في العادة والمألوف في تاريخ الشعوب أن المناخ العام المتسم بالاحتقان والقلق يحتاج إلى معالجة متعددة الأبعاد والمستويات؛ ومن خلال التجربة المغربية، فالخطابات الملكية منذ عيد العرش ومرورا بخطاب 20 غشت وصولا إلى خطاب افتتاح الدورة الخريفية للبرلمان جاءت وفق الأبعاد التوجيهية والإجرائية التي غايتها معالجة بعض الاختلالات الاجتماعية والإدارية والتدبيرية، وتضمنت مجموعة من التدابير والإجراءات المؤطرة بأجندة زمنية محددة.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه في الظرفية الراهنة يتمثل أساسا في مدى تفاعل الرأي العام مع الإشارات والإجراءات المعلنة من طرف الملك؟ بمعنى آخر، هل الأبعاد المرتبطة بالتوجيهات والتوجهات الإصلاحية والتدابير العملية المحددة بسقف زمني كافية لامتصاص الغضب وتخفيف الاحتقان وتحسين مناخ الاستثمار؟ أم أن هناك أبعادا ومداخل أخرى لا ثقل أهمية عن الأولى في عملية الإصلاح؟.
إن التعاطي مع هذه الإشكالات يتطلب نوعا من الرصد والملاحظة لكيفية تعاطي وتجاوب الشارع مع الخطابات الملكية الأخيرة، خاصة المتعلقة بعيد العرش وثورة الملك والشعب وافتتاح الدورة الخريفية. هذا بالإضافة إلى ضرورة استحضار بعض التجارب والمحطات المشابهة عند بعض الدول.
وتجدر الإشارة في هذا الإطار إلى أنه يصعب من الناحية المنهجية الإقرار بنتيجة معينة أو خلاصة يمكن الاعتماد عليها لتأسيس تصورات أو رؤية مغايرة، أو خلاصة تصب في اتجاه معين؛ لكن هذا لا يمنع من الاعتماد على ردود الفعل والانطباعات ومختلف التعبيرات الموجودة على منصات التواصل الاجتماعي، للإقرار بأن ثمة شيئا ينقص، وبأن هناك أبعادا أخرى جرى إهمالها أو لم تؤخذ بعين الاعتبار، وأن هناك محاذير و”فرامل” حالت دون حدوث التأثير المفترض لتلك الخطب أو التفاعل المنتظر منها، خاصة من طرف المجتمع.
هذه الأبعاد ترتبط أساسا بالأفكار والتصورات التي تساعد على التعبئة وحشد الجماهير، وهي أبعاد نفسية وثقافية تجمع بين التاريخ والمستقبل وبين الماضي والحاضر، مليئة بالرموز والقيم والمتخيل، وتتفاعل بشكل مباشرا مع الانتظارات والتخوفات والآمال. فالمحطات الكبرى في تاريخ الشعوب تؤسس على فكرة أو مشروع أو تصور، لاستعاد الثقة ولتعبئة الجماهير خلف القائد. وفي خطوة ثانية، يتم إعلان التدابير والبرامج وطرق التنفيذ والسقف الزمني وغيره، وكل ما يندرج في ما يسمى السياسات العمومية..
والتجربة الأمريكية غنية بالتجارب والمحطات التي كان الفصل فيها لبعض الشعارات أو الأفكار التي حسمت الصراع الانتخابي في معظم الأحيان، مثل رفع شعار التغيير وغيره..لكن، في التجربة المغربية، يجب الإقرار بأن عهد محمد السادس جاء تحت شعار “العهد الجديد” أو “ملك الفقراء”…وسمحت هذه الشعارات أو التصورات بخلق تعبئة غير مسبوقة في الأوساط الشعبية، مكنت المؤسسة الملكية من تقوية مكانتها السياسية والاجتماعية. واستتبعت تلك الأفكار والشعارات بخطوات وتدابير (المفهوم الجديد للسلطة، الأنصاف والمصالحة، الأوراش الكبرى، المبادرة الوطنية للتنمية البشرية)، عززت بدورها وأغنت رصيد المشروعيات التي ترتكز عليها الملكية؛ فبالإضافة إلى المشروعية الدينية والتاريخية، انضافت المشروعية التنموية بفعل زيارات الملك إلى المدن والقرى والمداشر (المكوث بقرية انفكو في فترة الثلج لمدة تزيد عن أسبوع..) وتدشين مجموعة من المشاريع.
على صعيد آخر، فطيلة الفترة الممتدة من خطاب الملك في 9 مارس 2011، أي لما يقارب ثماني سنوات، لم يكن هناك ما يقوي أو يسمح بالحفاظ على المكانة الاجتماعية للمؤسسة الملكية، بل بالعكس، فالصراع الخفي الذي يخاض بأشكال مختلفة مع الإسلاميين المنخرطين في العملية السياسية وخارجها، أفقدها ونال من بعض رصيدها المعنوي والرمزي، خاصة في ظل تفاقم وتردي الوضع الاجتماعي، وممارسات ومناورات كل من رئيس الحكومة السابق، بنكيران، الذي استطاع أن يمرر خطابا ورسائل مفادها أنه لا يحكم، ورئيس حكومي حالي يمرر بدوره الرسالة نفسها من خلال صمته وكلامه الذي يوحي بأنه مجرد موظف سام وليس رئيسا للحكومة بصلاحيات كبيرة ويشرف على تعيينات في مناصب سامية تفوق ألف منصب..
