الانزلاق التربوي الصامت: لماذا يفقد أبناؤنا الرغبة في التعلم؟
من تداعيات جائحة كورونا إلى هيمنة الشاشات وثقافة الدعم المدرسي: قراءة في تحولات العلاقة بين المتعلم والمدرسة والمعرفة
تداول عدد من الأساتذة، خلال الفترة الأخيرة، صورة التقطت داخل فصل دراسي، يظهر فيها تلاميذ وقد أحنوا رؤوسهم فوق الطاولات، في مشهد يوحي بالتعب أو النعاس أو الانفصال المؤقت عن مجريات الدرس. وقد أثارت الصورة تفاعلات متعددة، تراوحت بين تحميل المسؤولية للاستعمال المفرط للهواتف الذكية، وانتقاد سلوك المتعلمين، والتساؤل عن دور الأسرة والمدرسة في ما آلت إليه الأوضاع.
غير أن هذه الصورة، بصرف النظر عن سياق التقاطها الذي لا نعرف تفاصيله، تستحق قراءة تتجاوز ظاهرها. فهي تضعنا أمام سؤال تربوي أعمق: هل يتعلق الأمر بحالات فردية عابرة، أم أننا أمام مؤشرات على تحول أوسع في علاقة المتعلم بالمدرسة والمعرفة والتعلم؟
لا يمكن لصورة واحدة، مهما بلغت قوتها التعبيرية، أن تثبت وجود ظاهرة عامة، كما لا يجوز اعتبار كل تلميذ يبدو متعبا فاقدا للدافعية أو غير منضبط. لكن تواتر الملاحظات المهنية حول تشتت الانتباه، وضعف المشاركة، وتراجع الاستعداد لبذل الجهد الفكري، يستحق أن يتحول من موضوع للتعليقات العابرة إلى إشكالية للبحث التربوي.
وأقترح هنا استعمال تعبير «الانزلاق التربوي الصامت» للدلالة على مجموعة من التحولات التدريجية المحتملة التي قد تكون مست علاقة المتعلم بالزمن المدرسي، وبالجهد المعرفي، وبمصادر التعلم، وبالمؤسسة التعليمية نفسها. وهو مفهوم تحليلي مقترح، لا تشخيص علمي نهائي، يحتاج إلى اختباره من خلال أبحاث ميدانية تستند إلى معطيات موضوعية.
أولا: جائحة كورونا… حين تغيرت شروط التعلم
شكلت جائحة كوفيد-19 منعطفا غير مسبوق في تاريخ الأنظمة التعليمية المعاصرة. فخلال فترة قصيرة، انتقل ملايين المتعلمين عبر العالم من التعلم الحضوري المنتظم إلى أشكال متعددة من التعليم عن بعد، في سياق اتسم باضطراب الزمن المدرسي، وتفاوت الولوج إلى الوسائل الرقمية، وتراجع التفاعل المباشر بين المدرسين والمتعلمين.
وقد بينت تقارير مشتركة للبنك الدولي واليونسكو واليونيسف أن إغلاق المؤسسات التعليمية تسبب في خسائر تعلمية واسعة، وفاقم بعض الفوارق الاجتماعية والتربوية القائمة. لكن تداعيات الجائحة لا يمكن اختزالها في فقدان مكتسبات معرفية أو تعثرات في القراءة والحساب.
فالمؤسسة التعليمية ليست مجرد فضاء لتلقي الدروس، بل هي أيضا إطار لتنظيم الزمن، وبناء العادات الدراسية، وتنمية الانضباط الذاتي، والتفاعل الاجتماعي، والتدرج في تحمل المسؤولية المعرفية. وعندما تتعطل هذه الوظائف مدة طويلة، يصبح من المشروع التساؤل عن الآثار التي يمكن أن تستمر بعد العودة إلى التعليم الحضوري.
لقد فرض التعليم عن بعد على المتعلمين درجة من الاستقلالية لم يكونوا جميعا مهيئين لها. فالتعلم الذاتي ليس مجرد وضع درس على منصة رقمية وترك المتعلم أمام شاشة؛ بل هو كفاية مركبة تتطلب التخطيط، وتنظيم الوقت، وضبط الانتباه، ومراقبة الفهم، وتقييم التقدم الشخصي.
