الحضارات لا تتحاور

الحضارات لا تتحاور
الثلاثاء 9 فبراير 2010 - 11:01

مقاربة تأويلية ـ قرآنية


مقدمة:


كما وعدت، فإن منهج التأويل وفق الضابطة التي تناولناها في مقال سابق هو منهج قابل للتطبيق على كافة الموضوعات حتى قلنا أنه لا وجود معه لمنطقة فراغ. فمنطقة الفراغ هي من لوازم الأصول الظنية التي هي قوام آلية الاجتهاد. فالتأويل قابض على الواقع كاشف عنه وليس مجرد وظيفة أو ظنا بالأحكام. فهل يا ترى بإمكاننا وفق هذا المنهج أن نقف على معنى للحضارة والثقافة ورأيا في حوار الحضارات أم صراعها ، علما أن هذه من إشكاليات عصرنا لا من نوازل عصر النزول؟ هذا مجرد نموذج للتفاعل مع هذه الموضوعة تأويليا. فكيف يا ترى نستقرئ موقف القرآن وكيف نستنطقه إزاء قضيتنا المنظور فيها؟ كنت قبل فترة تبنيت رأيا حول حوار الحضارات أو صراعها ، ملخصه أن الحضارة قوة ورسوخ في الزمان والمكان وبأن الحضارة بهذا المعنى ليست موضوعا للحوار. وميزت كذلك بين مفهوم الحضارة ومفهوم الثقافة. وفي كل ذلك كنت أستنطق القرآن وفق هذا المنهج فأقف على حقائق من هذا القبيل. وإذا جربناه سنطلق سراح القرآن ونكسر الأقفال التي أحكمت حول القلوب فحالت بينها وتدبر الكتاب، فكانت النتيجة الحتمية : الهجران. فبهذا المنهج سينطق القرآن كثيرا ويقول كثيرا وسيجده المتدبر طاقة لا تنضب ومدد لا ينفذ وعجائب لا تنقضي .


مدخل:


اعتاد الفقهاء في معرض بحثهم ونظرهم في المسائل الخلافية على تأسيس قاعدة للتفاهم أو أرضية مشتركة للنقاش، لنسمها الأرضية الأولى أو الأصول التواصلية الرئيسة. وحتى لا يقعوا في مأزق اللبس والفوضى ويصبح نقاشهم لا مناط يشد ظهره ولا أرضية تسنده، بل مجرد انتشار لاهتزازات الأسس والمحددات ذاتها وإلى ثرثرة لفظية وحوار طرشان، قالوا بضرورة تحرير محل النزاع. وذلك ابتداء بتحديد الموضوع ورصد حيثيات الإشكال والاتفاق المبدئي على تصور أو محدد ما للمفهوم. ومحل نزاعنا وموضوعه في المقام ، هو “الحضارة”. مدار ومتعلق حوارنا أو صراعنا. فعن أي حضارة نتحدث يا ترى ؟



إننا نعتقد أن جزءا من التوتر الذي شهدته أغلبية الأطاريح التي تناولت موضوع حوار الحضارات، فيما هي تكتنز بهروبها وتقيتها المفرطة، عناصر لصراع محتمل أو مؤجل، راجع إلى أننا نتنازع حول قضية يحتل الوهم فيها مساحة كبيرة. فأمامنا تنتصب الحضارة المعاصرة بسماتها التي تحمل في ثناياها كل أشكال الإكراه والعنف إلى جانب ما تحمله من واجهة مغرية ومن أساليب الغواية. هذه الحضارة هي حضارة كونية بختم غربي. والمشكلة ليس في “كوننة” هذه الحضارة أو تفردها أو تجنيسها. بل المشكلة تتجلى في أن ثمة قوى طارئة من صلب الحداثة، عرفت كيف تستفيد من هذه الصيرورة العظمى وتوجيهها إلى خدمة أهدافها. إنها بالتالي الكيفية التي تقدم بها الحضارة نفسها اليوم للعالم. وهذه الكيفية في نظرنا، «ثقافية” محض! ها هنا نختلف مع الرؤية الحلولية التي رأت إلى “الحضارة” و”الثقافة” وكأنهما أمران مترادفان. ولعل رأيا كهذا قد يجعل العالم مسرحا لحضارات مملوكة وحدود وضيعات وقبائل… تستدعي حمايتها والذود عنها. في حين أن ليس ثمة إلا حضارة واحدة، هي المظهر الأقوى للحضور التاريخي الإنساني. إن الحضارة في حد ذاتها قوة ـ لو أردنا استعمال المنظور الفوكوني ـ هي قوة من حيث هي علاقة. أي كيفية الانتماء والتوجيه والتوظيف لهذا الكل الذي يمثل السند الخلفي للحضارة. وها هنا يبدو الغرب في أوج غروره الحداثي، يوهم بذلك التماهي بين الحضارة وأعراضها وتشخصها في المجال الغربي. مع أن هينتنغتون ما فتئ يؤكد هو الآخر على أن الغرب كان غربا قبل أن يكون حديثا. فالملازمة، أو لنقل سعة التمركز والتماهي الذي ينظر إلى الحضارة كجنس مطلق أو كمركز، هي رؤية تحول دون إمكانية التصريف الكوني العادل للحضارة. إذن، إذا كان ولابد من الحوار، فحوار مع من ؟ وإذا كان ولابد من صراع، فصراع ضد من ؟ هل هو حوار مع وجودنا ومع تاريخنا يستهدف استقالة منه وخروجا عنه ؟ أم هو حوار مع العماء ؟ وهل الصراع هو مع الحداثة بوصفها معطى حتميا وبنية تناقضية أم هو صراع مع التمظهر القمعي لها ؟ والآن، لنر أي الأوهام تلك التي لازالت ترين على مفهوم الحضارة !


