من المعلوم على وجه اليقين ضن الناس بأموالهم جليلها وحقيرها، لذلك فهم لا يبذلونها إلا لتحقيق منفعة أو دفع مضرة، قال تعالى: “الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا”، وقال جل جلاله: “إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ”، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “نعم المال الصالح للعبد الصالح”، وقيل في الحِكم: “المال قوام الأعمال”، ولذلك قالوا في الأمثال: “شحال من ربح فاتك، يالي معندك راسمال”، وقالوا أيضا: “مول المال يا الميال ليه القلوب مالو
لي معندو مال لهلا يجعل كلبنا بحالو
وقال غيره: “قْليلْ الوَرْقة يبات في الزنقة”، وقيل: “شوف الدرهم شحال كيفهم”..
وبما أن المال على هذه الدرجة من القيمة، فإنه لا يبذل بغير عوض، وقد وعد الله تعالى المنفقين والمتصدقين والمزكين بأجر عظيم، فكيف بمطلق الناس الذين يستفيدون من ذلك الإنفاق، لذلك اعتبر التدافع والتنافس والاستحواذ والاحتكار مظنة للبذل والعطاء مقابل الوصول للغرض المرجو، والظفر بالمطلوب، وبما أن هناك معايير ضابطة لذلك يلزم مراعاتها والأخذ بالاعتبار الواقف على ذلك، وهو ما يتمثل في المخزن ذي الذراع الطويل والعين الكليلة، والأذن الصماء، انطلقت آفة الرشوة والارتشاء لرفع ثقل تلك اليد، أو إيقافها.
وبما أن القائمين على إصلاح المجتمع كما يلوح من الندوة التي أقامتها القناة الأولى مساء يوم الثلاثاء 04 دجنبر 2012م، أسقطوا من حسابهم دور الدين والقائمين على شأنه، بدليل عدم تطرق الندوة إلى تحريم أو تحليل هاته الآفة، كما لم يسمع من المتحاورين ذلك. وكأن القصد كان مبيتا كما في جميع البرامج الحوارية التي تنشط من داخل التلفزة المغربية، غاب صوت العلماء وآراء الفقهاء في الموضوع، وكأنهم نافلة وفضلة لا يعتد لهم برأي ولا يؤخذ لهم بمشورة..
بالرغم من أن هناك من المستجوبين من أشار إلى دور المجالس العلمية في الموضوع مما يدل على أن القوم لا يدركون أن الإصلاح الاجتماعي ليس تقنيا فقط، وإنما هو إيمان في القلب صدقته الجوارح، فظهر في أفعال الناس..
إن العامل الأساسي في تدوير الرشا بين أيدي الناس؛ الذين يعتبرون أن طول يد المخزن لا يكف بأسها عنهم إلا برفعها بما قلّ وكثر من العطايا والبدائل، تناسب قوة قبضته على ذوي الحاجات والمآرب، والغريب في أمر الارتشاء أن العلاقة تتم بين الراشي والمرتشي تحت طائلة الخوف منه، هذا الخوف الذي يعتبر شرط صحة العملية، لذلك فالحديث عن محاربتها هو بالأساس محاربة لتدخل المخزن فيما هو من اختصاص الناس الذي يتم عبر الانتخاب، وما يسمى بالديمقراطية، باعتبار أن المنظم للعلاقات والضامن للحقوق والواجبات والسالب للحريات، لا يمكن أن يجمع كل هذه الصلاحيات، وهو ما كرسه الدستور الجديد من فصل للسلطات، وإرفاق المسؤولية بالمحاسبة.
إن الذين يعتقدون أن الرشوة أقوى من الدولة أو أنها داء مستعصي عن العلاج، وأن الوقاية منها يسبق علاج مرضاها، وأنها تؤدي إلى الفساد، كل هذا مجرد كلام لا طائل من ورائه، لأن الناس مجمعون على أن الرشوة، أبسط من أن يستجلب لها خبراء لإجراء الدراسات، والبحث عنها في الظلمات، فهي ظاهرة للعيان، جهارا نهارا، والناس أدرى بمعالجتها، وهي لا تعدو ثلاثة أصناف:
– جلب منفعة.