ومن هنا ينبغي التمييز بين التعلم الذاتي بوصفه هدفا تربويا محمودا، والتعليم عن بعد بوصفه نمطا لتنظيم التعلمات، وبين التعلم غير المؤطر الذي قد ينشأ عندما يغيب التوجيه والمواكبة. لقد أتاحت الجائحة فرصا حقيقية لتطوير الموارد الرقمية، لكنها كشفت أيضا أن توفير المحتوى لا يعني بالضرورة تحقق التعلم.
ثانيا: من المدرسة إلى الشاشة… هل تغيرت علاقة المتعلم بالمعرفة؟
من أبرز التحولات التي تسارعت خلال السنوات الأخيرة توسع حضور المنصات الرقمية، وقنوات يوتيوب التعليمية، والتطبيقات التفاعلية، والموارد المتاحة عند الطلب. ولا يمكن إنكار القيمة التربوية لهذه الوسائل. فقد ساهمت في توسيع فرص الوصول إلى الشروح والتمارين والتجارب والمحاكاة، وأتاحت لبعض المتعلمين إمكانات إضافية للمراجعة والتعمق.
لكن هذا التطور يطرح إشكالية دقيقة تتعلق بالفرق بين الوصول إلى المعرفة وبنائها. فمشاهدة شرح مبسط لا تعني بالضرورة فهم المفهوم، كما أن متابعة حل تمرين لا تعني امتلاك القدرة على حله بصورة مستقلة.
وقد يجد المتعلم نفسه أمام وفرة غير مسبوقة من الموارد، دون أن يمتلك الأدوات المنهجية التي تسمح له بانتقائها وتحليلها وتوظيفها. وتتفاقم هذه الإشكالية عندما تتداخل الموارد التعليمية مع محتويات رقمية مصممة لجذب الانتباه بصورة مستمرة، مثل الفيديوهات القصيرة والإشعارات المتكررة والتصفح غير المنظم.
وفي هذا السياق، يصبح التحدي التربوي مرتبطا بتكوين القدرة على التركيز المستمر، وتأجيل الإشباع الفوري، وممارسة الجهد المعرفي الضروري لفهم المسائل المعقدة. ولا ينبغي أن يقودنا ذلك إلى اعتبار التكنولوجيا سببا وحيدا لتراجع الانتباه، بل إلى مساءلة أنماط استعمالها، وشروط مواكبتها، وموقعها داخل الحياة اليومية للمتعلمين.
ثالثا: حين يصبح الدعم المدرسي تعليما موازيا
إلى جانب التحول الرقمي، شهدت الممارسات التعليمية توسعا ملحوظا في أشكال الدعم خارج الزمن المدرسي، سواء عبر المراكز الخاصة أو الدروس الإضافية أو المنصات الرقمية.
ولا شك أن الدعم قد يكون ضروريا لمعالجة التعثرات وتوفير فرص إضافية للتعلم، خاصة عندما يكون موجها ومحددا في الزمن والأهداف. لكن الإشكال يظهر عندما يتحول من تدخل تكميلي إلى مسار تعليمي مواز يعتمد عليه المتعلم بصورة شبه دائمة.
فقد يقضي التلميذ يومه داخل المؤسسة التعليمية، ثم ينتقل مساء إلى مركز للدعم، قبل أن يواصل متابعة الشروح والتمارين عبر هاتفه أو حاسوبه. وهنا يبرز سؤال لا يتعلق بعدد ساعات التعلم فقط، بل بنوعية النشاط المعرفي الذي يمارسه المتعلم خلال تلك الساعات.
هل تتاح له فرص كافية للفهم الذاتي، والقراءة المتأنية، وإنجاز الواجبات بصورة مستقلة، وممارسة الأنشطة الرياضية والثقافية، والحصول على النوم والراحة؟ أم أنه أصبح ينتقل من شرح إلى شرح، ومن تمرين محلول إلى آخر، دون زمن كاف لإعادة تنظيم معارفه وبناء استقلاليته؟
إن كثافة الأنشطة التعليمية لا تعني تلقائيا جودة التعلم. كما أن تضخم سوق الدعم المدرسي يستدعي دراسة آثاره المحتملة على علاقة المتعلم بالقسم العادي: هل يظل هذا القسم الفضاء الأساسي لبناء التعلمات، أم يتحول، في بعض الحالات، إلى محطة أولى قبل البحث عن الشرح الفعلي خارج المؤسسة؟ هذه أسئلة بحثية لا يجوز حسمها بالانطباعات، لكنها تستحق اهتماما خاصا في أي تقييم جاد للمنظومة التعليمية.