الالتباس المفهومي و تاريخانية المواضعة


لعل السبب الرئيسي في التباس مفهوم الحضارة، راجع إلى تعاملنا مع المفاهيم. حيث اعتدنا النظر إليها بوصفها معطيات ثباتية أشبه ما تكون بمفاهيم توقيفية، ننظر إليها كمعطى لغوي وقاموسي، وليس كمفهوم تطوري من حيث أنها (=المفاهيم) هي نتيجة تراكم علائق مفهومية أخرى أو من حيث كونها خضعت إلى تطورات تداولية مختلفة. إن المفهوم بهذا المعنى هو كائن متطور ومخزون دلالي تاريخاني. إذ اللغة بشكل عام هي وسيلة للتأمل وفاعلية تواصلية متطورة وليست جوهرا توقيفيا مطلقا. وهذا ما يعني أن مفاهيمنا تعبر عن لحظاتها التاريخية. وأنها بالنتيجة لا نهائية وغير مكتملة. وحتى إذا ما سلمنا بأن اللغة هي مأوى الوجود بالمنظور الهيدغيري، فإن الوجود ذاته الذي تمثل اللغة مأواه، هو معطى متطور. من هنا تعين على اللغة أن تكون متطورة. إن علم اللغة أو مباحث الألفاظ يظهر إلى أي حد أن المفهوم أو الألفاظ هي بشكل عام خاضعة إلى ضربين من المواضعة بحسب التفصيل الكلاسيكي :


أحدهما تعييني (=تواضعي منشؤه الجعل الاتفاقي أو التوافقي، لنسميه التواضع الجعلي البسيط).


الآخر، تعيني ـ بضم الياء مع تشديدها ـ (=تواضعي منشؤه الإثبات والتأكيد التوافقي، لنسميه التواضع الجعلي المركب).


يتحدث فقهاء اللغة ومباحث الألفاظ عن صورتين للمواضعة ؛ إحداهما التعييني والأخرى التعيني. ولكننا أحببنا التعبير عنهما بالجعل البسيط والجعل المركب وهما مصطلحان فلسفيان متعلقان بمبحث الوجود ، لبيان حقيقة وجودهما. وواضح أن الجعل البسيط هو إيجاد الشيء من عدم في حين يكون الجعل المركب تبديلا في حال الموجود،أو إيجاد الموجود على نحو آخر كما يفيد الفعل المتعدي لاسمين نظير قوله : جعل الأرض مسجدا، وكأن التعيني مجعول على نحو مركب، فتكون العين تعيينا، تفيد الباصرة أو النابعة، لكنها، “تعيّا” تتعدى إلى المتربصة !


فالتعييني هو التواضعي الابتدائي، في حين التعيّني هو التواضع التداولي. وليس التواضعي التعييني بخارج عن الإطار التاريخي. فمهما بدا التوافق التواضعي اعتباطيا، إلا أن ثمة عوامل سابقة لتشكل الرغبة في التواضع الابتدائي التعييني. أما التواضع التعيّني ، فهو استجابة ضرورية لتطور المفهوم في التداول العام. وكلاهما يضفي الطابع التاريخي على المفهوم أو ( اللفظ) إلى جانب الطابع الاعتباطي والاجتماعي للمواضعة. إن الإشكال يبدأ متى ما استمر التعاطي مع التعييني دون التعيّني أو التعاطي مع المفهوم خارج إطار بنيته المتحولة ، أي تكوينه التاريخي. ذلك لأن المفهوم يمكن أن يأخذ معنى مختلفا وربما نقيضا بفعل التداول. فإذا كان المعنى التعييني هو ذاكرة المفهوم، فإن التعيّني هو المعنى الأخير والحاكم للمفهوم، لحكومة المآل على الأول، والنهايات على البدايات.


إن لفظ “الحضارة” خضع هو أيضا إلى قراءة من هذا القبيل. أي استمرار التواضع التعييني في التداول العام، مما جعل المفهوم يعيش تخلفا ومأزقا، فلا يواكب التطور الحاصل للمضمون، مما أدى إلى التباسات كبيرة نذكر منها ما يلي :


1 ـ خلط فاحش بين مفهوم الحضارة والثقافة و المدنية([1[)


2 ـ استصحاب معنى “التحضر” كمقابل للبداوة والرحّلية.


3 ـ الحضور، كحضور مطلق وليس حضورا خاصا وفريدا.


الأمر الذي أدى إلى أن يكون للحضارة معنى عاما وفقيرا، يجعلها جوهرا يمتلك لا صيرورة تدرك . نلاحظ من ناحية أخرى، أن الذي أربك هذه المفاهيم هو عدم استحضار الأبعاد التاريخانية للمفهوم، من حيث أن المفهوم ـ باعتبار ما ـ ليس بنية قارة. بل هو عارض تاريخاني. أي تعبير ماهوي عن حقيقة أو مرتبة وجودية. إنه بهذا المعنى حقيقة ـ كما يؤكد هيدغر بالنسبة للغة عموما ـ هو مأوى الوجود. بلحاظ صيرورة هذا الأخير. فالوجود في مختلف آناته يحيل إلى الوجود، إحالة تطورية من خلال لغة متطورة مواكبة ومستوعبة للتحولات، إن لم نقل معبرة عن درجة هذا الوجود وكثافته أو توتره. من هنا لا قدسية للفظ التواضعي، إلا بما هو تعبير عن حقيقة خاضعة لنوبات الحضور والغياب. إن حقيقة أي مفهوم، هي رهينة بكثافته التداولية. وهو إن شئت الاستعارة من ليفيناس Levinas، يأخذ معنى الأثر ـ La trace ـ . إنه مفهوم غير مكتمل المعنى أبدا. ثمة دائما معنى ناقص في انتظار الإنجاز المحتمل، لكنه الآن مستحيل. فمفهوم الحضارة إذن، مفهوم آني تداولي يعبر عن لحظة تداولية ما. ومن ثمة هو مفهوم مفتوح على التطورات والاحتمالات. لكن ما هو جوهري في معنى “حضارة”، هو كونها صناعة القوة وقوة الصناعة. أو لنقل بتعبير أوضح، إنها رسوخ في القوة ورسوخ في الصنائع. فأي كيان يعدم رسوخا في القوة ورسوخا في الصنائع، هو كيان مفلس حضاريا أيا كانت ثقافته. من هنا فإن الحوار أو الصراع حول هذه الحقيقة دونه خرط القتاد. فالصراع أو الحوار هو داخل الحضارة وليس ضدها أو معها. فالحضارات بما هي رسوخ قووي و صنعوي، ترسخ في الوجدان رسوخها في الميدان. والشوق إليها جبلّي. والنفور منها نشاز أو خور وضعف وعدم. فإذا لم يكن الحوار أو الصراع مع أو ضد الحضارة، فمع ماذا إذن هو يا ترى ؟


