السوسيولوجي جرموني يسبر أغوار العلاقة التفاعلية بين الدين والإعلام

السوسيولوجي جرموني يسبر أغوار العلاقة التفاعلية بين الدين والإعلام
صورة: هسبريس
الأربعاء 18 ماي 2022 - 06:00

صدر حديثا عن دار القرويين للنشر والتوزيع، كتاب جديد بعنوان “الدين والإعلام: في سوسيولوجيا التحولات الدينية”، للباحث المغربي في علم الاجتماع رشيد جرموني، يسلط الضوء على العلاقة التجاذبية بين الدين والإعلام.

ويأتي الكتاب ليشكل موجة جديدة من البحوث والدراسات في المجال الديني؛ فإذا كانت “التيمات” والقضايا الدينية الكلاسيكية قد استأثرت باهتمام الباحثين في حقبة الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، فإن المرحلة الموالية قد انشغلت برصد مختلف الفاعلين الذين يؤثرون في الحقل الديني، ومن بينهم المؤسسات الإعلامية.

ولهذا، يقول الأستاذ الجامعي، فقد “أضحت الضرورة العلمية ملحة للربط بين النظريات السوسيولوجية في تخصص علم اجتماع الأديان، وحقل الإعلام الديني، باعتباره وسيطا جديدا بين المجتمع والأديان، يتجاوز الحدود التقليدية التي كانت سائدة بين كلا المؤسستين”.

وأضاف الأستاذ المتخصص في سوسيولوجيا الأديان أن “الثورة الإعلامية التي حدثت في شرطنا العالمي، هيأت شروطا جديدة لإنتاج وإعادة إنتاج القيم الدينية”، موردا أن ذلك لا يعني وجود تلق سلبي لهذه المنتوجات والقيم والرموز والمعايير التي يضخها الإعلام الديني عبر وسائطه المتعددة والمتنوعة، بل إن ذلك يتم في سياقات للمعنى متفاعلة ومتداخلة ومتآلفة.

وأردف: “من حيث أن مختلف الفاعلين يستطيعون أن يكونوا مواقع لهم في المشهد الديني، وهو ما شكل شبه قطيعة مع المؤسسات الرسمية وغيرها، في إنتاج وإعادة إنتاج المنظومات الدينية؛ وكما يشرح ذلك ببراعة الباحث الأنثروبولوجي كليفورد غيرتز، أن الناس يدخلون في علاقتهم مع الدين فيما يشبه أنظمة للدلالة، حيث يتعالق الكل في بوثقة متفاعلة”.

وتابع: “بمعنى آخر، أن ما يستفاد من هذه المقاربة الأنثروبولوجية للأديان، هو فحص التغيرات الاجتماعية التي تحصل بين المجتمع والدين، وكأن الباحث عليه أن يكتب تاريخا اجتماعيا لهذه الحالة أو تلك. ونحن لا ندعي أننا سنقوم بهذا الجهد المعرفي والإبستمولوجي، لكننا سنحاول أن نتلمس بعض المعالم الكبرى لهذا التحول من خلال تركيز البحث في علاقة الدين بالإعلام”.

في هذا السياق، فإن الدراسة تنفتح على العديد من المفاهيم الجديدة التي أصبحت حاضرة في الحقل الديني، لعل من بينها، مفهوم الدعاة الجدد، الذي يعبر عن هذا المنحى الجديد في “السوق الإعلامية الدينية الناشئة”. وهؤلاء الدعاة الجدد يستطيعون أن ينشئوا معاني جديدة في خضم من هذا التفاعل الخلاق، عبر آليات التواصل الجماهيري.

ولفت أستاذ علم الاجتماع بجامعة مولاي إسماعيل بمكناس إلى أن “الجديد في دخول الوسيط الإعلامي الديني في عمليات الإنتاج وإعادة الإنتاج للقيم الدينية، هو مساحة الحريات (النسبية) والاختيارات التي فتحت أمام الجمهور العريض واللامتجانس، أشكالا جديدة من التدينات والهويات الثقافية، العابرة للخصوصيات والثقافات المحلية، مما جعل الباحثين يتحدثون عن مفهوم عولمة الدين”.

