في الوقت الذي تسارع فيه الدولة الخطى، بمختلف رموزها ومؤسساتها، لاحتواء الأزمة بالريف، يبدو أن الأوضاع مازالت لم تهدأ، وأن القليل من الجمر مازال تحت الرماد. ولعل ما يزيد من جذوة هذا الجمر على قلته، هو تناسل جملة من الإشاعات المغرضة بشكل متواتر، التي تصب المزيد من الزيت على النار، وتجعل الرأي العام الوطني وحتى الدولي ينظر بكثير من الريبة إلى إرادة الدولة ونيتها الصادقة لحل الأزمة.
فخلال الأسبوعين الأخيرين فقط، تم نسج ثلاث إشاعات تصب في اتجاه واحد: “إطالة أمد الأزمة”؛ الأولى أعلنت عن تنظيم مسيرة يوم 30 من يوليوز الذي يصادف الاحتفال بعيد العرش، هنا تدخل النشطاء أنفسهم لنفيها وتكذيبها. الثانية كانت حول ملابسات وفاة أحد النشطاء وربط وفاته بأحداث الحسيمة، هنا تدخل الوكيل العام للملك واضطر لإصدار بيان رسمي حول الوفاة التي أكد أنها كانت عرضية. الإشاعة الثالثة تتعلق بانتهاء التحقيق وصدور أحكام في حق المعتقلين تصل إلى حد الإعدام. مرة أخرى سيتدخل الوكيل العام لينفي جملة وتفصيلا هذه الادعاءات المغرضة، ويؤكد استمرارية التحقيق.
هناك مصدران رئيسيان لخلق الإشاعة؛ وذلك وفق سياقات الأحداث التي تمر منها أزمة الريف. المصدر الأول يبقى بطبيعة الحال هو مواقع التواصل الاجتماعي، التي تحفل بكل ما هب ودب من الأخبار والإشاعات التي تكون في غالب الأحيان عبارة عن مقاربات شخصية للأحداث، واختلاق لوقائع ومعطيات لا تمت بصلة سوى للواقع الافتراضي الذي يعيشه من يعنيهم الأمر، حتى ولو كانوا خارج الوطن ماديا ومعنويا.
المصدر الثاني هو “الأخبار” التي تصدر عن الشبكة الواسعة من المحامين الذي تطوعوا للدفاع عن المعتقلين. وبقدر توسع الشبكة وتعقدها، تتعدد الأخبار والمعلومات. فخلال مراحل التحقيقات والمحاكمات، وجدنا أنفسنا أمام تضخم كبير في المعلومات المرتبطة بالتحقيقات، ووجد الرأي العام الوطني نفسه أمام تناقضات صارخة في مواقف وتصريحات ذوي البذلة السوداء، هذا الواقع شكل أيضا مجالا خصبا لانتشار الإشاعة وتغلغلها، حتى أصبحت جزءا لا يتجزأ من يوميات الأزمة.
ما يزيد الطين بلة، هو طريقة تناول الإعلام المغربي للمعطيات المتعلقة بأزمة الريف؛ حيث يتلقف وبشكل سريع ومتسرع الأخبار الواردة سواء من المصدر الأول أو الثاني، دون تمحيص ولا مطالبة الجهات المختصة بتوضيحات كافية في الموضوع. بل أكثر من ذلك، ومع استمرار الإعلام الرسمي في التغريد خارج السرب حتى عندما بلغت الأزمة أشدها، أصبح التركيز على الأخبار التي تؤجج الأوضاع أكثر فأكثر، بداعي تحقيق إثارة أكبر.
وعندما تتحول الأخبار إلى مجرد “إشاعات” بعد التأكد من عدم صحتها، تكون الفأس قد وقعت في الرأس، فيستكين الرأي العام الوطني للأخبار التي انتشرت كالنار في الهشيم في وسائل الإعلام الوطنية، وتكون وسائل الإعلام الدولية هي الأخرى قد تلقفت تلك الأخبار الكاذبة، ونشرتها وفق خطها التحريري بين مواطنيها. المؤسسات الدولية، هي الأخرى، وبتعدد مجالات عملها، ستعمل على تحليل الأخبار الواردة عليها واعتمادها، وسوف لن تصحح الوضع إذا ما ثبت عدم صحتها في ما بعد، مما سيجعل “المغرب الوطن” يهوي في التصنيفات الدولية بكل مستوياتها، ويعيده بكل “بلادة” سنوات إلى الوراء.