لعل هناك من يرى أننا نسلك مسلكا تأصيليا لمفهوم “الحضارة” سيسقطنا في ترف القول ولعبة الألفاظ. لكن رأيا كهذا ربما يغيب عنه الأثر الذي يمكن أن ينجم عن ذلك الالتباس الذي يحيط بالمفهوم في الصميم. فيتحول النزاع من المفهوم إلى الواقع. إنه أشبه ما يكون بوهم النزاع ووهم الصراع . فكل حكم ، ليس له واقع ، حينما يرتفع موضوعه !وها هنا نؤكد على أن موضوع الحوار أو الصراع ، هو موضوع تحيط به الأوهام. ومصدر هذا الوهم هو التسالم على مفهوم ملتبس للحضارة. إننا لا نسلك هنا مسلكا إيتيمولجيا (= اشتقاقيا) على النمط التقليدي لمزيد من الإطناب، بل نسلك مسلكا جينيالوجيا؛ لا بالمعنى التقليدي للتشجير النسبي الذي يهدف ربط السيرورة بالأصل المطلق، بل أقصد بها المعنى النقيض الذي تجثث فيه شجرة نسب المفاهيم، كما يصبح المعنى أكثر التصاقا بالخبرة التداولية منه بالأصل التواضعي. من هنا أقول بأن الخلط والالتباس الذين شهدهما لفظ الحضارة يظهر جليا حتى في اللغات اللاتينية، كالفرنسية والإنجليزية، حيث جرت العادة على اعتبار الحضارة هي مطلق الحضور للكيانات الثقافية. وإذا اقتصرنا على بحث هذا الالتباس في إطار التداول المفهومي العربي فسوف نجد أن الحضارة تحيل من الناحية الايتمولوجية إلى فعل الحضور. ما يمنحها دلالة تقابل معنى التنقل والترحال. فالحضارة هي إذن، مقابل البداوة والترحال. من هنا الحاضرة والبادية. وبما أن الحضارة القديمة التي نشأت قبل آلاف السنين كانت بالأساس، حضارات زراعية ـ وهو ما يمثل حسب “توفلر” ، الموجة الأولى للحضارة الإنسانية ـ فإن النشاط الزراعي يتطلب حضورا في المجال، طالما أن النشاط الزراعي يحتوي جميع الفصول الأربعة ويستلزم عناية بالأرض على مدار الحول. في حين، أن النشاط الرعوي الملازم لحياة البداوة والترحال يتطلب تنقلا عبر الفصول. فالزراعة تتطلب مكث الشتاء والصيف، وليس رحلة الشتاء والصيف. فالاعتماد إن على السقي أو على الأمطار يجعل من النشاط الزراعي نفسه صنعة تناقض الترحال. الأمر الذي انتهى إلى ذلك الربط التاريخي بين فعل الحضور وفعل الزراعة. وكما توحي العبارة باللغات اللاتينية نفسها Culture ، بمعنى ثقافة يعود إلى Agriculture بمعنى زراعة أو فلاحة الأرض. يقول ول ديورانت:” إن الثقافة لترتبط بالزراعة كما ترتبط المدنية بالمدينة”([2[).


إن ما يؤكد لدينا ضرورة الأخذ بالتطور التداولي للّفظ، هو أن كلاما مثل هذا يؤرخ إيتيمولجيا للحضارة باعتبار أن تمظهرها الأول تجلّى من خلال النشاط الزراعي. لكننا إذا رجعنا إلى ابن خلدون، فسوف نجد لديه معنى آخر، مناقضا لذلك تماما، فهو يتحدث عن النشاط الزراعي أو الفلاحي بوصفه نشاطا بدويا وليس حضريا. إذ خص الحضر بالنشاط الصناعي مما يدل على هذا التحول في دلالة اللفظ. لم تعد الزراعة نشاطا تقوم عليه الحضارات بل أصبح ذلك نشاطا بدويا محضا. فالجامع هنا بين الحضارة والبداوة، هو الحضور. ما يعني أن ثمة جديدا طرأ على مفهوم الحضارة. فالشكل الأول للحضارة (=أي الزراعية) غدا عند ابن خلدون وبناءا على نظريته في اتساع العمران مساوقا للبداوة. لذا نراه يقول :”ولهذا اختصت هذه الصناعة بالبدو إذ قدمنا أنه أقدم من الحضر ر وسابق عليه. فكانت هذه الصناعة لذلك بدوية لا يقوم عليها الحضر ولا يعرفونها لأن أحوالهم كلها ثانية على البداوة، فصنائعهم ثانية عن صنائعها ومتابعة لها..” ([3[).


نعود هنا إلى معنى الحضارة بما هي حضور معين في المجال. وهو حضور كما يؤكد الاجتماعيون منذ ابن خلدون؛ حضور جماعي تظهر عليه مظاهر العمران وبه تتسع الصنائع. ما يكسب الاجتماع تحضرا وتمدنا. فالحضارة عند ابن خلدون تأخذ معنى التمدن أيضا. ما يجعلها تأخذ عنده المعنى ذاته لـCivilisation في اللغات اللاتينية ـ أنماط وعوائد خاصة زائدة على الضرورة ـ هذا المزج التاريخي بين الثقافة والحضارة ـ وإن كان له ما يبرره في العصور القديمة، فإن استصحابه سيكون مضرا بالمفهوم وحاجب لجوهر النشاط الحضاري، ذلك لأن هذا الاستصحاب استمر حتى اليوم، ونجده متداولا في الكتابات الغربية. لأنه إذا كان النشاط الزراعي هو مظهرا للموجة الأولى للحضارة كما يؤكد “توفلر”، فإن الموجتين الأخيرتين ليستا زراعيتين. وقد كان ابن خلدون واعيا بهذا التحول لما حكى عن موجة جديدة في الحضارة تسمو على النشاط الزراعي. فهي تقوم على النشاط الصناعي. وبقدر ما يتميز هذا النشاط بتعقيدات الصنائع واتساع فاعليتها، فهو يتميز أيضا بما تتركه هذه الصنائع من ليونة في الطباع (= ما يفيد التمدن) ومهارة في الثقافة والمعرفة، وازدهارا في أنماط العمران. يقول :”فتعظم لذلك ثروتهم ويكثر غناهم وتزيد عوائد الترف ومذاهبه وتستحكم لديهم الصنائع في سائر فنونه وهذه هي الحضارة” ([4[).