رابعا: هل يتعلق الأمر بظاهرة مغربية أم بتحول دولي؟
تشير المعطيات الدولية إلى أن بعض مظاهر تشتت الانتباه وصعوبات الانضباط المدرسي ليست خاصة بالمغرب. فوفق نتائج الدراسة الدولية PISA 2022، أفاد نحو 30% من التلاميذ، في المتوسط داخل بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، بأنهم يتشتتون بسبب استعمال الأجهزة الرقمية خلال معظم حصص الرياضيات أو جميعها.
أما في المغرب، فقد بلغت النسبة 39%، بينما أفاد 46% من التلاميذ بأنهم لا ينصتون إلى المدرس في معظم حصص الرياضيات أو جميعها، وصرح نحو 40% بأنهم لا يستطيعون العمل بصورة جيدة خلال تلك الحصص. وهي معطيات تستحق الانتباه، مع ضرورة التأكيد أنها تتعلق بتصريحات تلاميذ في سن الخامسة عشرة ضمن سياق محدد، ولا تمثل نسبة انتشار النعاس أو فقدان الدافعية لدى جميع المتعلمين المغاربة.
كما أظهرت منظمة الصحة العالمية، في تقرير نشر سنة 2024 استنادا إلى دراسة دولية شملت 44 بلدا ومنطقة في أوروبا وآسيا الوسطى وكندا، ارتفاع نسبة المراهقين الذين تظهر لديهم مؤشرات الاستعمال الإشكالي لوسائل التواصل الاجتماعي من 7% سنة 2018 إلى 11% سنة 2022.
وتشير هذه النتائج إلى أن التحولات الرقمية وعلاقتها بسلوك المراهقين أصبحت موضوعا دوليا للبحث والاهتمام. غير أن المعطيات المتاحة لا تسمح بالقول إن الجائحة أو الهواتف الذكية أو الدروس الإضافية تفسر وحدها ما يلاحظه بعض المدرسين من تغيرات في سلوك المتعلمين. فالظواهر التربوية متعددة الأسباب، وقد تتداخل فيها عوامل نفسية واجتماعية واقتصادية ومؤسساتية وصحية.
خامسا: النوم والانتباه والدافعية… ثلاث قضايا مترابطة
قد يبدو التلميذ غير مهتم بالدرس، بينما يكون في الواقع مرهقا بسبب نقص النوم، أو مثقلا بضغوط دراسية أو أسرية، أو عاجزا عن متابعة محتوى لا يمتلك مكتسباته القبلية. وقد يظهر ضعف المشاركة داخل القسم نتيجة غياب المعنى عن الأنشطة المقترحة، أو الخوف من الخطأ، أو تكرار الفشل، أو ضعف الشعور بالانتماء إلى المؤسسة.
لذلك ينبغي التمييز بين ثلاثة أبعاد متكاملة. البعد الأول هو الجاهزية الجسدية والنفسية للتعلم، التي تشمل النوم والراحة والتوازن النفسي. والبعد الثاني هو الانتباه المعرفي، أي قدرة المتعلم على توجيه موارده الذهنية نحو مهمة معينة والمحافظة على التركيز مدة مناسبة. أما البعد الثالث فهو الدافعية للتعلم، التي ترتبط بالمعنى الذي يمنحه المتعلم للنشاط المدرسي، وبشعوره بالكفاءة والاستقلالية والانتماء.
ولا يمكن معالجة هذه الأبعاد كلها بإجراءات انضباطية أو بتكثيف التمارين والاختبارات. فقد يكون المتعلم حاضرا جسديا داخل القسم، لكنه لا يجد في النشاط المقترح ما يدفعه إلى الانخراط الفكري.
وهنا تبرز أهمية تجديد الممارسات الديداكتيكية، وربط المعارف بوضعيات ذات معنى، وإتاحة فرص التساؤل والاكتشاف والتجريب وحل المشكلات.
سادسا: هل نحتاج إلى مزيد من الدروس أم إلى إعادة التفكير في الزمن التربوي؟
تطرح هذه التحولات سؤالا جوهريا حول تنظيم الحياة الدراسية. فإذا كان المتعلم يقضي ساعات طويلة بين المدرسة والدعم والموارد الرقمية، فإن الحل لا ينبغي أن يكون تلقائيا في إضافة ساعات أخرى من الشرح والتدريب.
بل قد يكون من الضروري إعادة النظر في توزيع الزمن بين التعلم الموجه، والعمل الذاتي، والراحة، والأنشطة الثقافية والرياضية. كما ينبغي أن تستعيد المؤسسة التعليمية دورها بوصفها فضاء للحياة الاجتماعية والتجربة الفكرية، لا مجرد مكان لتنفيذ المقررات والاستعداد للاختبارات.
