الحرب على غزة عرّت فعلا العولمة

الحرب على غزة عرّت فعلا العولمة
الخميس 20 فبراير 2025 - 09:36

ما وقع، ومازال يقع أمام أنظار العالم من تقتيل وتهجير للإنسان الفلسطيني في قطاع غزة الذي لا يمكن فصله عن أرض فلسطين، عرّى فعلا وبالملموس حقائق العولمة وصناعها.

بداية، دعنا نستحضر الركائز المعلنة لنظام العولمة من طرف منظّريه وهم “الليبراليون الجدد” وعددها أربعة: الديمقراطية، والتعددية، والتنافسية، والتحررية. ومن الصّعب أن يسقط نظام ينبني على مثل هذه الركائز القوية كيفما كانت تسميته: العولمة أو الشوملة أو الأمركة.

لكن ما الذي تجسّد فعلا، ويتجسّد، من هذه الركائز على أرض الواقع، على الأقل منذ انهيار النموذج السوفياتي ومعه سقوط جدار برلين في 1989 حيث تعددت التصريحات بدخول العالم مرحلة جديدة عنوانها الكبير: الحرية وحقوق الإنسان. الجواب دون تردد: لا شيء. والأدلة الواقعية كثيرة.

فحسب العديد من الخبراء الدوليين، فالعولمة حاملة في طياتها ما يفنّد تصريحات صنّاعها. ولهم أدلة كثيرة عن ذلك استنادا إلى المرتكزات الأربعة المذكورة في ما تقدم، والمعلنة في الحوارات الإعلامية والمؤتمرات الصحفية وفي اللقاءات الاقتصادية والسياسية والحقوقية الدولية. فما هي هذه الأدلة؟

أولا: نظام العولمة ليس ديمقراطيا، لأنه لم ينبثق من إرادة جماعية والقصد إرادة شعوب العالم. ولم يتم طرحه للنقاش من طرف ممثلي هذه الشعوب في برلماناتها وفي مجالسها.

ثانيا: نظام العولمة ليس تعدديا، لأنه اعتمد خيارا وحيدا هو خيار نظام السوق المفتوحة وحرية التبادل التجاري وتحرك رأس المال عالميا بدون قيود. ولذلك ذهب الفقيه السياسي والقانوني عبد الهادي بوطالب (رحمه الله) إلى أنه حين لا يترك هذا النظام للعالم إلا هذا الخيار، فإنه يفرض عليه نظاما أحاديا غير قابل للنقاش، ناسفا بذلك مبدأ التعددية إن لم يكن قانونيا فهذا النسف مجسّد فعليا على أرض الواقع.

ثالثا: في ما يتعلق بالركيزتين الأخيرتين (التنافسية والتحررية)، فنظام العولمة ليس تنافسيا ولا تحرريا. إن قاعدة التنافس لم تخدم قط مبادلات البلدان في الوطن العربي ودول الجنوب عامة نظرا لأن إنتاج هذه الأخيرة لا يستجيب دوما لمعايير الإنتاج والاستهلاك المقبولة والمعمول بها من لدن صناع العولمة وشركاتهم المتعددة الجنسيات. وبالتالي تصبح السيادة والنفوذ في السوق العالمية للرأسمال الكبير على حساب الرأسمال الصغير والمتوسط، ويصبح التنافس بين هذه المستويات شبيها بمصارعة الأسماك الصغيرة للحيتان الكبيرة في المحيط الصاخب.

وما علاقة الحرب على غزة بهذه الحقائق؟

لقد عرّت هذه الحرب اللاإنسانية والعدوانية على الرغم من تنديد العديد من الدول وشجبها لها، (عرّت) عن الحقائق المذكورة في ما تقدم وغيرها كثير. وعرّت كذلك على حقائق صناع العولمة. ومن أبرز الحقائق التي أصبحت مكشوفة للعام والخاص من الناس ما يلي:

– إن ما يهم صناع العولمة وهم الولايات المتحدة الأمريكية وأتباعها من دول الغرب هو توسيع أسواقهم التجارية والمالية تحت طائلة حرية التبادل التجاري بين الدول في العالم بناء على قاعدة السوق المفتوحة: العرض والطلب التي تحقق “المساواة” بين دول الشمال والجنوب.

– وما يهمهم هو تحقيق الأرباح الطائلة والنفوذ السياسي والاقتصادي والعسكري، ونهب الخيرات الطبيعية العربية من نفط وغاز طبيعي (…) ونهب الموارد الطبيعية الموجودة في إفريقيا وفي باقي تراب العالم.

– وإن البعد الاستراتيجي لأمريكا وإسرائيل هو إنزال مشروع الشرق أوسط الكبير ولو اقتضى الأمر غزو دول في الشرق الأوسط كما حصل في العراق، وتدمير أرض غزة والضفة الغربية وباقي الأرض الفلسطينية كما يحصل الآن.

إن الغاية من تهجير الفلسطينيين من أرضهم هي القضاء على وجودهم نهائيا، وإنهاء القضية الفلسطينية، وتركيع الدول العربية الموجودة في منطقة الشرق الأوسط. والسلام الذي يتحدّث عنه “ترامب” وتتحدث عنه إسرائيل هو سلام إسرائيل بمقاييسها الاستراتيجية والاقتصادية والسياسية.

