الجماعات لا تُفكّر

الجماعات لا تُفكّر
الأحد 26 أبريل 2026 - 00:40

ثمة لحظة دقيقة، يكاد لا يلتقطها أحد، يتحول فيها الفرد من ذاتٍ تساءل وتشكّك وتفكّك، إلى صدى جماعي يُعيد ما يُقال له بصيغة “أنا أعتقد”. في تلك اللحظة بالضبط، لا يفقد الإنسان صوته، بل يفقد المسافة بينه وبين صوته. وهذه المسافة، رغم صغرها، هي ما يفصل بين إنسان يُفكّر وآخر يظنّ أنه يفكّر. بين عقل حيّ وآخر مُستأجَر.

لو أمعنتَ النظر في جلسة عائلية مغربية عادية، حيث يجتمع الناس حول طاولة الغداء أو في حوش الدار، ستلاحظ أن النقاش يبدأ دائمًا بصوت واحد — صوت الأكبر سنًا أو الأعلى مكانةً — ثم تتوالى بقية الأصوات لا لتُضيف بل لتُؤكّد. من يجرؤ على الاختلاف يُقابَل بنظرة استغراب، كمن تجرّأ على كسر صمت مقدّس. لا أحد يُعلن هذه القاعدة، لكن الجميع يعيشها. هذا ليس حوارًا، هذا طقس اجتماعي اسمه الإجماع.

من زاوية سوسيولوجية، ما يجري في تلك الجلسة العائلية هو تجلٍّ مصغّر لما وصفه غوستاف لوبون في كتابه الشهير “سيكولوجية الجماهير”، حين رصد كيف يفقد الفرد داخل الحشد جزءًا جوهريًا من وعيه النقدي، لينخرط في ما أسماه “العقل الجماعي”، ذلك العقل الذي تحكمه العدوى الانفعالية أكثر مما تحكمه الحجة والتفكير. الفارق الذي لم يُصرّح به لوبون لكنه أشار إليه ضمنًا، هو أن هذا الفقدان لا يُشعر به صاحبه. الفرد الذائب في الجماعة لا يُحسّ بأنه يفقد شيئًا، بل يُحسّ بأنه يكتسب — ينتمي، يُحبّ، يُحبَّ، يُفهم ويُفهَم. وهذا هو الفخ بعينه.

في الملعب، المشهد أكثر وضوحًا وأقل التباسًا. الجمهور يصرخ، يهتف، يشتم، يبكي — والكل يفعل ذلك في اللحظة ذاتها، بنفس الحرارة، لأن الحشد لا يسمح بالنشاز. الرجل الذي يجلس في بيته يُحلّل تكتيكات الفريق بهدوء ويرى هفواته بوضوح، يتحوّل في المدرجات إلى صوت إضافي في جوقة لا تعترف بالتحليل. لا أحد يسأل في الملعب عن منطق الهتاف. لأن السؤال نفسه يبدو خيانةً. هذا هو المنطق الذي يحكم الجماعات في كل مكان: الانتماء مقابل التفكير، الدفء مقابل الوضوح.

لكن الأمر يصبح أشد خطورةً حين ينتقل من الملعب إلى الساحة السياسية. هناك، لا يكون الرهان مباراةً تنتهي بصافرة الحكم، بل تصورات عن المجتمع والعدالة والمستقبل. ومع ذلك، يُستهلك الخطاب السياسي بنفس الطريقة التي يُستهلك بها هتاف المشجعين — يُعاد إنتاجه في المقاهي وعلى جدران الفيسبوك وفي النقاشات اليومية، دون أن يمرّ عبر مصفاة نقدية حقيقية. الحزب يصبح هوية، والزعيم يصبح رمزًا، والشك في أيٍّ منهما يُعادل الخروج عن الجماعة. في هذا الفضاء، كما لاحظ كارل ماركس في تحليله للأيديولوجيا، الأفكار المهيمنة ليست بالضرورة الأصدق، بل الأكثر قدرةً على إعادة إنتاج نفسها والأكثر خدمةً لمن يحمل أدوات الانتشار.