إنها (= الحضارة) كما رأينا عند ابن خلدون، استحكام الصنائع وشموليتها. الحضارة هي استحكام التقنية وشمولها لكافة النشاطات والفنون. إذن، فالتحول الدلالي للحضارة، يتضح جليا من حيث أن الحضارة في الأصل هي زراعية. ثم سرعان ما أصبحت الزراعة صنعت بدوية مناقضة للتحضر. بل هي صنعة ثانوية بالمنظور الخلدوني. الأمر الذي يعزز وجهة نظرنا، إذ أن المعنى التداولي التعيني يمكن أن ينقلب على المفهوم التعييني الابتدائي انقلابا تناقضيا. فالثقافة أصبحت تحيل إلى المخزون الرمزي والموروث الروحي لجماعة ما أو أمة ما. من هنا أصبح للحضارة معنى خاصا جدا. في حين أصبح للثقافة معنى عاما. فلئن كانت الثقافة بهذا المعنى لا تقتصر على حياة الحضر أو الحضارة بالمعنى القديم المقابل للبداوة، إذ للحياة الرحلية مهما بلغ مبلغها في التوحش، رصيدها من هذا المخزون الرمزي. فللجماعة الرحلية خطابها وفعلها التواصلي وتعابيرها وأشعارها وأمثالها وفنونها وأنماطها وعوائدها… وهكذا باتت الحضارة التي كانت بالأمس تطلق فقط على نمط حياتي معين، أصبحت اليوم تطلق على كل الكيانات الثقافية المتطورة منها والوحشية سواء بسواء. مما أدخل المفهوم في عمومية مفرطة، حيث حلت إشكالية وحدة جنس الثقافة وماهيتها التاريخانية لفائدة المعنى النسبي. لكن وبالمقابل أدخلتنا في لبس جديد وعمائية فظيعة، من حيث أن المفهوم أصبح مشتركا، لا شي يميز بين هذا النمط أو ذاك ـ هذا من جهة ـ ومن جهة أخرى ، قطعت الطريق نهائيا أمام فعل المقابسة ، كما سقطت في تبرير العطالة الحضارية وتعزيز مبدأ القناعة والاكتفاء. لقد أكدنا مرارا على أن هذا المزج، هو تقليد أمريكي بامتياز. لعله راجع إلى الذهنية الأمريكية ذاتها ، حيث ظهرت بشكل واضح في مقالة هينتنغتون، حول صدام الحضارات. وهي الذهنية التي يصفها جون جراي John Gray :”والمعيار الذي يستخدمه هينتنغتون ضمنا في أغلب الأحوال إنما يعكس الفكرة الأمريكية المتسلطة بشأن تعدد الثقافات. فالثقافة أو الشعب يعد حضارة إذا كان له ما لأقلية أمريكية من فاعلية سياسية. وفي غير هذه الحالة فهو يتجاهلها ([5[)”.


فظاعة هذا التساهل والمزج، يضفي صورة على الولايات المتحدة الأمريكية، ليس كجزء متقدم من الحضارة الغربية الحديثة، بل كمصرع لحضارات مختلفة.


وجدير بنا أن نضم إلى هذا المنحى موقف أحد رموز ورواد مدرسة الأنال، أعني فرنا ند بروديل ـ Fernand Braudel ـ وهو رأي وجيه إذا ما حصرناه في هذه النقطة. لأنه رأي مبني على رؤية شمولية، لم تغفل التفاصيل الميكروية للحياة الاجتماعية والحضارية. فمؤرخ الأشياء والتفاصيل اليومية للحضارات يذكرنا بهذه القاعدة الكبرى حينما يقول : “والقاعدة العامة، هي أن الحضارات تغلب وتكسب. إنها تكسب وتغلب (الثقافات)، وتغلب الشعوب البدائية” ([6[).


بل هي بالأحرى حضارات هشة أو حضارات غير مكتملة، لذا يقول فرنان بروديل: ” فقد انهارت تلك الحضارات الهشة التي كانت في حقيقة أمرها مجرد ثقافات، أمام عدد قليل من الرجال فقط“.


قال هذا الكلام ـ طبعا ـ في معرض حديثه عن اكتساح الأوروبيين للبيرو وأفريقيا السوداء. لم أكن قد اطلعت بعد على موقف مؤرخ الأنال، حينما تكون لدي مفهوم عن الثقافة باعتبارها حضارة بالقوة وليست حضارة بالفعل. بل هي “هيولي” الحضارة ومادتها. وذلك لأن الثقافة لا تستطيع أن تتحول إلى حاضرة إلا إذا استجابت لجملة من الشروط تخرج بموجبها من القوة إلى الفعل. فالثقافة هي حضارة بالقوة. إلا أنني لمست ذلك بوضوح لدى بروديل الذي عزز عندي هذا المعنى، بقوله :”والثقافة هي حضارة لم تبلغ بعد نضجها، لم تبلغ ذروتها، ولم تؤكد نموها” ([7]). ما يعني أنها لا تزال في سجنها القووي في انتظار شروط نضوجها وإنجازها. إذا كانت الحضارة هي “القوة” أو “قوة التقنية”، وهي من الناحية الفلسفية مرتبة الفعل والإيجاب من الثقافة، فإن الثقافة تأخذ معنى فكريا وسلوكيا، أي وظيفيا. أو لنقل ـ كما يعبر حسين دكروب ـ “تصبح (الثقافة)” حالة مزدوجة الإيقاع، إنها حالة داخلية بالدرجة الأولى، هي تعبير عن طريقة في التفكير والإحساس، وهي بالدرجة الثانية تعبر عن طريقة ما في التكيف التموضع مع المحيط” ([8[).


