"الصواب" البارد

"الصواب" البارد
كاريكاتير: عماد السنوني
السبت 2 دجنبر 2023 - 09:02

الأجيال التي ولدت بعد سنة 2000 لا تعرف الرسالة الورقية والظرف وطابع البريد، لأنها فتحت عينيها على الرسالة الهاتفية ثم الرسالة عبر الحاسوب ثم تطبيقات الهواتف الذكية التي تمنح تراسلا مجانيا. وقد أصبح المتراسِلون في غنىً حتى عن التراسل إذا رغبوا في ذلك، يستطيعون الاتصال عبر الهاتف المجاني أو التناظر بالصورة والصوت، وانمحى بذلك الشوق والترقب والانتظار.

كنا في الزمن الجميل نكتب الرسالة بالقلم، مستحضرين أحباءنا المرسل إليهم، متذكرين المشترك من الزمن بيننا، ملحّين في تلقي آخر أخبارهم بصدق أو بنفاق، لا يهم. كانت الرسالة تأخذ وقتها للوصول إلى العنوان، أسبوع أو أكثر ثم بعد ذلك انتظار أريحية وكرم المرسل إليه في الجود بردّ كافٍ شافٍ، لتلقُّفِ الرد بلهفة عجيبة، انفراديا أو جماعيا.

كانت أكثر الرسائل إثارة لدقات القلوب تلك التي ترقص بين العشاق في جميع أحوالهم، إيجابية أو سلبية أو رمادية، لا هي نعم ولا هي لا. وكان العاشقون لا يثقون في قدرة أسلوبهم فيشترون كتبا صغيرة تعلمهم كيف يؤثرون في القلوب والأهواء، ماذا يُكتَب في المقدمة وكيف يَحسُن التخلص إلى الموضوع قبل خاتمة ترن في القلب والدماغ.

كان هناك احترام للمرسَل إليه من خلال تشريفه بكلام موجه إلى شخصه أو إلى محيطه، وكان المرسِل يستدعي المشترك من الأحداث والأقوال وكأنه حاضر معه، ويستثير الذكريات القريبة والبعيدة، وكأن للعلاقة حرارة تمر عبر السطور، في التلقي والإرسال.

اليوم، يقوم المرسل بنسخ صورة لتهنئة بالعيد أو السنة الجديدة أو أي مناسبة، وما أكثر الصور المعززة بخطوط رائعة وبألوان مبهرة، ثم يرسلها لمرسلٍ إليهم، قد يتجاوزون المائة أو المائتين، ثم يعتقد أنه يمارس “الصواب” مع أحبابه أو أصدقائه، وأن ذلك سيزيد من محبة الآخر ويوطد معه العلاقة أكثر. وقد يرسل فيديو لجمعة مباركة أو حج مبرور أو دعاء شافٍ، متجاوزا جمود الصورة.

تعوّد الناس على هذا التراسل البارد، الخالي من الصدق، العاري من أي احترام للآخر، الذي لا يستحضره المرسِل ولا يفكر فيه ولا يفْرده بأي خصوصية، مجرد رقم وسط المئات، لا أحد يذكره ولا يُتعب دماغه باسترجاع المشترك من الزمن الماضي. وحتى “الزبناء” القدامى للرسالة الورقية تنكروا لها ومضوا يمارسون هذا التسطيح التراسلي الإلكتروني.

كيف تحس حين تأتيك صورة لتهنئة بعيد الأضحى من قريب أو صديق، وتكتشف أنها هي نفسها التي أرسلتها لأحبابك وأصدقائك قبل ساعات؟ المفروض ألا ترد عليها بمثلها ولكن بأحسن منها. إذا “أفقت بعيبك”، فتكتب رسالة ولو قصيرة، بأسلوبك للمرسل إليه، تذكر اسمه على الأقل. تجعله يطمئن على أنك تفكر فيه وتستحضره ولو بأقل الإشارات.