– ودفع مضرة.
– وعدالة توزيع.
ولما كان المخزن قد أحل نفسه محل أصحاب الشأن، فلا محيد له من أن يحرم تأييدهم، إذا أراد إصلاح ما أفسد، لعدم ثقتهم فيما يذهب إليه، باعتباره الخصم والحكم.
وبالعودة إلى ندوة التلفزة السالفة الذكر التي رأى الكثير من الناس أنها موجهة ربما لشعب آخر، فهي ابتدأت بتقرير كسائر تقارير التلفزة التي تصادر على المطلوب، إذ لو أنها بالفعل أرادت إبراز مظاهر الارتشاء لسعت إلى مظانها، على أبواب المحاكم والمستشفيات والإدارات والطرق والموانئ، بحيث لا يخلوا مرفق من المرافق الإدارية والأمنية والقضائية، إلا وبه منها ما يشيب له الولدان من هول معاناة الناس من أبسط شيء وهو ولوج سوق أسبوعي لبيع بيضة إلى إدارة الضرائب لأداء مستحقات ما، فهل يعرف أصحاب البرنامج مثلا؛ أن الملزمين مفروض عليهم تقديم الأوراق النقدية بشكل مرتب يكون فيها رأس الصورة على الرأس، وإلا فإن القابض يرفض أخذها لترك المزدحم يعود من جديد إلى الصف أثناء الازدحام، واسأل الأسواق الأسبوعية التي تحاصر صباحا وزوالا حتى يؤدي النقالة لأصحاب الحال الإتاوات المطلوبة.
وتخيلوا الإذلال على الطرقات وأمام أبواب الإدارات، وكيف يتحول عون إلى مستجوب لمن يزور أية إدارة، فينتهي به المساء، ولديه ملفات على الزوار وعلى الموظفين، وكان الأجدر لو ترك وحده هناك، إراحة للناس واقتصادا في الميزانية.
لقد تفاقم أمر الرشوة كما جاء في تقرير الهيأة، وهو كلام وجيه؛ فعشرة دراهم، وعشرون، لم تعد جواز مرور، بل ضربت في عشرة أو أكثر، بفضل مدونة السير الغراء، وتوسيع الوعاء الضريبي بالزيادة في عدد الملزمين؛ زاد من عدد المتهربين، مما رفع سقف واردات المرتشين، والقائمة طويلة.
والأدهى والأمر هو دخول فئة جديدة في دائرة الارتشاء لم تخطر على بال سلطات الحماية، ونقصد بذلك؛ أئمة المساجد الذين كانوا موكولين إلى جماعاتهم، فتفتقت قريحة المخزن لإنشاء إدارة لمراقبتهم (المندوبية)، والتثبت من هويتهم مقابل إكراميات، يقتضي الحصول عليها المرور بمجموعة من الإجراءات الإدارية التي لابد فيها من كُلَف يجب على الإمام أن يخضع لها، لكي يتسلم الوثيقة المطلوبة، ناهيك على أن الجماعة نفضت يدها من التكلف بالكثير منهم كما كان سابقا باعتبارهم فئة صارت موكولة إلى الإدارة يعمها ما يعم معلمي المدارس وموظفي الجماعات والمستوصفات، وبالتالي ضاعت الروابط التي كانت بينهم وبين الجماعة مما يعتبر خطرا ماحقا وداهما على المجتمع معنويا ودينيا.