وما يعزز حقيقة التطور في محتوى ودلالة مفهوم الحضارة، أن ما يبدو مقابلة تقليدية بين الحضارة والبداوة التي تعني التوحش، كما رأينا ذلك عند بن خلدون


، فضلا عن أنها مقارنة تاريخية متجاوزة أنتربولوجيا، فإن الحضارة اليوم أصبحت تتجه في أنماطها إلى عوائد كنا حتى فترة ما ، نعتبرها أنماط بداوة وترحال. لنأخذ على سبيل المثال ظاهرة “الحرب”. فقد كانت الحضارات في السابق عرضة لاجتياحات تقوم بها جحافل من الخيالة والغزاة من البدو الرحل. لقد كانت الغارات والحروب إذن خاصية بدوية ضد الحضارة. لم يكن في بال ابن خلدون وهو يصف اجتياح بني هلال وبني سليم للممالك البربرية، مرجعا ذلك إلى خشونة البدو وليونة الحضارة . غير أن التقنية كانت قد عوضت ذلك و أكسبت الحروب الحضارية قوة تدميرية تفوق خشونة البدو وقسوة طباعهم، وإذن، قبل أن يحسم البارود والمدفع في قلب هذه المعادلة ـ حيث أصبحت البداوة عنوانا للسكون والخمول والسلم، في حين أصبحت الحضارات هي من يقوم بغزو العالم واستيطان الشعوب. وأمامنا طبعا الصورة الوحشية لما عرف بـ”غزو الغرب” التي قادها الغازي الأوروبي ضد القبائل الهندية ـ أي انقلاب مفهوم الغزو من كونه نشاطا بدويا على كونه نشاطا حضاريا، تحت مبرر نشر الثقافة وتبليغ التحضر ـ فهو ضرب من الارتداد للنشاط الحضاري. ما يهمنا هنا، هو أن تلك الغزوات التي كان البدو الرحل يشنونها على المدنيات الآمنة، كانت تتسم بالسرعة والفورية على شكل غارات سريعة ومفاجئة، بينما أصبحت السرعة خاصية حضارية. سواء على مستوى تقنية الحرب أو على مست

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

16
  • أبو ذر المغربي
    الثلاثاء 9 فبراير 2010 - 11:03

    ورد على سبيل المثال لا الحصر أخطاء مطبعية، نتمنى ألا تؤدّي بأستاذنا هاني دايْمن ـ و الحمد لل ـ إلى مخافر شرطة المخنز.
    1. البرّ و البحر “(ويعلم ما في البحر والبحر)(59/الأنعام)”
    2. سورة الحج “أو قوله تعالى : (فكأي من قرية أهلكناها وهي ظالمة)(الحاج /آية 48).”
    3. ماهي أسباب “لكن، ما هي أسبابا هذا الخواء وما هي سيماته و مصاديقه ؟”
    أما عن سؤالك حول “حوار الحضارات” أظن أن ذلك من الخرافات التي يؤمن بها إنسان عصر السماوات المفتوحة! و لو كان هناك حوار فلم إذن التسابق إلى التسلح و استخراب الجنوب…؟
    مجرّد 400 امرأة تحمل النقاب كشفت عورة حضارات المادة و الشعارات الرّنانة.
    إذا تواضعنا على مفهوم للحوار، يجب أن تكون الحضارتين متقاربتين أو متساويتين، لكي يتم هذا الحوار، و إلا سنقع في مثال المغفّلين في المغرب حيث يعتقدون في حوارهم مع فيَلة الرأسمال و القوة في العالم.
    أبو ذر المغربي

  • مغربي درويش
    الثلاثاء 9 فبراير 2010 - 11:19

    ذكرني هذا المقال بمقولة لاحد اللغويين العراقيين حين قال انه يمكن التخلي عن 2/3 القواعد اللغوية و لن يطرأ اي تغيير على سلامة اللغة العربية .و ينطبق الامر على كل كتاباتك فيمكن التخلي عن 70/ مما تكتبه ولن يطرأ تغيير على ما تريد ايصاله الى المتلقي . قرأت تقريبا كل مؤلفات الفيلسوف محمد عابد الجابري و لم اجد صعوبة في التعامل معها رغم انه يكتب للنخبة.اعتقد شخصيا و الحال كذلك ان الحضارة الاسلامية لا يتعدى و جودها مجال اللغة و الاطناب ما عدى ذالك فهي تعيش حالة استلاب .اذا كنا نعيش زمنا ممتدا في الماضي على مستوى اللغة/الفكر فكيف السبيل الى التغيير . اكتشفت الكثير من المستجدات الفكرية و الفلسفية من خلال كتاباتك لكن كثيرا ما يصيبنني الملل في متابعتها لك مني جزيل الشكر.  

  • General
    الثلاثاء 9 فبراير 2010 - 11:23

    c tros bien cette article

  • الزمزمي الحقيقي
    الثلاثاء 9 فبراير 2010 - 11:25

    أحسنتم أيها الكاتب البارع ..نحن ندرك أن الكائنات الدنيا لا تدرك الكائنات العليا والشرف بالعلم..ومع أكثر من لا يفهمك

  • لبراهمي
    الثلاثاء 9 فبراير 2010 - 11:07

    الكثير منا حين يريد احيانا الحديث عن نفسه ومسكنتها فانه يلجا الى مصطلح _درويش _ وكان الاخرين عفاريت وربما ان هده الطريقة في تحقير الدات هي ضرب من الحنين الى العبودية والى جر الاخرين الى اغلالها_ تبت ايدي اصحاب الدل والمسكنة المتجلببين بالدروشة _ فمن دون اطلاق العنان للابداع وللتحرر الهادف سنبقي ابد الدهر بين الحفر .

