الذاكرة والنسيان

الذاكرة والنسيان
الخميس 10 دجنبر 2015 - 12:36

أوواجب الذاكرة ومحاسن النسيان

إن الحيوانات، يقول نيتشه، تعيش سعيدة بدون ذكريات؛ فالبقرة، العاجزة عن التذكر والفاقدة لملكة النسيان، لا تعرف الملل ولا الضجر. من جهته، يمكن للإنسان أن يستغني عن جزء من الذكريات دون أن يضر ذلك بوجوده أو يمنعه من نيل سعادته؛ لكنه بقدر ما هو عاجز عن أن يستغني عن كل الذكريات، والتي قد تكون مصدرا لشقائه، فإنه عاجز عن أن يعيش بدون النسيان الذي يعتبر شرط “الذاكرة السعيدة”.

ان الذاكرة والنسيان، خلافا لما قد يبدو للوهلة ألأولى ليسا على طرفي نقيض؛ إنهما وجهان لعملة واحدة. ومن مفارقات العلاقة الجدلية بين النسيان والذاكرة أن النسيان هو الذي يجعل الذاكرة ممكنة بحكم أنه لا وجود للتذكر على وجه الكمال والتمام. إن الذاكرة، كسيرورة انتقائية؛ تنير جزءا من الماضي فيما تترك جزءا آخر طي النسيان. إنهما معا الضامنان للتوازن النفسي وتوازن النظام المعرفي للفرد. وخلافا للحيوان الذي يعيش حاضرا أبديا وبدون تاريخ، فإن الإنسان محكوم بماضيه الذي لا يمكنه الفكاك منه. يتعذر عليه النسيان؛ لكنه في حاجة لأن ينسى ليحيا حياة متوازنة، وليبرهن على استقلاله وقدرته على الفعل. الذاكرة والنسيان معا يحيلان على العلاقة بالماضي وإشكالية تدبيره، بحيث أن النسيان المطلق (فقدان الذاكرة) ـamnésie ، كما تضخم الذاكرة ـ hypermnésie مضران بالصحة الفردية والجماعية.

صحيح أن الفلسفات التقليدية من أفلاطون إلى شوبنهاور قد أعلت من شأن وقيمة الذاكرة كرديف للعقل على حساب النسيان الذي اعتبرته مجرد ذلك الوجه الخلفي الضعيف للذاكرة السعيدة والمزهوة بنفسها. ومجرد لحظة منفلة من يقظة الوعي؛ إذ نجد فشوبنهاور ،على سبيل المثال، يعرف الجنون قائلا إنه عدم القدرة على التذكر المُسترسل.

لقد أعادت الفلسفة المعاصرة الاعتبار للنسيان مُعتبرة إياه ليس مجرد قوة عاطلة ـ vis inertiae؛ بل كفعل ايجابي مُحرر وسلطة فاعلة، وقوة علاجية مضادة للتاريخ الذي يؤدي تضخمه إلى “شيخوخة سابقة لأوانها”على حد تعبير نيتشه الذي بلور نظرية متوازنة حول الذاكرة والنسيان داعيا إلى التحرر مما أسماه “مرض التاريخ”.

من جهة أخرى،اعتبر نيتشه أن الفشل في إقامة التوازن بين الذاكرة والنسيان يشكل خطرا لا على الأفراد فحسب؛ بل على الشعوب والحضارات. وتزداد هذه الخطورة عندما يتعلق الأمر بالذاكرة والنسيان على مستوى الحياة العامة؛ علما أن الذاكرة والنسيان يقعان في صميم البنيات المؤسساتية والقرارات السياسية للدولة كما نبه إلى ذلك بول ريكور في كتابه: “الذاكرة، التاريخ، النسيان”. تتجلى هذه الخطورة في إمكانية التلاعب بهما (الذاكرة والنسيان) وسوء استعمالهما من طرف مالكي السلطة.

إن الاشتغال على الذاكرة سياسيا وبيداغوجيا، من الناحية المبدئية، مهمة نبيلة جاءت في سياق سعي الأمم والشعوب لكشف الحقيقة وإنصاف الضحايا لطي صفحة الماضي. كما أن واجب الذاكرة آلية من الآليات التي تم اعتمادها لتنزيل العدالة الانتقالية بشكل سلس تفاديا للانتقام.

غني عن البيان أن مناضلي الذاكرة، في مواجهتهم للنسيان المؤسساتي ـ القانوني الذي تسعى الدولة لفرضه على الجميع، يلعبون دورا هاما في حفظ الذاكرة وانتشالها من غياهب “النسيان السيئ”، أي ذلك النسيان الذي ينتج عنه محو الأثر؛ لكنهم قد يساهمون في “شطط الذاكرة” ( حسب عبارة تزيفان تودوروف) وتضخمها مما قد يشكل عائقا أمام التطور والانفراج. وسببا في انحطاط الحياة.