المؤسف في كل ذلك أن هناك صمتا مطبقا وتجاهلا غير مبرر من الهيآت المختصة، كل من موقعه، لضبط هذه الفوضى في خلق المعلومات وتدبيرها. فإذا كان الخبر داخل العالم الافتراضي حقا مشاعا، فإن الإخبار والمعطيات الصادرة عن المصدر الثاني يجب ضبطها وفق القانون والقواعد السليمة للعدالة. فما هو دور نقابة المحامين إن لم تستطع ضبط تصريحات هيئات الدفاع عن المعتقلين، التي أصبحت في مجملها سياسية أكثر منها قضائية، وشخصية أكثر منها موضوعية، بل أكثر من ذلك، أصبحت تتجاوز صلاحياتها وتتكلم باسم مؤسسات قضائية أخرى؟
وبكل صراحة، نعتقد أن هذا الواقع، يعكس فشلا حقيقا لبعض مؤسسات الدولة في التواصل مع المواطن بصفة خاصة، ومع الرأي العام بصفة عامة. وفي هذا الصدد، هناك مستويان اثنان لهذا الفشل: الأول، يتعلق بغياب تام لاستراتيجيات واضحة للتواصل الخارجي بالنسبة لغالبية المؤسسات العمومية، خاصة تلك التي تتميز بطبيعة حساسة. هذا الوضع أفقد المؤسسات القدرة على خلق الثقة وتقويتها مع المواطن من جهة، والإعلام بكل مشاربه من جهة أخرى.
المستوى الثاني يعكسه عجز مؤسسات الدولة عن مواكبة التحولات التي عرفتها أحداث الحسيمة، خاصة في إبراز المقاربات التي اعتمدتها لحل الأزمة، مما جعلها طيلة المراحل، تكتفي بلعب دور الإطفائي، دون أن يكون لها دور استباقي وفاعل في تدبير الشق الإعلامي والتواصلي من الأزمة.
ما يثير حفيظتي أكثر في الموضوع هو كيف أن بعض الوزراء، خاصة أولئك الذي ينشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، يقيمون الدنيا ولا يقعدوها عندما تمس الإشاعة سمعة الحزب، أو يتم المس بهم بصورة شخصية، فتجدهم يشمرون عن سواعدهم لتصحيح الأوضاع، واسترجاع ثقة المواطن والإعلام بشخصهم الكريم وحزبهم العتيد. لكن عندما يتعلق الأمر بصورة المؤسسات ومصلحة الوطن، فإنهم يتوارون خلف الستار؛ وذلك حتى لا يضعوا شعبيتهم تحت المحك، حتى ولو كان الوطن كله تحت المحك…
“الإشاعة” لا تعقد الفرص في إيجاد حل سريع لأزمة الريف فقط، بل تعقد مسار التحقيقات بالنسبة للمعتقلين، وتعقد بالموازاة مع ذلك الوضع النفسي لعائلاتهم وذويهم. صحيح أن هذا الموضوع ليس مربط الفرس في احتقان الريف، لكن التبخيس منه، والتقليل من تأثيره، يمكن أن يساهم أكثر فأكثر في تعقيد الأزمة وتشعب فصولها. وهنا، يجب أن نتذكر جميعا أن شرارة الأزمة انطلقت بسبب كلمتين فقط، ثبت من بعد أنهما كانتا هما أيضا “مجرد إشاعة”.
*كاتب صحافي
هذه إشاعات وتلك إشاعات . وفي ذلك قال الأولون كلمة فصلة نهائية :" لا يوجد دخان بدون نار".
والحقيقة التي يسعى الكاتب لنفيها ليست إشاعات بقدر ما تعد ظاهرة لازمت الوضع الراهن في البلد. وأصبح المغرب موقعا خصبا لظواهر لم تكن معهودة فيه ، بل تنمو فيه بتلقائية كما ينمو الفطر في ظلام الرطوبة.
وعلى ، الجهات المعنية و المسؤولة أن تبادر إلى تحسين من ادائها وتصرفاتها امام المجتمع الدولي،ولا تسعى للهروب إلى الأمام ، وتزيد الطين بلة بالخداع للنفس بالنفس ونتستر من الشمس بالشبكة كما يُقال، ولا نكتفي بالغربال. والمغرب اليوم في أمس الحاجة إلى من ينصحه وليس لمن يزج به في المتاهات، لأن العالم اليوم مهما حاولت أن تحادع النفس والنفوس جميعا، فلن تفلح لان طرق النشر والإعلام لم تعد تستحمل الخداع والتزوير، وخداع الصحفي للغير يبقى خداع لنفسه فقط، وقد يفشل في خداعها كذلك، فيفقد مصداقيته ، ولم يفلح في ربح النفس ولا الغير.