  • أبو ذر المغربي
    الثلاثاء 9 فبراير 2010 - 11:29

    الكاتب يفرّق بين الحضارة و الثقافة، و يعتبر أن الحضارات لا تتحاور فيما بينها. أصلا إذا كان “تحاور” فلماذا كل يغنّي على ليلاه ؟ و لماذا “الأمن الروحي”؟ و لما التّسلّح و التسيّس ؟
    أنقر هنا لتتمة التعليق
    أبو ذر المغربي

  • Hicham
    الثلاثاء 9 فبراير 2010 - 11:05

    Assalam Aleikoum wa Rahmatou allah,
    Désolé chers frères et soeurs d’écrire en français, je ne dispose pas des outils nécessaires pour écrire en arabe.
    Depuis un certain temps, les articles de Monsieur Hani sont devenus un terrain de débat et surtout d’affrontements entre les persécutants du chiisme et ceux ayant un penchant vers cette branche.
    N’ayant personnellement aucun à priori, je regrette parfois les termes utilisés ou les moqueries répétées par certains lecteurs. un débat se respecte, il a ses régles et toute fermeture d’esprit ou retranchement n’a pas lieu d’être. Laissons ce Monsieur s’exprimer et là on aura deux voies: soit il arrive à convaincre, auquel cas, nous apprendrons tous, soit, il dit des choses incohérentes et la on doit discuter calement avec lui en lui posant les questions qui vont bien, pour qu’il puisse s’expliquer ou le cas échéant changer d’avis. Nul n’a la science infuse et la discussion constructive peut apporter beaucoup de Hassanate inchallah et comme c’est écrit dans le saint Coran “wa jadilhoum billati hiya ahssan”
    Wa salamou aleikoum wa rahmatou allah

  • المختار
    الثلاثاء 9 فبراير 2010 - 11:27

    إن التاريخ الإنساني هو تاريخ واحد وبالتالي فالحضارة إنسانية و واحدة وهي ملك للجميع ،صحيح أن لكل حقبة
    رجالاتها ومداركها ومعارفها وطموحاتها ومرجعياتها وأدواتها التي تساير زمنها وظروفها لكن مع ذلك يبقى
    لكل حقبة أثرها في تاريخ البشرية ولكل جيل بصمته في صنع الحضارة الإنسانية ، ولو بقسط ضئيل من الجهد
    والاجتهاد والاكتشاف وبمجهودات وتضحيات الأجيال السالفة نحن اليوم نقف بين أحضان حضارة تاه في ثناياهاالإنسان وعظمت سلبياتها رغم ذروة التقدم واختلطت المفاهيم وتنامت الصراعات فبات هذا ينادي (بحوارالحضارات)
    وآخر (بصراع الحضارات) وذاك( بتعارف الحضارات) وكأننا أمام حضارات مختلفة قائمة بذاتها والحقيقةالثابتة أن الحضارة هي واحدة ، متسلسلة الحقب ومتشابكة المعارف والاكتشافات والتطورات أساسها الإنسان.
    وحتى نتمكن من تناول هكذا مواضيع علينا إدراك ثلاثة مفاهيم هي ضرورية : الحضارة والمدنية والثقافة، وبما
    أن الحضارة لا تتحاور وببساطة لأن في هذا العالم حضارة إنسانية واحدة وهي رزمانة من المكتشفات العلمية التي توصل لها الإنسان والتي هي خارج حدود الزمان والمكان والمدنية : هي تعمل على تحويل كل المكتشفات الحضارية الى نفعية اجتماعية والتي تتبلور وتتشكل حسب الظروف الزمنية والمكانية والثقافة :هي المولودةالتي تولد وتترعرع في اطار المجتمعات وتتأثر قطعا بأسلوب وطريقة تفكير أهلها وللمعتقدات والأديان دورا كبيرا في تشكيلها.وعلى إثر هذا الفهم سنكتشف ونقتنع بأن جل الخلافات بين الأمم هي في إطار الثقافة لا الحضارة والمدنيةلكون الحضارة مشتركة بين البشر والمدنية تساير التقدم الحضاري وتتلون بألوانه في حين أن الثقافة لا يمكن إلاأن تكون مختلفة والملاحظ كذلك بأن كلمة (الثقافة) باللغة العربية تتفوق تفوقا واضحاعن كلمة(الحضارة)لتركيزها على الجوانب النظرية والفكرية والروحية والفنية والجمالية بصفةعامة، ولهذا فالحوارات يجب أن تتمحور حول الثقافات وللتوصل إلى النتائج الحقيقية والحلول الدائمة يجب ان يكون
    هذاالحوار مبنيا على الاحترام والمساواة والتسامح والمصداقية وأن لا يكون وليد ظرفية معينة.

  • أحمد الشامي
    الثلاثاء 9 فبراير 2010 - 11:13

    التقيتك على هامش مؤتمر حول حوار الحضارات في دمشق بداية 2002، برعاية إيرانية
    كنت تدخن سيجارة مالبورو و ترافق بشكل لصيق أستاذك السعودي زكي الميلاد
    حينها كان حوار الحضارات مشروعا كبيرا
    المثير أن مداخلتك التي أتذكر منها تعبير “التعب السيزيفي” قد دوخت الجمهور و جعلته ينام عن وجبة الغداء
    هل ما زال الإيرانيون يدفعون تكاليف سفرك و يؤمنون مشاركاتك السيزيفية في المؤتمرات؟

  • عبد الجليل
    الثلاثاء 9 فبراير 2010 - 11:09

    حقا، معرفة النفس تأتي أولا، ليس على شاكلة الأمر السقراطي (اعرف نفسك بنفسك)، ولا بالأحرى على شاكلة الأمر المضمر في قولك (اعرف الحسين تعرف الحضارة)، وإنما على شاكلة من كانت الحكمة ضالته فاتخذ لها كل سبل المجاهدة بحسب ما يطيق. ومن بين السبل المتعارفة طلب العلم والصواب، بعيدا عن لوك النتف المتهافتة كما هو دأب السيد هاني في مقالاته المكررة والمجترة (معظمها سبق نشره). خذ مثلا: فكون الحضارات لا تتحاور يعد أمرا بديهيا يدرك من تحليل اللغة، لأن الحضارات ليست أشخاصا عينية، لكنها تتشخص ثقافيا واجتماعيا في الناس من خلال ما يقومون به من أعمال. ثم كون الوجود الاجتماعي والتاريخي للناس عبارة عن تدافع وتنازع دائم يقود إلى إدراك أن الحوار الحضاري المطلوب تفاعل وتبادل محكوم بكل أسباب التدافع والتنازع في تدنيها وابتذالها. وهذا هو الابتلاء بكل أبعاده التي ليست أحادية ولا ثنائية. وبالتالي، فإن دعوى “التبني الحضاري” تصير أسخف من “التجديد الجذري” المقطوع عن أسباب الإبداع كما هي عند أصحابها. ومن هنا فإن معرفة “الحسين” (ع) لا تكون إلا بمعرفة سنة جده محمد سيد المخلوقين والمرسلين (ص). لكن كيف السبيل إلى ذلك والنفس مريضة ومفتونة وأمارة بالسوء؟ مريضة بفعل الحضارة نفسها كسيرورة تتداخل فيها آثار العصور. كيف السبيل إلى أن يشفي المرء نفسه من أمراضها فيتخلص من كل الشوائب التي تمنعه من طلب الحق والصواب؟ إنه لوهم كبير أن يظن بعضهم أن غواية الخطاب اللغواني هي السبيل. وأشد منها أن يدعي أحدهم إمكان العودة إلى السنة المحمدية بالاعتماد على متون من الكلام المدفون بين صحائف القدامى أو المنتزع من سياق المعاصرين مُغيِّبا كل الشروط “الحضارية” التي تعمل من داخل النفوس على نحو لاشعوري وغير واع. فما السبيل إلى تحصيل الوعي بكل تلك الأسباب الخفية التي تحدد الأعمال بما فيها فعل الكتابة نفسه؟ أكيد أنه ليس “خطاب اللغوى” ومضغ الكلام خارج كل شروط الممارسة الفكرية والعلمية بضوابطها المعروفة. ليس السبيل بهذا الشكل اللغواني المتهافت أقولا مرسلة عارية من كل ضبط.

