الحب أفيون الرجال

الحب أفيون الرجال
الأربعاء 16 فبراير 2022 - 07:53

عندما نستطلع أغلب قصص الحب، نجدها كلها – تقريبا- لها نهاية حزينة وتراجيدية أحيانا كثيرة. ويزداد الأمر استغرابا، عندما ندرك أن هذه القصص الغرامية كانت من الصدق والصفاء والقوة بمكان.

بمعنى هل الأمر له علاقة بطبيعة عاطفة الحب، حيث يكون جميلا وساحرا في بداياته، وماكرا وخائنا في نهاياته؟ ويجرنا هذا إلى أن نتساءل مع محمود درويش: أليس “الحب كذبتنا الصادقة”؟

إن معظم الذين أحبوا بعمق لم يستطيعوا الظفر بمحبوباتهم، فماتوا كمدا وحسرة وحزنا وشوقا. أسماؤهم دارجة على كل لسان منهم: مجنون ليلى، وجميل بثينة، وعنترة بن شداد، وروميو وجولييت… إلخ. الواقع أنه لو قدر لهؤلاء العشاق النجاح في قصصهم واجتمعوا بمعشوقاتهم لما كتبوا حرفا، ولما خلفوا لنا سطرا مما نقرأه اليوم في رسائلهم وأشعارهم وخواطرهم وسيرهم.

فبعد فشلهم في الحب، لم يتبق لهم من أنيس أو سند سوى الكتابة، لإفراغ فائض مشاعرهم المكلومة وآلامهم وهمومهم الكامنة. لقد كانت الكتابة بالنسبة لهم العزاء الوحيد، بعد الفشل والخذلان والهزيمة والوحدة التي ألمت بهم. وهذا ما تدرج على تسميته – اليوم- الكتابات بالتداوي بالكتابة.

صحيح أن سيناريوهات وسياقات قصص الحب تختلف من شخص إلى آخر ممن قرأنا لهم وعنهم؛ لكن ما يجمعهم هو فيض المشاعر وصدق الحب وصفاؤه، بعيدا عن النوايا البراغماتية والجنسية التي تغزو هذا الجيل. لقد كان هؤلاء مبالغين جدا في الحب، ولهذا فقد كانت نهاياتهم مأساوية وحزينة، بالقدر نفسه من المبالغة. فبعضهم أصيب بالجنون، وبعضهم انتحر، وآخرون آووا إلى الانزواء والعزلة عن العالم، وأصبحوا متشائمين إلى أبلغ الحدود، في كل ما يتعلق بالمرأة والحب. وهكذا فقد صدق علي بن أبي طالب حينما قال: “أحبوا هونا وأبغضوا هونا”، وقال أحدهم أيضا: لا تبالغوا في الحب ولا تتعمقوا كثيرا، فدرجة عمقك اليوم، هو مستوى جرحك وخيبتك غدا.

بصرف النظر عن خيبة الأمل التي مني بها العشاق، والمعاناة النفسية التي كابدوها من وراء تجاربهم العاطفية الفاشلة، فإن ما ربحوه هو أنهم صنعوا المجد والخلود لأنفسهم ضمن “أبطال وعظماء التاريخ”، إلى جانب القادة العسكريين والسياسيين. أذكر في هذا السياق أني كنت قد طرحت هذه الفكرة على إحدى النساء واستشهدت بقيس (مجنون ليلى)، والمفارقة هنا هو أن جواب هذه المرأة التي يفترض أن تتعاطف مع قيس لأنه جنَّ بسبب بنات جنسها تهكمت عليه وقالت: أنا لا أرى أي فعل عظيم في ذلك، بل مجنون وكفى!.

