداني لبلورة برامج صريحة، واقعية وقابلة للتطبيق تلامس المعيش اليومي، يفضل البعض الاختباء وراء شعارات هجومية فارغة تعكس عجزاً بيداغوجياً واضحاً في صياغة بدائل تنموية حقيقية قادرة على كسب ثقة الكتلة الناخبة.

إن الداء الأعمق والأخطر الذي يهدد سلامة هذا الجسد السياسي، ويشكل العدو الأكبر للمسار الديمقراطي، هو تغول المال الفاسد عبر آفة شراء الأصوات واستمالة الذمم خلال الفترات الانتخابية. عندما يتحول صوت المواطن إلى سلعة تباع وتشترى في أسواق المصالح الظرفية، تفقد العملية الانتخابية قيمتها الدستورية والأخلاقية، ويصبح المال هو المعيار الحاسم في صعود النخب بدلاً من الكفاءة والمشروع الفكري. إن هذه الممارسات غير المشروعة تقتل تكافؤ الفرص وتفتح الأبواب لتصدر نخب لا تملك من المؤهلات سوى النفوذ المالي، مما ينتج مجالس عاجزة عن تدبير الشأن العام ومستعدة لرهن مصالح الوطن والمواطنين مقابل تحقيق مكاسب شخصية وامتيازات تدبيرية ضيقة.

إن هذا “الفقر الانتخابي” لا يعني فقط ضعف نسب المشاركة يوم الاقتراع، بل تكمن خطورته الكبرى في “فقر الفكر والبرامج” المعروضة على المواطنين، حيث يتحول هذا الموعد الدستوري الهام من فرصة لتقديم الكفاءات والحلول إلى مجرد إجراء بارد لا يلامس نبض السكان في المناطق البعيدة والهوامش. ولعل العَرَض الأشد فتكاً بآمال التغيير هو استماتة بعض الوجوه والنخب التقليدية في التمسك بالكراسي والمناصب، والانتقال الدائم بين المواقع الحكومية والمسؤوليات دون خجل من ضعف الحصيلة التنموية، بل ومحاربة الطاقات الشبابية وإقصاء الكفاءات النسائية خوفاً من التجديد. ويتخذ هذا الاحتكار شكلاً أكثر خطورة من خلال ظاهرة توريث المقاعد والمناصب النيابية بين الآباء والأبناء داخل الهيئات الحزبية، وكأن المؤسسات التمثيلية تحولت إلى ضياع خاصة أو إرث عائلي يتناقله الأبناء عن الآباء خارج منطق الكفاءة والاستحقاق. إن هذا التوريث المقنع يضرب في الصميم مبدأ تكافؤ الفرص الدستوري، ويحرم النخب العصامية والشباب الحامل للأفكار الجديدة من ولوج مراكز القرار، مما يؤدي إلى إعادة تدوير نفس العقليات المانعة للتطور وإبقاء الحال على ما هو عليه.

وفي مقابل مسؤولية النخب، تبرز مسؤولية الناخب نفسه كعنصر حاسم في هذه المعادلة الحيوية، فالناخب الذي يمنح صوته بناءً على علاقات شخصية أو وعود عابرة، ثم يقضي سنوات الولاية الانتخابية في التشكي ولوم المنتخبين، يشبه تماماً المريض الذي يتناول دواءً مغشوشاً بكامل إرادته، ثم يشتكي بعد ذلك من تدهور صحته وظهور الأعراض الجانبية في أطراف جسده. إن تفويض الإرادة الشعبية دون تمحيص أو محاسبة هو بمثابة إضعاف إرادي لجهاز المناعة المجتمعي، فالمسؤولية مشتركة، والتشخيص السليم يقتضي الاعتراف بأن الصندوق لا يفرز إلا ما زرعه الوعي، والتباكي على سوء التسيير لا يشفي “ألم الأطراف” ما لم يصحبه اختيار عقلاني مبني على البرامج والكفاءة.

إن المشهد السياسي الوطني، الذي قطع أشواطاً طويلة وتجاوز مراحل التأسيس الصعبة بفضل تضحيات جسام وأثمان غالية دفعها أبناء هذا الوطن، يعيش اليوم ممارسات تذكرنا بمرحلة عدم النضج التدبيري، حيث تظهر الخرجات والنزوات الخطابية لبعض المسؤولين أننا ما زلنا بعيدين عن مرحلة الالتزام الحقيقي والمسؤولية الكاملة عن الأفعال والقرارات. فما زال التهرب من المساءلة سيد الموقف من خلال إلقاء اللوم على الأطراف الإدارية الأخرى عند كل تعثر، وما زالت المؤامرات السياسية الضيقة تحاك خلف الكواليس، في الوقت الذي يتطلع فيه المواطن بنوع من الأسى والشفقة إلى فاعلين يعجزون عن الإنصات الحقيقي لانتظاراته وهمومه اليومية. فالوطن اليوم لا يحتاج إلى شعارات فضفاضة حول الانتقال الديمقراطي، بل يحتاج إلى نضج سياسي حقيقي يدفع المسؤول إلى امتلاك الشجاعة الأدبية للاعتراف بالخطأ والانسحاب عندما تعجز آلياته عن تقديم الإضافة.

بناءً على ذلك، يتطلب تحصين الجسد التدبيري ببلادنا الخروج العاجل من هذا القصور، وضخ دماء جديدة في شرايين التدبير العمومي عبر استثمار ثلاثة روافد حيوية أكد عليها النموذج التنموي الجديد كدعامات أساسية للعدالة المجالية. أولاً، تمكين الشباب والمرأة كطاقة متجددة قادرة على إبداع حلول عملية ومبتكرة لقضايا التشغيل، والتعليم، والحماية الاجتماعية. ثانياً، إشراك كفاءات ومغاربة العالم للاستفادة من خبراتهم ورؤاهم الدولية في تجويد السياسات العمومية. وثالثاً، رد الاعتبار للمناطق الهامشية والأطراف كقلب نابض، إذ إن تركيز الثروة والمشاريع في المراكز الكبرى ينهك بقية المجالات، ولا يمكن تحقيق استقرار تنموي شامل دون توزيع عادل لثمار النمو والمشاريع بين المركز والضواحي. إن تجويد العمل المشترك يستدعي أن يضع الجميع اليد في اليد، وأن يحرر الكاتب قلمه بنزاهة، ويشرح القانوني آليات الإصلاح بوضوح، ويعالج الطبيب مكامن الخلل بحكمة، لنصل بالعملية الانتخابية إلى مستوى التعاقد المجتمعي الحقيقي والواعي الذي يصون الكرامة ويحقق الإنصاف الشامل.

دكتوراه القانون العام

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
حفل اليوم السعودي بالرباط
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 23:58 1

حفل اليوم السعودي بالرباط

صوت وصورة
"فلامات" الاتحاد الدستوري
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 22:41

"فلامات" الاتحاد الدستوري

صوت وصورة
بنعتيق في "دوار الكورة"
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 20:58 2

بنعتيق في "دوار الكورة"

صوت وصورة
قواعد الانتخابات التشريعية
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 20:06 1

قواعد الانتخابات التشريعية

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | دبلوماسية الجزائر على المحك
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 19:00

أبعاد استراتيجية | دبلوماسية الجزائر على المحك

صوت وصورة
حملة مرشح "الأحرار" في مديونة
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 18:53 3

حملة مرشح "الأحرار" في مديونة