إن بناء الرغبة في التعلم لا يتحقق فقط بإقناع المتعلم بأهمية النجاح في الامتحانات، بل بتمكينه من اختبار متعة الفهم، والشعور بالتقدم، واكتشاف قدرته على تفسير الظواهر وحل المشكلات.
وفي المواد العلمية تحديدا، يمكن أن تسهم وضعيات المشكلات، والتجارب، والأنشطة الاستقصائية، والمشاريع الجماعية في جعل المتعلم فاعلا في بناء المعرفة. ولا يتعلق الأمر باستبدال مقاربة بأخرى، وإنما بتطوير ممارسات متنوعة تراعي طبيعة المعارف وحاجات المتعلمين ومستوياتهم.
سابعا: من الانطباعات إلى البحث العلمي… ماذا ينبغي أن نفعل؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن نعتاد هذه المشاهد دون أن نسعى إلى فهمها، أو أن نفسرها تفسيرا واحدا ونحمل المسؤولية لطرف واحد. فالمطلوب اليوم هو الانتقال من الملاحظة المهنية إلى البحث التربوي المنظم.
ويمكن أن تنطلق هذه الجهود من دراسات ميدانية متعددة المؤسسات والجهات، تستقصي العلاقة بين عادات النوم، وزمن استعمال الشاشات، واللجوء إلى الدعم المدرسي، والدافعية، والانتباه، والمشاركة الصفية، والتحصيل الدراسي.
كما ينبغي إشراك المتعلمين أنفسهم في فهم الظاهرة، إلى جانب المدرسين والأسر والأطر الإدارية والتربوية. ومن المهم كذلك دراسة الفروق بين المستويات الدراسية، والوسطين الحضري والقروي، والظروف الاجتماعية والاقتصادية، وعدم التعامل مع المتعلمين باعتبارهم فئة متجانسة.
ويمكن للمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين، والجامعات، وفرق البحث في علوم التربية والديداكتيك، أن تضطلع بدور أساسي في بناء برامج بحثية مشتركة، تسمح بتشخيص الظاهرة واقتراح تدخلات قابلة للتجريب والتقويم.
أما على مستوى الممارسة، فيمكن التفكير في برامج للتربية الرقمية، وتعزيز الوعي بأهمية النوم، وتنظيم الدعم المدرسي، وتطوير الأنشطة المحفزة، وتكوين المدرسين في تدبير الانتباه والدافعية والتعلم المنظم ذاتيا. والأهم أن تبنى هذه التدخلات على نتائج البحث، لا على ردود الفعل الظرفية.
ختاما: قبل أن نحاسب المتعلم، لنسأل ماذا تغير حوله
إن الصورة التي أثارت هذا النقاش قد تكون مجرد لحظة عابرة داخل فصل دراسي. لكنها تذكرنا بأسئلة لا يجوز تأجيلها.
ماذا تغير في علاقة أبنائنا بالمدرسة منذ الجائحة؟ وكيف أعادت الشاشات والمنصات الرقمية والدروس الإضافية تشكيل زمنهم اليومي؟ وهل نجحنا في مساعدتهم على اكتساب الاستقلالية المعرفية، أم أننا اكتفينا بتكثير مصادر الشرح والمساعدة؟
إن ما أسميه «الانزلاق التربوي الصامت» ليس حكما على جيل من المتعلمين، ولا اتهاما للمدرسة أو الأسرة أو التكنولوجيا، بل دعوة إلى مساءلة التحولات التي قد تكون تجاوزت سرعة استجابتنا التربوية لها.
فالأزمة، إن ثبت وجودها واتساعها، لا يمكن معالجتها بإجراءات جزئية أو بخطابات أخلاقية تحمل المتعلم وحده مسؤولية ما يحدث. إنها تستدعي فهما نسقيا يجمع بين المدرسة والأسرة والمجتمع والفضاء الرقمي، ويعيد الاعتبار للصحة النفسية والجسدية، وللزمن التربوي، وللمعنى الذي يمنحه المتعلم للمعرفة.
ولعل السؤال الأكثر إلحاحا اليوم ليس لماذا ينام بعض أبنائنا داخل الفصول الدراسية، بل لماذا لم ننتبه مبكرا إلى التحولات التي قد تجعل المدرسة أقل قدرة على إيقاظ فضولهم ورغبتهم في التعلم؟
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.