ثمة إشكال فلسفي يحمله الحب في طياته هو: لماذا يتضمن الحب منطق الثنائيات: فرح/ حزن، داء/ دواء، لقاء/ غياب، بهجة/ دموع،… إلخ. ثم لماذا يكثر حزننا عندما نقع في الحب، فالمطلوب أن نكون سعداء؟. عندما نتأمل قليلا، نجد أن ما يفسر هذه المشاعر السلبية هو خوفنا من فقدان وخذلان وتخلي من نحب، ناهيك أننا نغدو ديكتاتوريين وأنانيين ويزيد كبرياؤنا تجاه من نحب، نريد من الآخر أن يتنازل عن كبريائه والآخر أيضا يتوقع ذلك من الأنا، علما أن الاثنين يريدان ويعشقان بعضهما، وكأنهما يتلذذان في تعذيب نفسيهما. ويزداد الحب إيلاما عندما يتسلل إلى بعض العلاقات فيفسدها ويخربها، وهذا يحدث عندما يكون الحب من طرف واحد، وينتظر من الآخر أفعالا وسلوكات واهتماما ليست ذات بال عند هذا الآخر.

يرى الفيلسوف شوبنهاور، وهو الفيلسوف المعادي للحب والمرأة بوجه عام، أننا عادة ما ننخدع في الحب، فلسنا نحن الذين نختار من نحب، بل الطبيعة هي التي تتولى ذلك وفق الحاجة إلى نسل مناسب. ويوضح بوتون في كتابه (عزاءات الفلسفة) هذه المسألة، عندما لا نجد، مثلا، رجلا طويل القامة أو الأنف، رفقة امرأة بنفس الخصائص، ولعل هذا ما يجنب الرجل تواجد نقاط قبحه وضعفه في نسله. وعندما نقول إن الزواج “مقبرة الحب”، نستدعي – مرة أخرى – شوبنهاور الذي يؤكد أن الحب خدعة وحيلة من نسج الطبيعة، من أجل الإيقاع بالإنسان وجره إلى التناسل عن طريق الزواج؛ “لأنها تدرك، بحسب شوبنهاور، أن الإنسان أعقل من أن يتكبد عناء التناسل عن طواعية فيما لو لم توجد غواية قوية إلى درجة تجعله يفقد عقله. لقد وُجد الحب لكي نفقد عقولنا. وهذا كل ما في الأمر”.

لقد كان الحب حاضرا إلى جانب السياسة في صنع التاريخ وتوجيه الأحداث التاريخية، إذ تعلق الإمبراطور الروماني نيرون بامرأة تدعى بوبيا سابينا poppea sabin، قيل إنها: “كان لها نصيب موفور من كل شيء إلا الشرف”؛ غير أن هذه المرأة رفضت أن تكون عشيقة له إلا إذا طلق زوجته الأولى (كلوديا أكتي)، وهو الأمر الذي عارضته الأم بما أوتيت من حيلة، لكن بوبيا كانت أكثرها كيدا حيث جعلت نيرون يحقد على أمه إلى أن بلغ به ذلك إلى قتلها.

وفي زمن المماليك، لمع نجم شجرة الدر، التي تزوجت المعز أيبك، بعد وفاة زوجها الصالح نجم الدين، وسيطرت عليه وعلى الدولة برمتها، وأصبحت تدير الحكم من خلاله.

ولعب الحب كذلك دورا في حالة الضعف التي آلت إليها الأندلس، حيث سيطرت النساء على ملوك الطوائف الذين انغمسوا في المجون والسهر والملذات. كما انفصل المجتمع الغرناطي إلى شطرين، حينما سيطرت (ثريا) على قلب السلطان أبي الحسن وأوغرت صدره ضد زوجته الأولى (عائشة الحرة) وابنه، وحاولت إخلاء الجو لتقلد ابنها الحكم.