Je crois que l'auteur a bien analysé la situation actuelle au Maroc. Il est temps de dire STOP.
Merci M.Elkashradi, et merci Hespress.
اعتقد ان الكاتب محق الى حد كبير في تناول الموضوع.
فالاشاعات لعبت فعلا دورا كبيرا في تاجيج الاوضاع ومازالت. بالنسبة للتعليق الاول اعتقد انه نابع من نفسية مريضة تشكك في كل شيء.
شكرا هيسبريس
وإذا كانت الاشاعة تتفوق على ما تسميه مؤسسات ورموز الدولة،فاعلم انك في دولة كرتونية كانت هي الأخرى تشتغل بماكينة الاشاعة وتتعيش عليها.لكن وسائل التواصل الحديثة التي هي في متناول الجميع،أحدثت ثقبا كبيرا فيها،بحيث لم تعد الدولة الكرتونية تستطيع أن تسوق اكاذيب دأبت عليها مند الاستقلال
هناك صراع كبير حول خلق المعلومة ونشرها داخل المجتمع. اتفق مع الكاتب بشان دور الاعلام في ضبط الأمور، لكن اختلف معه في ان مؤسسات الدولة تكون دائما هي الضحية.
موضوع على قدر كبير من الاهمية.
شكرا للكاتب.
اعتقد ان الكاتب لم يقل ان الاشاعة تتغلب على الدولة في حرب المعلومة، بل تشوش عليها وتعطي فرصة للمتربصين بالمغرب للنيل منه.
المسالة اشبه بالحرب بين جيش نظامي وعصابة من المرتزقة.
مشكلة المغاربة أنهم لا ينظرون إلى المشاكل وجهاً لوجه، بل ينظرون إليها من الخلف، وكأنها ستمر عليهم وتتجاوزهم وتتخطى الحدود، أو ستُحل بقدرة قادر (وليس عبد القادر)، أو ستدخل طي النسيان وتتوارى عن الأنظار، ثم ينتقلون إلى ظهر مشاكل أخرى. بعد هذه المقدمة أقول: ما الذي يمنع تلفزيون الدولة المغربية من نقل الأخبار من الموقع ومتابعتها على مدار الساعة وإعطاء الفرصة لجميع الأطراف للتعبير عن رأيها ومناقشة الوضع بشفافية ونزاهة، فلا تكون هناك شائعات ولا مزايدات؟ الأجوبة كثيرة ويمكن تلخيصها فيما يلي: العجز عن تحمل المسؤولية لأن من يشغل المنصب ليس حراً في اتخاذ القرارات، وانتظار الأوامر من السلطة العليا (في الأرض وليس في السماء)، والتخبط الناتج عن قلة الكفاءة، واستئثار جهة واحدة بالحكم وعدم إشراك المخالفين في الرأي، والتعتيم من أجل تسهيل القمع..إلخ. وفي انتظار أن يتحمل المسؤول مسؤوليته، هنيئاً لرواد المواقع الاجتماعية وشكراً جزيلاً لهم على ما يسهمون به، ولنا كقراء أن نتبين الغث من السمين، وتحية خزرجية.
المرتزق هو لا يدافع عن المبادئ والقضايا بل دائما ما يختار من يدفع اكثر ولا يهمه من يكون،فمن العار ومن قلة الادب والمعرفة ان تسمي منتفضي الريف الذين يطالبون بدولة تحترم كرامة المواطنين بمرتزقة،وفي المقابل تمجد رؤوسا تستأثر بثروات البلاد وتهربها خارجه.فمن المرتزق اذا،الذي يدافع من اجل دولة ديموقراطية أم الذي يسرق اموال الشعب ويخفيها في بنوك سويسرا وليكسمبوغ وبنما ويأتمر باوامر فرنسا وامريكا؟
اقول si rbati
لقد اسات فهم تعليقي جملة وتفصيلا.
سياق كلة المرتزقة جاءت بعيدا عن حراك الريف.
فصعوبة تدبير اثر الإشاعات بالنسبة للدولة كصعوبة مواجهة حرب العصابات بالنسبة للجيوش النظامية، وذلك بعيدا كل البعد عن ما يقع في الريف.