في المغرب تحديدًا، يبدو هذا المشهد مُركّبًا بشكل خاص. في المقهى الشعبي، حيث تمتزج رائحة أتاي بدخان السجائر وضجيج التلفاز، يمكن أن تشهد بأم عينيك كيف تتشكّل “حقيقة جماعية” في أقل من ساعة. يقول أحدهم رأيًا في السياسة أو الكرة أو غلاء المعيشة، فيُردّده الثاني بصياغة أخرى، ثم يُضيف الثالث تفصيلةً مخترَعة، ويُؤكّد الرابع بيقين من يشهد وقائع رآها. وبعد ساعة، يغادر الجميع مُقتنعين بـ”حقيقة” لم يكن أيٌّ منهم يحملها حين دخل. لا أحد توقّف ليسأل: من أين جاءت هذه الفكرة؟ لأن السؤال نفسه قد يُفهَم كخيانة رمزية للجماعة، كمن يقول: أنا لستُ منكم.

إميل دوركايم، الأب المؤسس لعلم الاجتماع الحديث، رأى أن الجماعة تفرض على الفرد ما أسماه “الوقائع الاجتماعية” — أنماط تفكير وشعور وسلوك تبدو له خارجيةً وقاهرة، تُحدّد ما يجب التفكير فيه وكيفية التفكير. الأعمق في هذا الطرح أن الفرد لا يُحسّ بهذا الإكراه، بل يُحسّ بأنه يختار بحرية تامة، بينما هو في الحقيقة يتحرك داخل هامش ضيق رسمته الجماعة مسبقًا وزوّدته بسقف للتفكير لا يعلم أنه موجود. وهنا يتولّد الوهم الأخطر: وهم السيادة على العقل.

ووسائل التواصل الاجتماعي لم تُغيّر هذا المنطق، بل منحته سرعةً مذهلة وعمقًا جديدًا. لقد حوّلت الجماعات إلى فقاعات رقمية مُحكمة الإغلاق، يتردد فيها نفس الصوت آلاف المرات حتى يبدو وكأنه الحقيقة الوحيدة الممكنة. الخوارزمية لا تُريك ما يُوسّع أفقك، بل ما يُريحك ويُؤكّد قناعاتك. وكما حذّر يورغن هابرماس منذ عقود في نقده للفضاء العمومي، فإن النقاش الحقيقي يشترط التعدد والعقلانية والقدرة على سماع المختلف. غير أن ما يجري فعليًا هو هيمنة خطاب واحد يُقصي الاختلاف باسم الإجماع، ويُسمّي الصمت المُطيع وعيًا.

الأخطر في كل هذا ليس أن الجماعات تُخطئ — فالخطأ أمر بشري — بل أنها تُنتج أفرادًا يعتقدون جازمين أنهم يُفكّرون، بينما هم لا يفعلون سوى الانسجام. يتحوّل التفكير إلى مهارة في إعادة الصياغة لا في التفكيك. يُصبح الذكاء هو القدرة على الدفاع عن رأي الجماعة ببلاغة، لا على مساءلته بجرأة. ويُختزل الوعي في الانتماء، وتُختزل الحقيقة في ما يُقال بصوت عالٍ وبتكرار كافٍ.

لعلّ أبلغ تعبير عن هذا ما يحدث حين يُعبّر أحدهم عن رأي مغاير داخل جماعة متجانسة. لحظتها لا تسود الحجة ولا المنطق، بل يسود الاستغراب، ثم الضغط الضمني، ثم النبذ الخفي. لا يُقال له: أنت مُخطئ، بل يُشعَر به: أنت لستَ منّا. وهذا العقاب الاجتماعي أشدّ فاعلية من أي رقابة رسمية، لأنه ينبع من الداخل، ويُنفَّذ بأدوات الحب والانتماء.