إن ما تقدم وغيره كثير يدفع إلى طرح العديد من الأسئلة:

أين نحن من تطبيق المادة الثالثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والتي تنص على أن: “لكل فرد الحق في الحياة والحرية، وفي الأمان على شخصه”. بل، لما يصلح القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني إذا كانا لا يطبقان إلا حينما تشاء ذلك القوى العظمى التي تمتلك حق “الفيتو”؟ ولما تصلح الأمم المتحدة؟

لماذا لم تتدخل الولايات المتحدة الأمريكية لإيقاف انتهاك الحق في الحياة للشعب الفلسطيني في غزة؟

ولماذا لا تتدخل هذه القوى الغربية، ولها أوراق ضغط كثيرة على أمريكا إن هي وحّدت كلمتها، لوضع حل نهائي للنزاع الفلسطيني/ الإسرائيلي وهو: حل الدولتين؟

إن ما تقدم يؤكد بما لا يدعو إلى شك، أنه لن يتحقق السلام في الشرق الأوسط ولا في العالم من دون حل الدولتين. ولا سبيل إلى تراجع “ترامب” وإسرائيل عن مشروعهما التهجيري وعن إبادة الشعب الفلسطيني، من دون أولا وقبل كل شيء، المصالحة الداخلية بين إخواننا الفلسطينيين وتوحيد كلمتهم وصفهم. وثانيا، توحيد الكلمة العربية الرافضة لتهجير الفلسطينيين في اللقاء العربي الكبير القادم في المملكة العربية السعودية.

ولا شك أن العالم اليوم في حاجة مرة أخرى إلى تعدّد الأقطاب لإحداث التوازنات الاقتصادية والسياسية الدولية.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • بقي على رمضان ست أيام .
    الأحد 23 فبراير 2025 - 02:35

    إذا كان لكل فرد الحق في الحياة والحرية، وفي الأمان على شخصه ، فلماذا تعرض سكان الطوق للهجوم البربري لجنود القسام ؟ سيدي علينا ان نكون حياديين أمام المعرفة وإلا سقطنا في الخطإ دون أن ندري وقبل أن نسارع لإدانة الآخر علينا بنقض او نقد الذات . ما حصل في غزة ما كان ليحصل ، ومن هجر من شمال القطاع ما كان ليهجر . نحن من نجني ثمار اعمالنا فلا نلومنا رد فعل نحن من سعى إليه . صحيح أن العولمة ليست هي المدينة الفاضلة وصحيح ان تدافع الناس لازال لم يصل الى الكمال او حتى نصف نصف الكمال لكننا بشر فينا الأشرار وفينا ما دون الأشرار . تحليك يرضيك ويعبر عن قناعتك ولكن قد لايرضيني وقد لا يعبر عن قناعتي ، وقد أرى خلاف ما ترى /أو تر /تبا للغة وتداعياتها . قد تكون محقا وقد لاتكون . ولكن هذا لايعني اني اصادر حقك في تقييم الأمور ولكن هذا لايعني اني مجبر على أن أقول آمين .

  • طائر جريح
    الإثنين 24 فبراير 2025 - 13:00

    لا أعتقد أن الأمر يتوقف عند العولمة، بل يتجاوزها إلى أبعد ما يمكن تصوره…؛ ثم إني أرى من إيجابيات الحرب المؤلمة على غزة أنها حملت حماس إلى قمة التحضر واحترام قواعد الحرب المتعارف عليها دوليا بعد إتهامها المقيت بالإرهاب، فقد رأى العالم بأم عينيه كيفية تعاملها مع الأسرى، تمنحهم اللباس، والهدايا التذكارية، وتجعلهم يبتسمون ، ويتكلمون لغة عربية فصيحة …؛ ثم هناك شيئ آخر : لقد جعلتني هذه الحرب المجنونة أفهم قول الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى:

    ومن يغترب يحسب عدوا صديقه..ومن لا يكرم نفسه لا يكرم
    ومهما تكن من خليقة لدى امرئ..وإن خالها تخفى على الناس تعلم
    وكأين من صامت، لك معجب..زيادته أو نقصه في التكلم
    لسان الفتى نصف ونصف فؤاده..فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
    وإن سفاهة الشيخ لا حلم بعده..وإن الفتى بعد السفاهة يحلم
    سألنا فأعطيتم وعدنا فعدتم..ومن يكثر التسآل يوما سيحرم

    هذا حالنا : ومن يغترب يحسب عدوا صديقه، ومن لا يكرم نفسه لا يكرم.

صوت وصورة
أوزين والمؤشر الاجتماعي
السبت 19 شتنبر 2026 - 21:50 1

أوزين والمؤشر الاجتماعي

صوت وصورة
بركة يحذر من العزوف الانتخابي
السبت 19 شتنبر 2026 - 21:30 4

بركة يحذر من العزوف الانتخابي

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | محمد أوزين
السبت 19 شتنبر 2026 - 21:02 1

الطريق إلى الانتخابات 2026 | محمد أوزين

صوت وصورة
حريق وسط حي سكني بمراكش
السبت 19 شتنبر 2026 - 20:30 2

حريق وسط حي سكني بمراكش

صوت وصورة
البواري وتسريع إنجاز مشاريع الماء
السبت 19 شتنبر 2026 - 20:08 2

البواري وتسريع إنجاز مشاريع الماء

صوت وصورة
إصلاح المركز الصحي يدفعني لدعم "الأحرار"
السبت 19 شتنبر 2026 - 20:00

إصلاح المركز الصحي يدفعني لدعم "الأحرار"