لكن لغاية في نفس يعقوب ترى الامور كلها من زاوية واحدة. هو تصويت لقراء هييبريس.
عنوان الموضوع ،
"الشائعة" تغذي الاحتقان بالريف..
هذا معناه ان الموضوع كله يتناول تأثير الشائعة على تأجيج الاوضاع بالريف،وكأن الريف يعيش في بحبوحة،وأن الناس المنتفضة هناك يفعلون بفعل ترويج الشائعات وأن اهدافهم غير معلنة،فيما أن حقيقة الامور هي أن ساكنة الريف عاشت منذ الاستقلال حصارا رهيبا جعل من المنطقة مجرد ثكنة عسكرية تنشط فيها وزارة واحدة الا وهي وزارة الداخلية.لخروج الناس في الريف الى الشارع اسباب مادية معلنة في ملف مطلبي من 21 نقطة، وقد اطلع عليه كل من يهمه أمر هذا البلد.أما ان نذهب بعيدا ونستحضر الشائعة كوقود للاحتجاجات في الريف فهذا يدخل في مجال التحريض وعدم الاعتراف بحقوق المواطنين.ما كان لحرب اعلامية ان تنشب بين المتظاهرين في الريف واطراف مسؤولة في هرم النظام لولا ان هؤلاء المسؤولين استمعوا لمطالب وآهات الشعب بدل ان يُنصِّبوا انفسهم طرفا يكن العداء للشعب ويريد الانتقام منه لأنه تجرأ على المطالبة بحقوقه.عندما نصل الى هذه الحالة،حيث المسؤول يتخد وضعا عدائيا تجاه شعبه،يكون هذا الاخير مضطرا،بحكم انه مالك الشرعية السياسية،ان يسحب ثقته منه ويسرحه
كما قلت سابقا، فانك ترى المشكل من زاوية واحدة فقط وهي مشروعية حراك الريف والتشبث بنظرية المؤامرة.
انا لا اختلف معك في هذا الامر، بل الدولة نفسها بكل مستوياتها قد اقرت بالتقصير، لكن هناك زوايا اكثر عمقا يجب النظر اليها كذلك.
سوف لم ادافع عن الكاتب رغم انه ايضا حر فيما يقول، بل قلت انني متفق معه حينما قال ان الشائعات تعقد الازمة وتزيد في احتقانها.
عطلة سعيدة للجميع.
وهل طحن محسن فكري في حاوية الازبال اشاعة،وهل قتل عماد العتابي بجسم حديدي غريب والتستر على ملفه الطبي اشاعة،وهل رقود الحداد في مستشفى بوجدة بفعل ثأثره بمضاعفات الاختناق بالغازات السامة اشاعة…وهل جيش الشباب العاطل بالريف اشاعة،وهل اعتقال00 4شاب من الريف بسبب ممارسة حق يكفله الدستور اشاعة،وهل عسكرة المنطقة اشاعة،وهل مداهمة المنازل ليلا وترويع اهاليها اشاعة …
ما يجري في الريف يكاد يكون شيئا لا يذكر امام ما يقع في مناطق ملتهبة من العالم مجرد التواجد فيها يقلص فرص البقاء على قيد الحياة الى ما يقارب الصفر ومع ذلك لا ترد من هناك سوى الحقائق عن الأوضاع الميدانية التي لا تدع مجالا للإشاعة ، لماذا إذن ؟ الجواب في المواكبة الإعلامية الجريئة والتواجد الميداني للمراسلين وتوفر الحد الأدنى من الالتزام بحرية نقل المعلومة عبر الترخيص لوسائل الاعلام المحلية والدولية بما يضع الرأي العام امام الحقائق لا تحت رحمة الإشاعات كما في الريف حيث تمنع وسال الاعلام والمراسلين من الحصول على اعتماد رسمي من الجهات الوصية بل بلغ الامر طرد الصحافيين الأجانب .. طبيعي إذن ان تتناسل الإشاعات في غياب منفذ بديل لايصال الحقيقة .
لا بد من التموقف،وإلا فستكون اقوالنا كمن يتخذ لنفسه برجا عاليا ويبدأ في القاء دروس الوعظ على الجميع.وهذا يعتبر انسلاخا وهروبا عن تحمل المسؤولية في الدفاع عن الحرية والكرامة والعدالة،إن لم يكن انتهازية مستترة تحت وقاء الاكاديمية