في المحصلة، فالجيل الجديد من الخطب الملكية في مجمله تشخيصي/إجرائي، لكنه يفتقر إلى الروح أو المعنى، فهو يحتاج إلى إطار أو سياق يحفز ويشجع ويجعله ينفذ إلى وجدان المغاربة، وإلى نخب جديدة، ونفس جديد في التدبير؛ لأن الأبعاد الأخرى المعنوية والنفسية المؤسسة على فكرة أو تصور أو شعار مرحلي تظل بدورها مهمة وضرورية على الأقل في المرحلة الراهنة، لأنها تساعد على تعبئة وحشد الجماهير؛ فالمواطنون وأغلب الفئات في المجتمع قد لا يعنيها في شيء الحديث عن مجموعة من الإصلاحات من قبيل “ميثاق اللاتركيز” والجهوية وإصلاح المراكز الجهوية للاستثمار وغيرها؛ فرغم أهمية هذه الأوراش الهيكلية فإن المدخل العام والمفتاح الرئيسي في المحطات المهمة هو القدرة على تعبئة الناس، وعلى خلق اصطفاف جديد، والقدرة كذلك على استعادة الثقة وجمع الناس حول فكرة أو تصور جديد.
بالنسبة لي ، الخطاب الملك أمر مولوي وإستنادا للدستور من الفصل 41 إلى الفصل 59 هذا من جهة
ومن جهة أخرى الأمر المولوي وجوبيته التنفيذ لأن الخطاب الملكي يوجه إلى الشعب المغربي وبدون وساطات وهنا تكمن قوة التشبت بالخطاب الملكي من طرف المواطن المغربي والوقوف سدا منيعا لتطبيقه .
وحيث أن هناك فراغ من الناحية القانونية وخاصة على مستوى القضاء الإداري رغم أنه يغترف من الأعمال الملكية هناك تقصيرلأن القاضي يعين بظهير ولكن المواطن المغربي يجهل هذا وجب التنبيه لهذه الطامة الكبرى وعلى المواطن أن يستفيق من سباته لأن الملكية هي الرمح الذي يدافع عن ضحايا الظلم .
ليس بنكيران وحده من أقنع المغاربة بأن رئيس الحكومة لا يمارس صلاحيات الحكم وأنه مجرد منفذ، بل إن الزعيم الإشتراكي المخضرم عبد الرحمن اليوسفي نفسه قال بعد تجربة تناوب عقيمة مريرة قال في ما يشبه نقدا للتجربة وتبريرا لفشل الإصلاح "نعم لقد تسلمنا الحكومة لكننا لم نتسلم قط الحكم".
نبيل بنعبد الله الزعيم الشيوعي الإصلاحي تحدث بدوره عن "التحكم" في إشارة إلى الضغوط والعوائق التي تضعها الدولة العميقة ممثلة في رموزها الأكثر قربا من الملك أو(في الذين يدعون تمثيله)على الحكومات وعلى الأحزاب وعلى توجهاتها وتحالفاتها بل وحتى على اختيار أمناءها العامين..
الزعيم اليميني شباط تحدث بدوره بغضب هستيري عن "التحكم"..
إذن هناك إجماع زعماء اشتراكيين, وشيوعيين اصلاحيين, وإسلاميين معتدلين, ويمينيين محافظين,على ترديد نفس الكلام وعلى التعبير عن نفس الخلاصات.
ثم إن هؤلاء جميعا جربوا الحكم فهم لا يتكلمون من فراغ أو من موقع المعارض او الباحث الأكاديمي; وإنما من خلال تجارب واقعية ملموسة ومريرة.
العجيب أن هؤلاء جميعا تم إقصاءهم , وأغلبهم محاصرون حتى داخل أحزابهم..
البلد في حاجة إلى إصلاح حقيقي.
انتهى الكلام
فرصة التغيير الديموقراطي ضاعت مع حكومة التناوب، يومها كانت الملكية تعيش الإنتقال وكانت الإرادة والنوايا الطيبة واضحة من الجهتين ؛اليوسفي كان يستطيع أن يضغط ويلعب دور الضامن باعتبار ضمه تحت جناحه لأغلب مكونات اليسار فضلا عن النقابات, وحتى البيجيدي فقد عبر عن مساندته النقدية له.
فما الذي حصل؟
هل هوخطأ في ادارة المعركة؟
أم فساد النخب؟
أعتقد أن العاملين معا ساهما في إجهاض الإصلاح.
أما بنكيران فرغم شعبيته الجارفة في بداية عهدته، فإنه لم يكن يملك أي وسائل ضغط ؛فقد كان يفتقر الى دعم النقابات والأحزاب الديموقراطية بعد أن تخلت عنه الكتلة (باستثناء التقدم والإشتراكية)؛وهوما جعله يتسلم الحكومة في موقف ضعف. كل هذا مع انتكاسة الاسلام السياسي عربيا, جعله يتخلى عن كل شعاراته السابقة ("محاربة الفساد" و"التغير مع الإستقرار") ، ليكتفي بطلب السلامة لشخصه والإستمرار لحزبه.
مرة أخرى خطأ فادح في إدارة المعركة ساهم فيه الجميع البيجدي وأحزاب الكتلة التي كان ينبغي عليها إرجاء المعارك الإديولوجية، واعطاء الأولوية لإنجاح الإنتقال الديموقراطي المنشود.
أما فساد النخب فموضوع آخر، بل هو قطب رحى الإشكال..