لعل المتابع للدراما التركية سيخلص إلى تكوين صورة قاتمة عن الحب؛ فهو يبث الفتنة في العائلة بعد الاستقرار، والفرقة والضياع بعد الوحدة والاجتماع، ويستعدي الأخ على أخيه فيقع بينهما التناحر والانشطار، وبسبب الحب تذهب الصداقة أدراج الرياح، ويبيت المحب متقلبا في سريره قلقا بلا ارتياح…

إن الحب ينقل المُحب من خانة الفاعل والمتبوع، إلى مربع المفعول به والتابع، على اعتبار أن الفاعل والمتبوع هي الحبيبة أو المعشوقة أو… ولذلك، يبدو الواقع في الحب كالغريق يحاول التشبث بأدنى شيء يمكن أن ينجيه من الغرق، كذلك المحب يمكنه فعل أي شيء في سبيل الاجتماع بالمرأة التي يحبها. أليس ذلك ما تصوره لنا المسلسلات التركية صباح مساء على شاشاتنا العربية؟ فليس مصادفة إذن ولا عبثا أن تعنون تلك المسلسلات بعناوين مثيرة من قبيل: حب أعمى، العشق الأسود، العشق الممنوع، سامحيني… فثمة توافق وانسجام تام بين الدال والمدلول.

* كاتب وباحث

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

8
  • Lamya
    الأربعاء 16 فبراير 2022 - 11:45

    قصص الحب و العشق هي قصص متنوعة بتنوع اصحابها
    فلكل واحد او وحدة قصة فريدة من نوعها
    انا مثلا, كانت لي صديقة من مراكش اسمها بديعة, دخلت في علاقة غرامية مع شخص لدرجة انها كانت تعتبره زوجها و بقيت تنتظر ان يكمل دراسته العليا و يتخرج و يجد عملا. و لما تحقق ذلك, ضرب لها موعدا ليشرح لها انه سيتزوج ابن خالته, فاصيبت بصدمة نفسية ادخلتها للمستشفى و تاثرت لدرجة ان ذلك اثر على صحتها و بنيانها الجسمي لدرجة انها اصبحت ضعيفة جدا و تستمع لام كلثوم طول الوقت, لذلك سالتها عن السبب و حزنت لحزنها.

  • Lamya
    الأربعاء 16 فبراير 2022 - 15:46

    هناك امثلة ذكرتها في مقالك,
    تعبر على ان الحب و العشق غير كافي لوحده في المجتمعات, و لكن هناك روابط اجتماعية او قبلية او حسابات اخرى.. كهدف الوصول للمال و الحكم و الشهرة, فهذا ليس حبا خالصا.
    فكما نلاحظ ,ان انسان فقير لا يجد قوت يومه, لا يهتم به احد حتى و لو كان انسانا صالحا…
    بينما تجد اصحاب المال او الشهرة او الحكم او هم جميعا, تجد اعدادا من الناس تتقرب اليهم و تطلب ودهم, لذلك تجدهم حائرون في من يحبهم حقا و من يمثل عليهم فقط.

  • رأي1
    الخميس 17 فبراير 2022 - 10:48

    جنون الحب لا يصيب كل الناس وانما بعضهم.فالحب وكما يعرفه ارسطو هو عاطفة طبيعية لا يقتصر وجودها على الانسان بل يوجد كذلك عند الحيوان وبدرجات مختلفة.وهذه العاطفة هي التي تبعث على التفاهم والانسجام والصداقة بين الناس.والمجتمع الذي تنتشر فيه الصداقة يكون مجتمعا انسانيا منسجما وعادلا لان الحب هو اساس الروابط القوية بين المواطنين.لكن الحب قد يتحول احيانا الى حالة مرضية وذلك حينما يتجاوز حدود متوسط ما تسمح به الطبيعة من انفعالات خاصة بين الرجل والمرأة.فمن المفترض ان تكون العلاقة بينهما على اساس الحب باعتدال ومن دون مبالغة.لان المبالغة في الحب تخل بالعلاقة بينهما وتجعل احدهما تحت رحمة الاخر.ذلك ما يحدث عندما يرتمي احدهما وو الذكر غالبا تحت قدم الاخر ويعيش في حالة من الذل المستمر المصحوب بمشاعر التنغيص والالم.وليس من الضروري ان يوجد في الطرف المحبوب خصائص جمالية او شخصية متميزة بل احيانا يكون عاديا لا تميز فيه ومع ذلك يثبر مثيرا وجذابا وتهمل جميع سلبياته ومساوئه بل حتى فضائحه.