  • فارس. رباط الخير
    الثلاثاء 9 فبراير 2010 - 11:11

    لي ملاحظات:
    1- صاحب المقال يريد أن يقول أشياءا كثيرة في مقال واحد، فتتداخل الأغراض، ويشوش على القارئ، ويشتت تركيزه، وكم من مقال وجيز مفيد؟
    2- الحضارات في حقيقتها تعيش صراعا مزدوجا، فهي من جهة تتصارع مكوناتها، وتتزاحم هوياتها، وتتدافع قومياتها،.. حتى تكتسب شكلها الذي تظهر به أمام الاخرين قائمة على سوقها،وإن لم يكتمل شكلها، إذكمال شكلها موذن بخرابها، على قاعدة:”ليس بعد الكمال الا النقصان”، ومن جهة أخرى تتصارع مع الاخرين لضمان مكانتها، واستمرار نسلها، وامتداد جناحها لتظل الاخرين، وهي في كل ذلك تأخذ من الاخرين:غصبا مرة، وبيعا أخرى،وابتزازا واستبدادا، على قاعدة:”العاجز من لايستبد”. كما يأخدون منها ويكيفون ما يأخذون كذلك.
    ذلك الأخذ والعطاء السلمي والقهري، يتم قهرا- استعارة من لدن الفقهاء- وقدرا – من لدن المتكلمين- وهو الذي نسميه تفاعلا حضاريا، وذي القاعدة الحاكمة للعلاقة بين الحضارات، جمعا لا إفرادا، وهل كان الفراعنة أنكيين يوما؟ طبعا:لا.
    3- نص العلماء على أن اللفظ يكتنز معان على قدر كثافة الاستعمال، حتى يصير غامضا في بعض الأحيان، بل قد يفرغ من معانيه كلها ويبقى أجوفا، “كأعجاز نخل خاوية”، وذلك حال “الحضارة”و”الحرية”..وكم من مصطلح يطوي مصطلحات أخرى ليعطي”المصطلح النسق”، إذ هو مركب من مصطلحات أخرى تشكل بنيته، كأنها نسقه، وتلك مثل “الحضارة” الضام لمعنى المدنية و الثقافة، إذ الأولى منتوج ذهني فكري منهجي، والثانية تشكيل للأول في قالب مادي تكنولوجي.
    والله أعلم.

  • موسى
    الثلاثاء 9 فبراير 2010 - 11:33

    لم أفهم ماذا يريد الاخ الشامي . رأيتك في مؤتمر قلت سيزيف ولم نأكل كنت تتبع استاذك زكية الملاد هل فهمتم شيئا من هذا الكلام. كل ما يمكن ان يفهمه العاقل من هذا الكلام غير مفهوم ان صاحبه من جمهور الحاقدين على الادريس. وقد قرأت ورقة له عن حوار الحضارات في نفس المؤتمر فوجدتها رائعة. هل تعتقد يا شامي انك ستعرف بمن يكون هاني . واكبر دليل على ان نظرك فاسد ان تقول رايته يتبع استاذه الملاد وكل من يقرأ لهما يعلم ان هذا في واد والاخر في واد. والكل يعرف ان استاذ ادريس ناقد لجهابدة الفكر العربي من طراز المرزوقي والجابري وطه عبد الرحمن كيف تقارنه بملاد يا امّي انت لا تعرف الرجل يا شامي يا عبيط. اما الكلام عن مصاريف السفر لحضور مؤتمر فقد حضر في المؤتمر كما نشرته وسائل الاعلام شخصيات مثل نادية مصطفى وحسن حنفي وطيب تيزني فهل هؤلاء يدفع لهم مصاريف. يا شامي اكذب على من لا نعرفه

  • احمد
    الثلاثاء 9 فبراير 2010 - 11:15

    فهمنا الكثير من مقالة الكاتب لكننا لم نفهم شيئا من مقالة طه عبد الجليل الذي يظهر انياب حقده على الكاتب كلما وجد جديدا يحاول ان يغطيه بالغربال المثقوب. وهل بتعذر على أي عابر سبيل ان يتكلم كلاما اكبر منه في هذه التعاليق. ولكنني فهمت من هذا الذي تقطر انيابه بالحقد على من انتقد شيخه المغرور بنفسه انه يخالفه حتى في البديهيات. مثالا على ذلك ان الحضارات لا تتحاور اعتبر انها بديهية. وهذا يدل على ان طه عبد الجليل يقرأ مجازات الكاتب كحقيقة وهي مغالطة بليدة بينما الكاتب يتحدث عن التأويل. ويجب على عبد الجليل المغالط ان يعلم بان كلمة ان الحضارة هي رسوخ في الزمان والمكان كما بينها في مقاله هي العبارة ذاتها التي سرقها طه عبد الرحمن ورددها في محاضرته عن حوار الحضارات. هل تدافع يا حاقد على شيخك وانت لم تعرف مواقع سرقاته الادبية. اما قضية الضيط التي مسكتم بها مثل البلداء لتغليط القراء فانت ابعد منها لانكم لم تقدموا البديل الذي ننتظره حتى نجعلكم تتدحرجون مرة اخرى . يا مسكين انت تقلد الكاتب في مصطلحاته واسلوبه وتنتقده بحقد . كيف ننتقد كاتبا ونحن نردد اسلوبه يا غبي .. لماذا تقستعمل كلمة
    الشكل اللغواني ومضغ الكلام وهي عبارات من ابداع الكاتب اليس هذا دليل على انكم تستغبون القراء. ننتظر بديلكم الذي ستسجد له البشرية انبهارا وحتى تحقق ذلك الهدف احلموا يا اولاد طه فانتم اثقل على العقل وعلى القلب فتكوثر شركم بعقل مؤيد بإبليس اللعين ههههه