يلجأ الإنسان في نظر نيتشه، إلى التاريخ الأثري القديم أو التقليداني، على سبيل المواساة، وطلبا لأمجاد واهية. وإذا كانت معرفة التاريخ ضرورية، فإن ثمة حاجة وضرورة، بالقدر نفسه، لاحتقار التاريخ والاستهانة به إذا لم يكن هذا التاريخ في خدمة الحياة. ولا يجب أن يغيب عن بالنا أنه إذا كنا ثمرة أمجاد الأجيال السابقة، فإننا أيضا ثمرة هفواتهم وأهوائهم وأخطائهم، بل و جرائمهم.

لا تخفى إذن فضائل ومحاسن النسيان على الصحة الفردية والجماعية. وكما تؤكد النظرية الفرويدية، فإن التذكر مصدر الشفاء؛ لكن الكثير من الذاكرة مصدر المرض. إن الذكريات، يقول مارك أوجي في “أشكال النسيان”، تشبه النباتات؛ يجب التخلص من الضارة منها لإتاحة الفرصة لنمو أخرى.

ثمة إذن حاجة حيوية لنسيان براغماتي ـ خاصة بالنسبة لحاملي المطالب الذاكراتية والهوياتية الجهوية ـ على منواله يتم قياس درجة التذكر والنسيان في المكان والزمان وفقا للسؤال: هل من مصلحتنا أن نتذكر أم من مصلحتنا أن ننسى؟؛ عملا بالوصية التالية:”إذا كان لا بد أن تتذكر أنك نسيت، فلا تنس أن تنسى.”

إشارة: الاستشهادات التي تخص الفيلسوف الألماني فريديريك نيتشه مقتبسة من:

1 Deuxième considération intempestive de l’utilité et de l’inconvénient de l’histoire pour la vie.

2 Généalogie de la morale.

* رئيس جمعية الريف للذاكرة والتراث

‫تعليقات الزوار

2
  • saccco
    الخميس 10 دجنبر 2015 - 18:39

    الذاكرة المنسية أو الذاكرة العاملة في الخفاء

    إن ذاكرتنا لا تحمل فقط صور وأشياء على المستوى الحسي بل تحمل شحنات تمثلاتية وعاطفية لُصقت بالكلمات ،ونحن نفكر بالكلمات وحمولاتها ، مند ان عشنا الايام الاخيرة في بطن الام وخروجنا لحضنها وحليبها وعطفها كشعور بالأمان والبقاء على قيد الحياة ، فنحن مثلا لا نستطيع تذكر الا قليلا او لا نتذكر اي احد في القسم الاول ولكن عندما نرى الصورة نتذكر عددا لابأس به من اولاد الحي…ونتذكر خصوصا بعض الاحاسيس والعواطف إتجاه البعض وكل ذاك كان في ذاكرتنا التي ظنناها منسية
    فإخياراتنا الشخصية كطريقة التفكير ونمط الحياة واللباس ..ليست إختيارات مفكر فيها بل هي نتيجة الغير المفكر والذي يسعى دائما لمصلحة وجود الفرد ، فالفرد لن يختار الا ما يصلح له ،لان دماغه يعمل كذلك ، فالدماغ امام حقيقة منطقية غير في صالحه وخطأ يتماشى مع مصلحته فالدماغ سيختار الثانية ،المهم هو البقاء كما يقول نيتشه وكما تقول حاليا علوم الاعصاب
    لقد توصلت la neuroscienceبوسائل قياسات جد متطورة ان الدماغ الباطني يعمل ب 200000مليون Bit في الثانية والعقل الظاهري يعمل سوي ب 2000Bit في الثانية

  • Amina
    الثلاثاء 22 أكتوبر 2019 - 18:35

    سلام اريد درس حول النسيان و اثاره و اقوال الفلاسفة

صوت وصورة
إفطار مغاربة في الإمارات
الأحد 9 ماي 2021 - 15:03 2

إفطار مغاربة في الإمارات

صوت وصورة
دار المؤقِّت في القرويين
الأحد 9 ماي 2021 - 14:59

دار المؤقِّت في القرويين

صوت وصورة
مع غيثة بن حيون
الأحد 9 ماي 2021 - 11:59 3

مع غيثة بن حيون

صوت وصورة
بخور وعطور ليلة القدر
الأحد 9 ماي 2021 - 11:31 7

بخور وعطور ليلة القدر

صوت وصورة
زكاة الفطر
الأحد 9 ماي 2021 - 10:29 13

زكاة الفطر

صوت وصورة
آش كيدير كاع: رئيس الجماعة
السبت 8 ماي 2021 - 23:00 23

آش كيدير كاع: رئيس الجماعة