ولا يفوتني أن أشير إلى القضاء والأحكام القضائية التي تصدر ولا تنفذها الدولة ولا الجماعات ولا الشركات ولا المواطنين النافذين، بل إن المتظلمين لا يجاب على تظلماتهم خلاف ما يقال ويذاع، ولمن أراد الدليل على ذلك أن يقف لحظة عند باب وزارة العدل أو المحاكم أو الوسيط ليرى عجبا، فلماذا تصدر الأحكام إذا لم تكن ستنفذ؟
وإليكم نموذجا على ذلك، وهي رسالة ينتظر الجواب عنها منذ خمس سنوات من أجل تسخير القوات العمومية لتنفيذ مقرر استعجالي رقم الملف: 26744، رقم الشكاية 1/10، المصلحة المعنية: مصلحة معالجة الشكايات، وزارة العدل، فإلى متى سينتظر صاحب الشكاية؟ ومتى سيقع تنفيذ الأحكام، إذا كانت الشكاية قد مر عليها خمس سنوات؟ أليس هذا منتهى الاستخفاف بحقوق الناس؟
إن الحديث عن محاربة الرشوة في غياب ما ذكرنا من تقصير يد المخزن وإعادة الأمور إلى أصحابها، وهم المواطنون الذين يجب أن يدبروا شؤونهم بديمقراطية وحرية، يحاسب بعضهم بعضا، وينتقد بعضهم بعضا، وفق القوانين التي تسطرها أجهزة الدولة المختصة، والتي تبقى عينا ساهرة على إحقاق الحق وإقامة دولة القانون والمؤسسات، لا أن يقام بالمناداة على الذين شاركوا في الفساد أو كانوا فاسدين لرفعهم الصوت بإصلاح الفساد، وبذلك يكونون قد نادوا بإصلاح أزمة لينتهوا بأزمة إصلاح، ظلمات بعضها فوق بعض.
* باحث في علم الاجتماع الديني والثقافي، وعضو اتحاد كتاب المغرب..
هدا الرجل عاش كلما عشته شخصيا بالحرف من الضرائب حتى للمحاكم مرورا بماقيل على اوراق بنكية لاتقبل من الزبون حتى تكن الراس عند الراس…على سبيل المثل ضريبة السيارات من لم يؤدي قبل 31يناير تضاف اليها 200درهم المواطن يدفع الضرر 50 او100 درهم اما الجمارك والمحاكم حدث ولاحرج. هدا السيد هو الذي يعرف كل اماكن الرشوة كجميع المغاربة المستهدفين…….
تحية لك استاذ ادريس
موضوع شيق.لقد تم التطبيع مع الرشوة .الرشوة اصبحت كما تعلم الحلاوة والقهوة والسخرة والفطور وغير ذلك من الكلام الذي يطبعها.والناس لا تشتكي من الرشوة بل من غلائها بحيث ان خمسين درهم لاتقضي وان قضتها يشكر الراشي المرتشي عن اخلاقه الحميدة وقناعته بالقليل ويجب المرتشي بفمه المليان العفو ياسيدي
واظن ان الرشوة هي ضرب من الادمان يجب محاربتها مثلما تحارب الادمانات الاخرى مثل الخمر والقمارة…
ولايمكن غض النظر عليها لانها تنهب المال العام ولها كل موصفات الاستعمار بحيث ان لها جنود ووطن وتتحكم في السياسة والاقتصاد وعدة مرافق .والحرب ضدها تحتاج للصبر والمدوامة لانها ملتوية مبتكرة عديدة الرؤوس وتسقط لما تقوى الدولة وتستحفل بضعف الدولة.
You r right brother in every word u said.
People forget that Allah see everything. people's believe is weakning which leads to corruption and even more.
احسنتم يا اخي ووضعتم الاصبع على مكان الضرر.فعلا ان العديد من المغاربة اكتووا بهذه الجريمة .فهناك من ادى الرشوة بمحض ارادته لينال حقا ليس له.وهناك من ابتز لانه لا يفهم القانون. ان سبب كل هذا هو الابتعاد عن الدين.وذلك لان السلطة كانت تحارب كل من اقترب من الدين .لتكون هي المسؤولة عن الحقل الديني .لكن امام الله سيسال كل من مكانه.DIEU EST GRAND
بسم الله الرحمن الرحيم
الرشوة من المخزن وإليه لا يا سيدي بل الرشوة أنواع الرشوة من أجل الحصول
على حقك من القاضي الحرامي الذي لا يفهم إلا لغة أرا فلوس
ومنهم من يمشي على بطنه هو القاضي الحرامي اللص
والرشوة الأخرى من أجل الحصول على حق الغير واعتداء على حق الآخر وهذا هو الفساد بعينه
لعن الله الراشي والمرتشي والواصل بينهما