  • arzaris
    الثلاثاء 9 فبراير 2010 - 11:31

    لن تتغير يا هاني صار لي زمان لم أقرأ خزعبلاتك التي تنضح سبإية هل أثرك فيك التخدير الإيراني في قم حتى أصبحت لا تجيد قراءة العربية حتى تنقل لنا كتاب الله دون تحريف و لا أخطاء سلوات سلوات على أسياد نعمتك
    صحح الأيات بالرجوع إلى القرآن الكريم
    وأسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر
    إنا مكنا له في الأرض وأتيناه من كل شيء سببا
    ولقد كرمنا بني آدم و حملناهم في البر و البحر
    أو لم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا
    هذا وإن للطاغين لشر مآب
    وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها صالحون
    أما ذكرك الأيات ناقصة فقد اجتهدت فيه بمواضع كثير منها
    (أوكالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها)
    من هذا يتجلى أنك يا هاني صرت تتكلم بلسان فارسي مبين فأعطيت كلامك و خزعبلاتك كل الوقت حتى لا يشمله أي خطأ لغوي أو مطبعي أما كتاب الله الذي ربما تعتقد بتحريفه فلا شأنك لك بضبط آياته
    فالأحرى أن تتمعن آياته و مع هذا تجد أتباعا شملهم العطف الفارسي يدافعون عنك

  • خالد
    الثلاثاء 9 فبراير 2010 - 11:17

    يعتبر عبد الجليل دعوة ادريس هاني الى اعتماد تأويل الكتاب في حل مشكلة الامة لغونة لانه يريد ان يقول ان المخرج في مشروع طه وليس في القرآن وتأويله لقد قرات كتابات طه عبد الرحمن وأراءه في العولمة وحوار الحضارات ولم نجد فيه رايا يشبه هذا المقال . الاشياء واضحة يا عبد الجليل وكلام الكاتب اوضح من كلامك واعمق منه فلا تواصل فضح نفسك

  • عبد الجليل
    الثلاثاء 9 فبراير 2010 - 11:21

    مرة أخرى تقول “طه عبد الجليل”، وتهاجم طه رغم أنه لا شيء في تعليقي يشير إليه، فتؤكد أنه لا أحد يزعجك غيره. وتقول بأني أظهر “أنياب حقدي على الكاتب” كما لو كان بيني وبينه حسابات شخصية، وأنا لا أعرفه مطلقا إلا بما هو كاتب كغيره. أما الجديد التي تزعمه، فهو ما أعترض عليه كناقد وليس -كما تريد أن تجعل مني- كحاقد أو حاسد. وتقول بأن اعتباري عبارة “الحضارات لا تتحاور” بديهية يترتب عنه أنني أقرأ مجازات الكاتب كحقيقة، فأقع بذلك في مغالطة بليدة. ترى من منا يغالط؟ هل الذي يحلل التركيب اللغوي بعيدا عن المجازات الزائفة أم من يرسل الكلام إرسالا بدعوى سعة التأويل المجازي كما لو أن التأويل لا حدود لها في اللغة أو خارجها؟ وتوجب علي أن أدرك كون كلمة “الحضارة” تدل على معنى “الرسوخ في الزمان والمكان” كما يدعي صاحبك ظانا أنه أتى بدعا من الفكر، في حين أن شيئا من فقه اللغة يقود إلى أن معنى “الحضارة” في العربية يرتبط بمعنى “الحضور”. فكيف يكون الحضور رسوخا في الزمان والمكان؟ وأي حضارة تعد راسخة في الزمان والمكان بذلك المعنى؟ وأين يمكنك أن تجد هذا المعنى في المقابلات الأجنبية (اللاتينية والألمانية بالخصوص)؟ وتتهم طه بالسرقة كما لو كانت اللغة العربية ملكا خاصا بصاحبك، بل تتهمني أنا أيضا بالسرقة من صاحبك لأني أستعمل لفظي “لغواني” و”لغوانية” مردودين عليه. ألا تعلم أن استعمال مثل هذه التهمة بهذا الشكل سخافة كبرى لا يلجأ إليها إلا من بلغ به الاعتزاز بنفسه حدا لا يطاق؟ وأراك تسرع دائما إلى الشتم كما تفعل باستعمال كلمات “حاقد” و”غبي” في موقع تدعي فيه المطالبة بالبديل. فهل هذا هو بديلكم الخاص في دفع الأفكار؟ وتزعم أن اعتراضي على دعوى “التأويل” ليس وراءه سوى قصد التمكين لمشروع طه، فتثبت من حيث لا تدري أن ما يزعجكم إنما هو هذا المشروع وصاحبه. لكني أعترض بالأساس على الخطاب اللغواني لصاحبك الذي يفتقد أدنى شروط الخطاب ككلام قويم ومحكم.

صوت وصورة
ميطا 3 | تحليل مواجهة "الأسود" ومالي
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 21:17 6

ميطا 3 | تحليل مواجهة "الأسود" ومالي

صوت وصورة
ضيوف من الفضاء
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 20:36 1

ضيوف من الفضاء

صوت وصورة
أزمة المواقف مستمرة وسط البيضاء
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 15:32 4

أزمة المواقف مستمرة وسط البيضاء

صوت وصورة
أبي رقراق ينبض بالحياة
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 13:32 1

أبي رقراق ينبض بالحياة

صوت وصورة
طرق مدمرة وخدمات غائبة
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 11:18 4

طرق مدمرة وخدمات غائبة

صوت وصورة
ما علاقة الخريف بالأمراض التنفسية؟
السبت 3 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ما علاقة الخريف بالأمراض التنفسية؟