الحراك القرائي

الحراك القرائي
الأحد 23 غشت 2026 - 12:16

تكاد تُضرب أكباد الإبل للرفع من منسوب القراءة بين الأطفال واليافعين، لقيمة القراءة في التنمية الشاملة، الفردية والمجتمعية، وتكريس السلوك المدني. حيث تتحدث التقارير، وآخرها تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي، عن الدرك الذي انحدرنا إليه على هذا المستوى، والذي يعزى سببه إلى العجز عن فهم الذات والآخر، وخلق جسور التواصل الخلاق معه، وإيجاد التوازن المطلوب بين الفرد ومحيطه وتجويده مادياً ومعنوياً، وكلها غايات يحققها فعل القراءة.

الحث على القراءة نداء الوطن:

لهذا الدور الحيوي للقراءة، أطلقت مبادرات رسمية وشعبية للنهوض بها، وتكريسها في الحل والترحال. وهكذا نجد العديد من المبادرات الوزارية التي تصب في التشجيع على القراءة بين صفوف التلاميذ خصوصاً والأساتذة، نذكر هنا برنامج «إثراء القراءة»، الذي يهدف إلى فسح المجال أمام المتعلمين لإتقان مهارة القراءة وترسيخ عادتها، والانفتاح على الجديد في مختلف المجالات. ولتحقيق هذا الغرض، تم إنشاء المكتبات الصفية وإغنائها بمجموعة من القصص، نظراً لميل الأطفال الفطري لها، وانجذابهم لعوالمها السحرية، لما تحققه من متعة وفائدة. بالإضافة إلى الموسوعات والمعاجم، لاستثمارها في التعلمات تحت إشراف المعلمين، الذين لهم من المقدرة والكفاءة لجعل القراءة أكثر فعالية، بتذوق المقروء والتحفيز على إعمال الفكر. وينضاف إلى هذا المشروع برنامج: تحدي الأبطال، الذي يحفز المتعلمين على قراءة 20 كتاباً في السنة، مع إشراك الأسر للمساهمة بشكل إيجابي في تعويد الطفل على القراءة، وتحبيب الكتاب والحفاظ عليه، بالمواكبة والتشجيع. فكما قال الإمام أبي حامد الغزالي: «لولا الوعد بالكرة والصولجان واللعب بالعصافير ما رغب الصبيان في المكتب»، ويستجد مع الزمن ما تهفو إليه نفس الطفل وتنجذب إليه، فلا بأس من استغلال هذا الحب والتمكين من المحبوب بربطه بما يقرأ.

في نفس السياق، جرى إطلاق المشروع الوطني للقراءة، لإذكاء روح التنافس بين التلاميذ وبين طلبة التعليم العالي وبين الأساتذة وبين المؤسسات، وتثمين فعل القراءة ومكافأة وتكريم صاحبه، وإدخاله إلى حلبة التنافس الشريف على غرار الرياضة والغناء و… ربط الجسور بين القراء والتعريف بهم. وقد انتقل المشروع اليوم إلى التعريف بالمكتبات الخاصة، تشجيعاً للناشئة على الاهتمام بالكتاب وتخصيص ركن له بالبيت يليق بمكانته التنويرية والتنموية، حتى ينشأ الصبيان قريبي العهد بخير جليس، ويستأنسون بمصاحبته، واتخاذه نبراساً وهم يتسلقون مدارج الحياة. فأمام سطوة الشاشات بخيرها وشرها، ما أحوج تربية النشء على العناية بكل ما ينمي العقل والذوق والوجدان والجمال، كالكتاب والحيوان والنبات.

كما تم احتضان وتأطير المتعلمين المشاركين في تحدي القراءة العربي، وتشجيعهم على المشاركة. وهي المسابقة التي أصبحت تحظى باهتمام متزايد. وقد بصم المتعلمون المغاربة بمشاركة متميزة ورائدة طيلة مسارها. وقد أصبحت مريم أمجون أيقونة تخلد النصوص المدرسية، تألقها في هذه المسابقة، ونجماً يلمع بريقه في ذهن جل السالكين في الدرب المدرسي. فقد أكد فوزها أن القراءة لا تعدم الوسيلة في صناعة النجوم على غرار باقي المجالات التنافسية، في عصر يتوق فيه الطفل واليافع إلى الظهور وإثبات الذات، والاحتفال به وتقدير ما يبذل من جهد.

الكتاب رفيق المصطافين:

ولا تقل المجهودات الشعبية والمدنية عن مثيلاتها الرسمية، فالدعوات والفعاليات القرائية لا يفتر قرع طبولها افتراضياً وواقعياً. فلقد عرف المغرب العديد من الشبكات التي تجتمع على الكتاب وتفترق عليه، وجعلته العملة الأكثر قيمة والوحيدة التي يتم تداولها فيما بين أعضائها. ولا يقل عنها حضوراً، المقاهي والصالونات الثقافية التي تستميت في الحفاظ على حياة القلم وما يسطر، والحفاظ على الطقس القرائي في الحضر والسفر.