في خضم هذه العلاقة التجاذبية بين الدين والإعلام، تبلورت العديد من المظاهر والظواهر الجديدة التي تستحق كل بحث وتقص، لعل من بينها مفهوم “التدين الفردي”، و”الدعاة الجدد”، و”التدين الجديد”، و”المتحولون الدينيون”، و”الجهاد الإلكتروني”، و”البوب الإسلامي”، و”الفتوى الإلكترونية”، وغيرها من المفاهيم التي يسبر أغوارها هذا الكتاب.

و”يعتبر الإعلام الديني كوسيط مؤسساتي يعمل على إنتاج وإعادة إنتاج قيم ومسلكيات جديدة في التلقي والممارسة والفعل، وما إلى ذلك، منشئا أنماطا من التدين؛ لعل من بينها التدين الفردي”، بتعبير الأستاذ جرموني، الذي لفت إلى أن الإعلام الديني هو الذي يركز في برامجه ومنتوجه ومحمولاته على البرامج الدينية.

ويتضمن الكتاب ستة فصول، يركز الأول على نشأة مفهوم الإعلام الديني في السياقين الغربي الأمريكي تحديدا، والعربي الإسلامي، ويفكك الثاني مفهوم الدعاة الجدد، أمثال عمرو خالد سابقا، واليوم ياسين العمري من المغرب، ويعرج الثالث على البروز القوي للفاعلين الجدد الذين أعطوا لهذا المفهوم صيغته العملية كرشيد أيلال وأبو حفص.

أما الفصل الرابع، فطرح فيه الأكاديمي موضوع الأغنية الدينية باعتبارها أصبحت تمثل بؤرة للتعبير عن إعادة تعريف الدين في هذه المجتمعات التي تعيش في توترات كبيرة بين المعيار والواقع. أما الفصل ما قبل الأخير، فقد خصصه للحديث عن علاقة الديني بالعالم الافتراضي، وهو ما فتح المجال لبروز مظهرين من التدين؛ الاستهلاكي والعنفي.

وتطرق الفصل الأخير إلى “الفتوى في سوق الإعلام بعدما أصبحنا نتحدث عن الفتوى الإلكترونية والعابرة للقارات، ما أحدث احترابا مذهبيا وفقهيا في العديد من المجتمعات؛ والأخطر من ذلك، فإنه عبر الفتوى يتم نزع الدين عن سياقه الثقافي، ما يحدث تحولات كبيرة في عملية إعادة إنتاج القيم الدينية”، تبعاً للكتاب.

ساري حنفي، رئيس الجمعية العالمية لعلماء الاجتماع، قال في تقديمه للمؤلَّف: “أظهرت دراسة لي بيبلبومترية ستظهر لاحقا على القلة النسبية لدراسات علم الاجتماع الدين مقارنة مع مجالات سوسيولوجية أخرى، وخاصة تلك التي تتناول التجليات الاجتماعية لظواهر الدين والتدين، وليس فقط تأثيره على السياسي”.

وأضاف: “يعتبر كتاب الدكتور رشيد جرموني (الدين والإعلام: في سوسيولوجيا التحولات الدينية)، من هذه القلة. ليأخذنا في جولة ممتعة عن كيف أثر الاجتماعي والافتراضي (الإنترنت) والعولمة والنيوليبرالية على التدين في المجتمع العربي، خاصة الشباب منه”.

وأشار حنفي إلى “الظواهر الجديدة مثل انتشار الأغنية الدينية، والدعاة الجدد، والانفتاح على التكنولوجيا ومنتجيها من قبل الفاعلين الدينيين؛ منشئين بذلك الفضاء العمومي الإسلامي، ومزاحمة الفتوى الفضائية والإلكترونية للمؤسسات الرسمية للإفتاء”.