لم يسبق لي أن أرسلت رسالة مسكوكة مستنسخة لمن أحب، أرد على أحبابي وأصدقائي إذا خصّوني برسالتهم “الدافئة” نسبيا، وأُعرِض عن صورهم وفيديوهاتهم الباردة. وإذا عاتبني أحدهم أعدت عليه ما ذكرت في هذا المقال.

في هذا الزمن الغريب، تكلست وتجمدت العلاقات بين الناس، وأضحت مجرد نقرة تريد أن تنوب عن العواطف البشرية الصادقة الجياشة التي تربطنا ببشريتنا. هل فات وقت إصلاح عطب العلاقات الإنسانية؟ أم أن هناك طمعا في رِدّة ما إلى عاداتنا القديمة الجميلة التي ضيعناها، أضخمها وأجملها الاحتفال الجماعي في المسرح أو السينما وأقلها الجلسة الأسرية المسائية الدافئة، بعيدا عن برودة التلفزيون والهاتف والحاسوب؟

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

20
  • فؤاد ألمانيا
    السبت 2 دجنبر 2023 - 09:23

    باختصار : رائع رائع رائع ……..

  • محمد
    السبت 2 دجنبر 2023 - 09:28

    صحيح اختفت الرسائل الخطية التي تواجدت للالاف السنين في فقط العشرين السنةالاخيرة مما يذل على اننا ربما نعيش الألفية الأخيرة من هذا الوجود الدنيوي

  • RACHID MARRAKECH
    السبت 2 دجنبر 2023 - 09:32

    لقد قضت العولمة على تراتنا وتقاليدنا و هوتنا ، نقلد الدول المتقدمة بل أصبحنا مثلهم ليس من الجانب العلمي ولكن من الجانب الإجتماعي : لم تعد لدينا علاقات عائلية كما انت ولا أصدقاء ، كانت الزيارات العائلية تدوم أياما وفي بعض المناسبات أسابيعا. اليوم لا تتعدى ساعات بل يستقبل بعضنا البعض في المقاهي أو في قاعات الحفلات……

  • ملاحظة
    السبت 2 دجنبر 2023 - 09:36

    انا متأكد ان التسعينات كانت اخر افظل الأزمنة لانه مع التطور التكنولوجي في تلك المرحلة كنا سعداء و مستمتعين بتلك الطفرة ، لكن بعد غزو الأنترنيت بيوتنا ورغم التطور و التسهيلات الكبيرة لحياتنا الحالية الا أن مفهوم السعادة اصبح يختفي و اصبح التوتر و القلق و الانفعال هو المتحكم في حياتنا اليومية

  • المكي
    السبت 2 دجنبر 2023 - 09:38

    هذا موضوع ممتاز.حينما نتلقى رسالة من احد الاصدقاء كنا نجيبه بأسلوب في المستوى.نبحث ونكتب ليكون اسلوب الرد احسن بكثير من الذي نتوصل به.اما الرسائل الاليكترونية ساهمت في الأمية لدرجة ان هناك من يبعث الرسالة لا يغير حتى اسم من كتبها.

  • أبو أحمد
    السبت 2 دجنبر 2023 - 09:39

    و بعد السلام،
    يا لين أيام الشباب تعود يوما، شكرا لكاتب المقال، كل من تجاوز الأربعين إما دمعت عيناه لتدكار جميل، أو حزين. و يبقى جيل السبعينات من القرن الماضي هو الجيل المخضرم عاش الكلاسيكي و الحديث، و قد يعيش ما هو أجدد.

  • نظرة عن بعد
    السبت 2 دجنبر 2023 - 09:45

    رغم سلبيات هناك بعض ايجابيات وهو مجانية مكالمات نحو الخارج التي كانت غالية وشبه مستحيلة على ذوي الدخل محدود والقضاء على الاستغلالين

  • محمد
    السبت 2 دجنبر 2023 - 10:31

    لحسن حظي أنني عشت هذه المرحلة.كنا نراقب ساعي البريد لحظة مروره بالحب بدراجته الهوائية .فينا من يلعب الكرات الزجاجية ” البي” ومنا من يلعب كرة القدم ‘هذا ونحن نراقب خطواته عند أي باب تقف.أتأسف على هذه الأجيال التي لم تلحق تلك الفترة. كانت مي طامو تخرج بلوحة خشبية عليها ثوب جبلي وبداخلها عجينة خبز وهي على بابها لا تكترث حتى لوجه من سيتكلف بنقلها جريا الى فران الحومة.وكلها ثقة أنها ستأخد مكانها مع باقي الألواح.عفوا ما عشتو والو.