ترتبط القراءة بالموسم الدراسي و«أيام الجد والنشاط»، وفصول الاعتدال الحراري، فإذا ما أقبل الصيف واشتد القيظ، هُجرت الكتب كما تهجر مواطن الإقامة، طلباً للراحة والاستجمام، إلا بعضاً ممن يؤجلون مقروءاتهم إلى حين التفرغ من الواجب الدراسي أو المهني، فكل الراحة بالنسبة إليه تكمن بين دفتي الكتاب ومحاورة كاتبه. ليس للقراءة موسم تنتعش فيه وآخر تخبو جذوته فيه، حفاظاً على حياة الفكر وانتعاش الروح. لذا نجد سدنة الكتب يحملونها حيثما تواجد الإنسان في جده وهزله، أيام شغله وعطلته. فالمبادرات تثرى لإحياء طقوس القراءة في السهل والجبل، والبر والبحر. فالاصطياف على الشواطئ ومداعبة زبد البحر، لا تلغي حاجة الاستمتاع بنبض الكلمات، وإمعان النظر بجمال الفكرة وبديع العبارة. وهكذا عرفت الكثير من شواطئنا على امتداد طولها مكتبات متنقلة تشكل باحة استراحة بين ضفاف الأدب وظلال الفكر، بمجهودات أطر المجتمع المدني ودعم من القطاع الخاص المؤمن بقيمة الثقافة في بناء الفرد والمجتمع. وهكذا أصبحنا نرى الرفوف المكتبية تزين حواف الشواطئ أو في قلبها، تقدح في عقول المصطافين الرغبة في طرقها وتقليب صفحات محتوياتها. قد يكونون قلة كشأن كل ذي بال «وما هم إلا قليل… وقليل من عبادي الشكور… وقليل من عبادي الصالحون….»، لكن الأمل معقود على تكثير سواد القراء يوماً ما، في ظل منافسة شرسة للشاشات، وخصوصاً ونحن نشاهد روادها أطفالاً ويافعين رفقة أسرهم، وأول الغيث قطر ثم ينهمر.

خاتمة:

طالما لهث لساننا بالإعجاب لاصطحاب الأجانب للكتاب في الشاطئ والقطار… وحيثما تواجد، وكثيراً ما يترك مقروءه حيثما فرغ منه، هدية لقارئ مفترض بعده. كما يعلق البعض انصرافه عن القراءة على مشجب غلاء ثمن الكتاب، وآخرون بانعدام الوقت لها. لكن المكتبة الشاطئية هي مكتبة وقت الفراغ وبشكل مجاني، بل تحفيزية بالأنشطة التي تقام داخل أروقتها، خاصة بالنسبة للأطفال والشباب. وهي مناسبة للانتقال بالفعل المعجب به من القول إلى الممارسة، للرقي الذاتي والمجتمعي.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • MC
    الإثنين 24 غشت 2026 - 19:02

    “When I think of all the books still left for me to read, I am certain of further happiness”
    “عندما أفكر في كل الكتب التي ما زلت لم أقرأها، أؤكد على سعادتي المستقبلية”
    Jules Renard (French writer)
    (1864-1910)

    “Books are the plane, and the train, and the road. They are the destination, and the journey”
    “الكتب هي الطائرة، والقطار، والطريق. هي الوجهة، وهي الرحلة”
    Anna Quindlen
    (American author)

    أستاذ عبد الرؤوف،
    “الأمم الحية تُقاس بسعة عقول أبنائها لا بسطوع شاشاتها”
    إن ما أشرت إليه من تراجع قرائي في عصر الشاشات الذكية يعكس خطراً حقيقياً يهدد عقولنا، لكن المبادرات التي استعرضتها تؤكد أن جذوة الأمل لم تنطفئ بعد، فالمكتبات الشاطئية والتحديات القرائية ليست مجرد أنشطة عابرة، بل هي قوارب نجاة حقيقية لإنقاذ أطفالنا من سطحية الاستهلاك الرقمي وتوجيههم نحو بناء الوعي، وأرى أننا بحاجة ماسة اليوم إلى “ثورة ثقافية هادئة” تبدأ من البيت والمدرسة لتجعل الكتاب رفيقاً أبدياً لا يفارق الإنسان في حله وترحاله.
    “من يزرع حرفاً في أفق طفل، ينبت وطناً من النور والغد الأفضل”.

    ALHOCEIMA

صوت وصورة
المغرب يروج للقنب الهندي ببراغ
السبت 7 نونبر 2026 - 21:10

المغرب يروج للقنب الهندي ببراغ

صوت وصورة
انطلاقة الموسم الفلاحي
السبت 7 نونبر 2026 - 19:36 1

انطلاقة الموسم الفلاحي

صوت وصورة
ارتفاع أسعار السمك يثير الاستياء
السبت 7 نونبر 2026 - 18:18 13

ارتفاع أسعار السمك يثير الاستياء

صوت وصورة
إغلاق محلات أكادير في منتصف الليل
السبت 7 نونبر 2026 - 16:38 20

إغلاق محلات أكادير في منتصف الليل

صوت وصورة
تشييع جثمان أرملة إدريس البصري
السبت 7 نونبر 2026 - 14:37 11

تشييع جثمان أرملة إدريس البصري

صوت وصورة
العنف الأسري يدق ناقوس الخطر
السبت 7 نونبر 2026 - 13:24 3

العنف الأسري يدق ناقوس الخطر