وختَم رئيس الجمعية العالمية لعلماء الاجتماع كلمته بتأكيد أن “كل ذلك دفع إلى ما يسميه جرموني بتحلل التقليدي، ونزع القداسة عن المؤسسات الدينية، سواء الرسمية أو غيرها؛ إذ لم يعد التدين متجانسا في المجتمع العربي، مع هيمنة الشكل الفرداني له أكثر منه المؤسساتي”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • YouTube Dollards
    الأربعاء 18 ماي 2022 - 07:11

    إرادات مالية كبيرة يحققها رجال دين الإسلامي على موقع يوتيوب خاصتا جامعة الأزهر المصري ومشايخ السعودية
    عدد المشاهدات تقدر بملايين واشتراك بلملايين.
    حيث تجد داعية يتكلم عن سقوط ذبابة في كأس عصير وما قول الصحابة في دالك يحصد ملايين من المشاهدة.
    الإغتناء بالدين الإسلامي سهل جدا لأن المتابعين عقولهم أمية والجاهلة ويصدقون كل شيء، ويمكن كسب تعاطفهم بسرعة وسيدعمنك بلايك ودكشي.

  • ما فاهم والو
    الأربعاء 18 ماي 2022 - 08:46

    السلام عليكم التعليم التعليم التعليم اي دولة لا تهتم بالتعليم مصيرها التخلف والتفكك والاندثار ؟؟؟؟!!! علم الاجتماع او الفلسفة بصفة عامة ام العلوم واي مجتمع لا يتقدم بدون فلسفة ؟؟؟!!! اليابان المانيا فرنسا امريكا كلها دول تشجع الفلسفة ويوجد بها اعداد كبيرة من الفلاسفة اما نحن ؟؟؟؟!! الموضوع شيق و هام وما يحز في النفس هو عدد التعاليق لا يتجاوز العشرة ؟؟؟!لماذا لان الغالبية الساحقة لا تفهم ماذا يريد ان يقول ؟؟؟؟! ومواضيع تافهة تجد ماءات التعاليق متل روتيني و جريمة قتل او دعارة اووووو

  • الحسن العبد بن محمد الحياني
    الأربعاء 18 ماي 2022 - 09:53

    لقد اعتبر بعض طلبة العلم،بحسب بعض الدارسين،في بداية القرن الماضي،أن ما تقدمه وسائل الإعلام في حكم المحرم شرعاً،بل وصل الأمر عند بعضهم بتحريم الأجهزة الإعلامية، وظل ذلك الأمر لفترة طويلة أتاحت سيادة البرامج الغربية؛لكن عندما أدرك المسلمون خطورة الإعلام،واستحالة صد ما تبثه الوسائل المختلفة ومنع تأثيرها على الناشئة خاصة والمجتمع عامة؛ومع مستحدثات القرن التاسع عشر وما بعده وامتداد الغزو الغربي على نطاقه الواسع،استيقظوا واستيقظ العقل المسلم ليجد هذا التحدي الصارخ لحضارته وأفكاره ومبادئه،مما جعل المواجهة أمراً حتمياً؛ومن هنا تبرز ضرورة الإعلام الإسلامي الذي يحمل هدي الله،ليس لمجرد المواجهة ورد الفعل فقط؛بل لإعزاز كلمة الله من خلال أجهزة ووسائل يقوم عليها متخصصون مدربون مؤمنون برسالة الإسلام تظهر أهمية الإعلام القائم على هدي الله وفق منهج إسلامي يقوم على التأهيل العلمي المعاصر،ويجمع بين المضمون الهادف والعرض الجذاب.
    إن إعلامنا الإسلامي قائم على الأخلاقيات،وهو بذلك لا‮ ‬يكتفي‮ ‬بتوفير الأخبار والمعلومات العادية،وإنما‮ ‬يقوم بنقل التراث الثقافي‮ ‬ ويعمل على تحقيق العبودية لله وعمارة الأرض‮.

صوت وصورة
جلسة ماراطونية في ملف حامي الدين
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 00:10

جلسة ماراطونية في ملف حامي الدين

صوت وصورة
صناع يتألقون في معرض الفرس
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 22:37

صناع يتألقون في معرض الفرس

صوت وصورة
سفارة مصر تحتفل بذكرى أكتوبر
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 21:27

سفارة مصر تحتفل بذكرى أكتوبر

صوت وصورة
الهوية المتوسطية بأكاديمية المملكة
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 19:53

الهوية المتوسطية بأكاديمية المملكة

صوت وصورة
يوسف .. زراعة الرئتين أمل النجاة
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 15:27 7

يوسف .. زراعة الرئتين أمل النجاة

صوت وصورة
معرض الفرس والسلامة الطرقية
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 13:02

معرض الفرس والسلامة الطرقية