  • Lamya
    الخميس 17 فبراير 2022 - 12:11

    لماذا يقول البوصيري “و الحب يعترض اللذات بالالم”
    يعني طبيعي, اذ كنت مغرما او عاشقا, ان تتالم و تشعر بالوحدة بدون المحبوب و تسهر الليالي شوقا
    كما تقول ام كلثوم “يا امسهرني”
    المشكلة لا تكمن في هذه المشاعر, المشكلة هي اساسا, ان تحب شخصا ليس اهلا لذلك و لا يستحق كل تلك الالام و الاشواق.

  • Lamya
    الخميس 17 فبراير 2022 - 15:59

    يقول رسول الله صلى الله عليه و سلم تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ : لِمَالِهَا ، وَلِحَسَبِهَا ، وَلِجَمَالِهَا ، وَلِدِينِهَا ، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ
    رغم انني لا اعلم ترتيب هذا الحديث و ان افترضنا انه صحيح, يعني ان الحب او العشق انواع.
    و المقصود من الدين, المعاملة و الاخلاق, كما قال رسول الله “الدين المعاملة”

  • رأي1
    الخميس 17 فبراير 2022 - 23:24

    الانجذاب القوي نحو الجنس الاخر يحدث بدافع الرغبة وكلما قويت الرغبة قوي الانجذاب.وهذا النوع من الحب لان للحب حسب فرويد له مشتقات كثيرة وان كانت كلها تعود جميعا الى الغريزة الجنسية يكون مصحوبا بمشاعر تنغيصية من طبيعة خاصة .يصبح انفعال الحب هو المسيطر على كلية الجهاز النفسي الى درجة ان تصبح صورة المحبوب ملازمة لنفسية المحب.وهذا النوع من الحب يسود خلال بداية مرحلة التناسل حيث تشتد قوة اندفاع الغريزة الجنسية.وغالبا ما يكون موضوع الحب الاول اكثر جاذبية من غيره.وله دور مهم في نجاح الحياة الزوجية.لان الزواج القائم على الحب ادوم مما يحدث بالصدفة.

  • Lamya
    الجمعة 18 فبراير 2022 - 10:30

    هناك نظرية تقول ان قصة ان الحب الاول تدوم و تترسخ في الادهان فقط لانها التجربة العاطفية الاولى و لكنها قد تكون مرتبطة باندفاع او انفعالات جنسية لفترة المراهقة, و ليست مشاعر حب متعقلة كما لو كان للانسان تجارب في الحياة و عمق في التفكير و بالتالي العشق في مراحل متاخرة من العمر مثلا 40 سنة يكون اشد وطئة و اثارا على نفسية الانسان من الحب الاول الغريزي…
    مثلا السيدة خديجة رضي الله عنها احبت الرسول صلى الله عليه و سلم في سن الاربعين, لان كانت لها تجارب في الحياة جعلتها تحسن الاختيار.

صوت وصورة
حفر تهدد سلامة ساكنة بأكادير
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 13:10 6

حفر تهدد سلامة ساكنة بأكادير

صوت وصورة
"سوبير الرحمة".. سوق مهجور بسلا
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 12:21 6

"سوبير الرحمة".. سوق مهجور بسلا

صوت وصورة
الدار البيضاء - الصويرة في رحلة مباشرة
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:50 3

الدار البيضاء - الصويرة في رحلة مباشرة

صوت وصورة
أكاديمية المملكة تناقش الترجمة القانونية
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:30

أكاديمية المملكة تناقش الترجمة القانونية

صوت وصورة
"الحوارات الاستراتيجية" ترصد تحديات السيادة
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:11

"الحوارات الاستراتيجية" ترصد تحديات السيادة

صوت وصورة
افتتاح معرض التمور بأرفود
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 21:43

افتتاح معرض التمور بأرفود