السينما بين الوحدة والمسيرة

السينما بين الوحدة والمسيرة
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 21:52

حين يستحضر المغرب معاني الوحدة ورمزية المسيرة الخضراء، فإنه يجدد صلته بذاكرة صنعتها إرادة جماعية، وباختيار وطني جعل الارتباط بالأرض مسؤولية تتوارثها الأجيال. وفي قلب هذه العلاقة بين الذاكرة والمستقبل، تجد السينما المغربية مكانها الطبيعي، بما تملكه من قدرة على منح التاريخ وجوها وأصواتا، وتحويل الانتماء من فكرة مجردة إلى تجربة إنسانية يراها المشاهد ويشعر بها.

لقد جسدت المسيرة الخضراء سنة 1975 لحظة التقاء استثنائية بين العرش والشعب، بقيادة جلالة المغفور له الحسن الثاني. وكان عمقها كامنا في قوة الإيمان بعدالة القضية، وفي ذلك الاستعداد الشعبي لجعل الخطوة الفردية جزءا من مصير جماعي. وهذه المعاني، بما تختزنه من شجاعة وأمل وتضامن، تتيح للسينما مادة إنسانية واسعة، تستحق البحث والكتابة وتعدد المقاربات الفنية.

فوراء الصورة الجماعية للمسيرة حكايات أفراد وأسر وقرى ومدن؛ أمهات ودعن أبناءهن، وشباب خاضوا أول سفر بعيد، وبيوت عاشت على إيقاع الانتظار. الاقتراب من هذه التفاصيل يمنح الحدث امتداده الحي، ويسمح للأجيال التي لم تعشه بأن تفهم ما مثله في وجدان المغاربة. هنا تتجلى قيمة السينما: أن تصل بين الوثيقة والإحساس، وأن تجعل الذاكرة قابلة للتقاسم.

والوحدة الوطنية، في التعبير السينمائي، تتسع لكل ما يجعل المغرب وطنا مشتركا. تتجلى في تعدد روافده، وفي تنوع لغاته ولهجاته، وفي الصلات التي تجمع مجالاته وأجياله. وحين يحضر المكون الصحراوي الحساني بعمقه الثقافي والاجتماعي والإنساني، تكتسب صورة المغرب على الشاشة مزيدا من الاكتمال. فالصحراء فضاء للحياة والإبداع، لأهلها أصوات وتجارب وتطلعات ينبغي أن تجد موقعها في صلب السرد السينمائي الوطني.

ومن هذا المنطلق، يكتسب تمكين كفاءات الأقاليم الجنوبية من التكوين والإنتاج والوصول إلى وسائل التعبير أهمية خاصة. فأن يروي أبناء هذه الأقاليم حكاياتهم، وأن يصوغوا صور مجتمعهم وتحولاته، هو إغناء للسينما المغربية وتعميق لصلتها بمختلف مكونات الوطن. كما أن توسيع فضاءات العرض والتربية على الصورة يجعل المشاركة الثقافية واقعا يوميا، ويمنح الجمهور حقه في اكتشاف ذاته ومحيطه على الشاشة.

وتقتضي هذه المسؤولية عناية أكبر بشروط صناعة الأفلام المرتبطة بالذاكرة الوطنية: إتاحة الأرشيف، وصون الشهادات، وتشجيع البحث التاريخي، وتطوير السيناريوهات، وبناء تعاون مثمر بين السينمائيين والمؤرخين. فقوة الموضوع تحتاج إلى قوة في المعالجة، وصدق الانتماء يجد أثره الأعمق حين تسنده كتابة متماسكة وشخصيات مقنعة ورؤية فنية ناضجة.

إن الاعتزاز بالوطن يمنح المبدع طاقة ومسؤولية معا. ومن مقتضيات هذه المسؤولية أن يقدم عملا يحترم ذكاء الجمهور، ويقترب من التجربة الإنسانية بصدق وحساسية. فالفيلم الذي ينجح في بناء علاقة وجدانية مع مشاهديه يمنح القضية التي يحملها عمرا أطول، وقدرة أوسع على تجاوز الحدود اللغوية والثقافية.

وفي امتداد المسيرة التنموية التي يقودها جلالة الملك محمد السادس، تستطيع السينما أن تواكب تحولات المغرب عبر الإنصات إلى الإنسان: إلى طموح الشباب، وأدوار النساء، وتحول المدن، وما يفتحه الاستثمار في الثقافة من إمكانات. بذلك تصبح الصورة شريكة في فهم الوطن، وفي توسيع الثقة بمستقبله.

بين الوحدة والمسيرة، تحمل السينما المغربية مسؤولية أن تجعل الانتماء مرئيا في غناه وعمقه؛ أن تحفظ أثر من صنعوا الأمس، وأن تمنح من يبنون الغد مساحة للحلم. فالوطن الذي يجمع أبناءه في مسيرة واحدة يستحق سينما تتسع لحكاياتهم، وتحمل إلى العالم صورة مغرب واثق بوحدته، غني بتنوعه، ومتجدد بإبداعه.

-رئيس الغرفة المغربية لمنتجي الأفلام

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
أم رياض تستغيث لإنقاذ طفلها
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 23:14

أم رياض تستغيث لإنقاذ طفلها

صوت وصورة
ميطا 3 | انتفاضة رجاوية أمام الجيش
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 22:44

ميطا 3 | انتفاضة رجاوية أمام الجيش

صوت وصورة
أمطار سلا تغرق محلات الصناع التقليديين
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 22:36

أمطار سلا تغرق محلات الصناع التقليديين

صوت وصورة
جلسة عمل | أحمد عصيد
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 22:19

جلسة عمل | أحمد عصيد

صوت وصورة
الفوترة الإلكترونية تواجه التهرب
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 20:00

الفوترة الإلكترونية تواجه التهرب

صوت وصورة
تفاصيل دعم النقل
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 18:38 3

تفاصيل دعم النقل