  • سمير
    السبت 2 دجنبر 2023 - 10:41

    هدا يعني اننا دخلنا في مرحلة متقدمة من العصر …من قبل كان مثلا مستحيل ادا أردت التواصل مع شخص عبر الهاتف و هو غير موجود أو مشغول… الان ترسل له رسالة…و تبقى تنتضره حتى يشغل هاتفه…الخطير هو ان استعمال كثير من البشر الانترنت في ان واحد يمكنه ان يعطله…

  • التطور
    السبت 2 دجنبر 2023 - 10:53

    أظَن الأمر عادي، فتطور الإنسان مسألة حتمية. و عوض البكاء على الأطلال و الدخول في عقدة الجيل القديم أحسن و انضج من الجيل الجديد، على الإنسان أن ينسجم مع حاضره و يعيشه بمنافع التقنيات الحديثة. و أظن أن الناس الذين ينغمسون في نوسطالجيا الماضي و حرب الأجيال هم أكثرهم عيشا في الفراغ.

  • أشرف - الجديدة
    السبت 2 دجنبر 2023 - 12:44

    قلتَ جميع ما يجب أن يقال ، وبأسلوب شيق و جميل . وها نحن نرد عليك بالساخن وليس بالبارد . شكرا على موضوعك الجميل وهذا الشكر موجه بالخصوص من جيل الستينيات والسبعينيات .

  • كريم
    السبت 2 دجنبر 2023 - 13:42

    للتصحيح الزمن القديم وليس الجميل ما قد يبدو جميلا لك قبيح عندي الرسالة الخطية وسيلة الرسالة الإلكترونية ايضا وسيلة اما حرارة الشعور والترقب والشوق واحدة المشكل هاهنا يرتبط بقصور نظرتك للأمور والآتي اعجب مما تظن قد نعيش في غرفة واحدة مع عدد من الناس لا تجمعنا نفس الأرضية او المكان اي اني في المغرب أستطيع ان أقابل الماني في حي برلين ونحتسي كوب قهوة . أنا ادعوا كل من يعيش على النوستالجيا السلبية ان يواعد طبيب نفساني لكي يزيح ذلك الجدار بين الماضي والحاضر( أنا من مواليد الثمانين فلا للمزايدة ).

  • Startlink
    السبت 2 دجنبر 2023 - 15:11

    تعتبر تقنيات الولايات المتحدة الأمريكية واتساب إنترنت يوتيوب هدية للعالم الثالث والدول المتخلفة إذا جعلت الحياة سهلة للغاية لمواطني هذه البلدان

  • أحمد
    السبت 2 دجنبر 2023 - 15:17

    انا لم أرسل يوما رسالة خطية لأحد مع اني من جيل أواخر السبعينات
    كان عندي اصدقاء كثر لكن لم أرسل يوما لأحد رسالة
    بدأت بإرسال الرسائل فقط بعد ظهور الانترنت
    لكن يبقى الماضي أجمل رغم ما يعاب على محبي الماضي من أنهم سلبيون يعيشون على الأطلال

  • الزمن الجميل
    السبت 2 دجنبر 2023 - 16:28

    مزال لحد الان محتافض بالعديد من الرسائل الورقية في صندوق خاص منها من تجاوزت الثلاثين سنة
    في احدى المرات جاء عندي ابن اختي وناولته بعض رسائل (امه) اختي تبشرني بقرب ازيدياد ابنها وتسالني إمكانية الحضور .الابن الان متزوج وكان سعيدا جدا بهذه المفاجأة