لا مفرّ للإنسان من الجماعة، فهي شرط وجوده الاجتماعي وملاذه الوجداني. لكن الخطر لا يبدأ في الجماعة ذاتها، بل حين تتحوّل من فضاء للتفاعل والتلاقح إلى سلطة غير مرئية تُعيد تشكيل العقول دون إذنها. حينها لا يعود السؤال: هل الجماعة تُفكّر؟ بل: هل تترك لأفرادها هامشًا للتفكير أصلًا؟

في زمن تتكاثر فيه الأصوات المتشابهة وتتشابه فيه اليقينيات، يُصبح الاختلاف فعلًا نادرًا والسؤال نوعًا من الشجاعة. ليست شجاعة المواجهة، بل شجاعة أدق وأصعب: أن تجلس مع نفسك في صمت، وتسأل: هل هذا ما أعتقده فعلًا؟ أم هو ما تعلّمتُ أن أعتقده؟

لأن أخطر ما في الجماعات أنها لا تفرض عليك الصمت… بل تمنحك كلامًا جاهزًا، وتُقنعك أنه صوتك.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • مغربي
    الأحد 26 أبريل 2026 - 18:54

    العبرة ليست في النقد، و لكن في هل هذا النقد ، هل هو بناء أم هدام ؟. غالبا ما يوظف النقد في الهدم. فإن اسقطنا هذا الطرح الذي تتناوله أيها الكاتب المحترم على مثلا ظاهرة التنوع العرقي و الثقافي في المغرب دون تأطيره ضمن توجهات تؤول إلى هدف واضح و إيجابي يبني بدل أن يهدم و يعبث لحصلت حرب أهلية في المغرب.

  • MC
    الإثنين 27 أبريل 2026 - 21:09

    “When all think alike, then no one is thinking”
    “عندما يفكر الجميع بالطريقة نفسها، فلا أحد يفكر”
    W Lippmann

    “Do you want to have an easy life? Then always stay with the herd and lose yourself in the herd”
    “هل تريد حياة سهلة؟ إذاً ابقَ دائماً مع القطيع، وضِع فيه”
    (Friedrich Nietzsche)

    “Whenever you find yourself on the side of the majority, it is time to pause and reflect”
    “كلما وجدت نفسك في صف الأغلبية، فقد حان الوقت للتوقف والتفكير”
    (Mark Twain)

    “لا خير في عقلٍ يستعير نوره من مصابيح الآخرين بينما يمتلك شمسًا في داخله.”
    أستاذي،
    لقد أبدعت في رصد ذلك “الصدى الجماعي” الذي يبتلع الأفراد في المقهى والملعب، لذا يبدو من الأجدى توجيه الوعي نحو تحويل الجماعة إلى مساحة للنقد المتبادل بدلاً من أن تكون سجناً مريحاً للتطابق، فالبشر بحاجة إلى “أوكسجين الاختلاف” للبقاء على قيد الحياة فكرياً، ومن المفضل دائماً ترسيخ فكرة أن الانتماء الحقيقي هو الذي يمنحك الجرأة لتقول “لا” حين يصرخ الجميع “نعم”،
    “فأن تحمل وزر فكرك وحيداً، أعظم من أن تُحمل على أكتاف الجماعة كجثةٍ هامدة”.

    ALHOCEIMA

صوت وصورة
ذكرى رحيل الحسن الثاني
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 12:04 3

ذكرى رحيل الحسن الثاني

صوت وصورة
نادية فتاح والرفع من الأجور
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 11:44 9

نادية فتاح والرفع من الأجور

صوت وصورة
البواري ودعم الفلاحين
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 08:42 2

البواري ودعم الفلاحين

صوت وصورة
"الأحرار" على جناح "الحمامة البيضاء"
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 00:30 2

"الأحرار" على جناح "الحمامة البيضاء"

صوت وصورة
لقجع وواقع الصحة بالمغرب
الأحد 20 شتنبر 2026 - 23:56 5

لقجع وواقع الصحة بالمغرب

صوت وصورة
شوكي: المواطن والمغرب العميق
الأحد 20 شتنبر 2026 - 23:09 1

شوكي: المواطن والمغرب العميق