  • الوزاني
    السبت 2 دجنبر 2023 - 19:28

    فعلا رحل عنا الزمن الجميل باشيائه الجميلة وحلت علينا التكنلوجيا وبعثرت كل شيئ، فقدنا الاستمتاع ببعضنا وما يدور حولنا، خدعنا بهذا التطور

  • سير سير و ....
    الأحد 3 دجنبر 2023 - 05:33

    بعيدا عن نوسطاجيا البكاءيات ، الموضوع كتب بقلم رشيق و دفق إنساني نبيل . نتدكر : شكرا ساعي البريد .. نتدكر : ولا يخصنا سوى النضر في وجهكم العزيز . سير سير …

  • Karim
    الأحد 3 دجنبر 2023 - 10:56

    مقال أكثر من رائع ،لقت تكلمت وأجزت ووفيت : جزاك الله ألف خير و بما أنني من جيل السبعينات سأضيف تجربة شخصية لي مع زوجتي الحالية أطال الله عمرها و حفظها من كل شر : بما أنني كنت أكبر منها سنا وكنت آنذاك في سلك العمل وهيا كانت لا تزال في الجامعة ،كنا نتفق على وقت معين الخامسة مساء ( قبل مجيء والدها من العمل ) وأدع أختي تجري الإتصال قبلا في حال إجابة فرد من عائلتها ثم تمررها لي …كم أشتاق لتلك الأيام وعندما إضطررت للسفر خارج البلاد في إطار عملي كنا نتراسل بالبريد وتضع قليلا من عطرها المفضل مع مجموعة من القلوب الحمراء في جميع رسائلها وكانت تنتظر ساعي البريد في طرف الحي ماإن تسمع صوت دراجته حتى تحصل رسائلي مع إعطاء بقشيش للساعي حتي يظل الأمر سرا ….لا أعرف كيف شكرك سيدي على هذا المقال الذي من خلاله إسترجعت ذكريات لل لن يستطيع فيسبوك أو واتساب تعويضها رغم خوارزمياته الجد متطورة .شكرا لك

  • ملاحظ عابر سبيل
    الأحد 3 دجنبر 2023 - 13:40

    يشرفني و يسعدني أن أكتب اليكم هذه الرسالة حاملة مني اليكم أشواقا حارة.
    تحية طيبة و أشواقا حارة أرسلها اليكم مع متمنياتي لكم بدوام الصحة و السعادة.
    أبلغ اليكم سلامي الحار و الى كل أفراد أسرتكم الكريمة صغيرا و كبيرا متمنيا لهم دوام السعادة.

  • عكاشة أبو حفصة
    الثلاثاء 5 دجنبر 2023 - 10:05

    لازلت لحد الساعة استعمل الرسائل المكتوبة وارسلها الى ابنتي لاني وبكل بساطة أب مطلق لا املك رقم هاتف ابنتي لاني ممنوع من زيارتها . عندما كانت تدرس كنت ارسل الى الرسائل المكتوبة عن طريق ادارة المؤسسة الخاصة التي كانت تدرس بها الى ان حصلت على البكالوريا . وبعد ذلك لا اعرف اين توجد الان وحتى المنزل الذي كان يحتضنها يضع صندوق بريدي مقفل بالمفتاح لكي لا تتوصل ابنتي برسائلي مباشرة الامر عادي. اما عن موضوع كتابة الرسائل لما قبل سنة 2000 فكنت من عشاق كتابة الرسائل والمرسلات بين الاصدقاء . اشكر مرة اخرى هسبريس على هذه المواضيع الهامة جدا والتي ترجع بينا الى العصر الذهبي اي ما قبل عصر التقدم التكنولوجي الهائل في ميدان الاعلام .

صوت وصورة
قفزة جديدة في أسعار الدجاج
السبت 24 أكتوبر 2026 - 11:48 6

قفزة جديدة في أسعار الدجاج

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35 3

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00 17

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30 6

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب

صوت وصورة
الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 18:32 4

الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع

صوت وصورة
إصلاح الضريبة على الدخل
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 17:47 4

إصلاح الضريبة على الدخل