(1)
قُبيل تطبيق الحجر الصحي أهداني صديقي عبد الرحمن الشعيري منظور كتابه الأول الموسوم بـ”علماء الدين والدولة: مساهمة سوسيوسياسية في تفكيك الخطاب والممارسة” الذي صدر سنة 2020 عن دار الكتب الحديثة بالأردن، ولأن كُتبا أخرى كثيرة كانت على قائمة الانتظار، فقد وضعته جانبا إلى أن يحين حينُه، ولكنني أحسست مع مرور الأيام بخطأ “سلوكي” هذا وقبحه؛ فإنتاجات الأصدقاء وأعمالهم ينبغي أن تُعطى لها الأولوية القصوى، وغيرها من عليه أن ينتظر، فإن لم يحتفِ الناس بإنجازات خِلّانهم، ويعرّفوا بها، وينشروها ويتقاسموها مع “روّاد العالم الأزرق” فمن سيفعل إذا؟
لقد علّمتني التجارب في هذا المجال أن الكاتب ـ خاصة زمن نشر مقالاته الأولى أو كتابه الأول ـ ينتظر على أحرّ من الجمر سماع ملاحظات أصدقائه، لأنه يعلم بأنهم سيقدمون تقييماتهم على أساس بِنائي، وسيفعلون ذلك بطريقة فيها احتفال وافتخار تجعله يتشجع على الاستمرار في التجربة وتطويرها. ولكن الحاصل أن الأمور لا تسير على هذا الدّرب دائما؛ فكم من كاتب كان أول من كسّره ـ للأسف ـ أقرب الناس إليه، إما لسوء تقدير في منهجية النقد التي تناسب مرحلة الكاتب النفسية، أو غَيْرَةً وحسدا وكفى! وحكايات هذه المعاناة يمكن أن نملأ بها جلدة كاملة، فهي معروفة ومتداولة. مثلا، أنا أعرف كاتبا من جيلي، له من الكتب والمقالات والقصص الشيء الكثير، ولكني أعلم أن أصدقاءه الأقرب إليه يُعدّون آخر من يقرأ له… إن قرأوا.. !! رغم أن مكتوباته لا تخلو من متعة وفائدة، مع وجود فوارق وتفاوتات طبعا، شأنها شأن جميع ما تلفظه المطابع ودور النشر.
هل تُراني ـ إذا ـ أكتب هذا المقال فقط لأقوم بواجب هذه الصداقة وأزيح عنّي التزاما أثقل كاهلي؟
يمكن من جهتي أن يكون الأمر كذلك في حالات أخرى !! ولكن صديقي الدكتور منظور أثبت منذ زمان، من خلال ما نشره من مقالات في مجلة “وجهة نظر” المحترمة لصاحبها عبد اللطيف حسني ـ رحمه الله ـ ومجلة رهانات، ومن خلال مشاركاته في ندوات وأنشطة فكرية وثقافية أنه بالفعل باحث مُجدّ ورصين… ويَعِدُ بقدوم متخصِّصٍ في مجاله، لن يمرّ وقت طويل حتى يصبح مرجعا ودليلا يُعوَّلُ عليه ويُتَّكأُ، خاصة إذا عرفنا أنه يتميز أيضا بخاصيتين جميلتين: انفتاحه على مقروءات كثيرة من غير تخصصه، وشخصيته الاجتماعية المرحة؛ فهو صاحب نكتة، ومُجالسته لا يُشبع منها..!
أما أصدقاؤه ـ وأرجو أن أكون أحد هؤلاء ـ فيبدو أنهم من النوع الذين يحسّون بالفخر لكون أحدهم نبغ وأنجز شيئا ملموسا، من أجل ذلك تراهم قد نظّموا له ـ لحد الآن، والزمنُ زمنُ حجرٍ صحيٍّ ـ احتفاليتين عن بُعد، ونشر بعضهم مقالات تعريفية وتحليلية حول الكتاب وطروحاته في جرائد ومواقع إليكترونية.
(2)
عندما تعمّقتُ في قراءة الكتاب اكتشفتُ أنه يستحق القراءة بالفعل، بغضّ النظر عن جميع الحيثيات السابقة، وتأكّدتُ تماما بأن صديقي منظور في تكوينه، وطريقة تعبيره عن إشكالياته الفكرية، وكذا قدراته التحليلية والمنهجية، كان في مستوى توقعاتي وأفق انتظاري.. أهنئك!
لقد عمل ـ في أكثر من أربعمائة صفحة مكتنزة ـ على الحرث بجدّ في أرض صلبة، مستعملا عُدّة منهجية متناسقة ومتناغمة، مستمدّة أساسا من معين نظريات علم الاجتماع السياسي وأدبيات علم الاجتماع الديني، وأرضه تلك كانت عبارة عن إشكالية مديدة وواسعة يمكن تفكيكها لعناصر أربعة أساسية: لقد وجد نفسه ـ أولا ـ أمام معظلة إيجاد تعريف محدد لمفهوم “عالم الدين” في المغرب الراهن. وجاهد بعد ذلك من أجل تصنيف السلوك السياسي وأنماطه الخاصة بهذا الفاعل الديني والسياسي والاجتماعي، في ظل واقع تقنين “الحقل الديني” ومأسسته في الدولة الوطنية الحديثة. ثم كشف ـ ثالثا ـ عن مركز العلماء وموقعهم الاعتباري والسياسي في النسق السياسي المغربي، ثم اجتهد أخيرا في تحديد الوضعية الاجتماعية والمادية لهذه النخبة سواء الرسمية منها أو العاملة في الحقل الديني المضاد.
أما خلاصاته فكثيرة ومنسجمة إلى حد كبير مع منطلقاته وخطواته التحليلية. ولتسهيل الجهد وتيسيره على القارئ غير المتخصص أفرد لها خاتمة عامة من خمس صفحات جمّع فيها ما تناثر في متن الكتاب. وفي الحقيقة، لقد فعل بذلك خيرا، خاصة وأنه نسجها بإحكام كبير جعلتني مستعدا لحفظها عن ظهر قلب وجعلها من ضمن مكتسباتي التي يمكن أن أنتفع بها أثناء كتابة مقال قادم أو مساهمة في مناقشة إشكالية العلاقة الملتبسة بين العلماء والدولة في المجال الديني والسياسي المغربي..!
لقد خلص في نهاية النهاية إلى أن المركز الاعتباري لنخبة “علماء الدين” مازال يعيش مخاضا عسيرا في الدولة الوطنية ما بعد الكولونيالية، وذلك جرّاء خيارات السلطة الراغبة في تقنين مختلف أوجه فعلهم الديني في المجتمع بما يتناسب ونزوعها نحو تأميم واحتكار “الحقل الديني” الوطني من خلال تحويلهم إلى مجرد موظفين مختصين ينسجون في خطة الحاكمين، وهذا ما أضرّ بشكل كبير بصورتهم لدى الناس، وهمش دورهم في إثراء النقاش العمومي والحياة السياسية شكلا ومضمونا.
الجميل في كتاب صديقي منظور أنه استطاع أن يتحايل على القارئ بشكل بارع فيما يخص “جدلية الذاتي والموضوعي” التي تثار عادة في مثل هذه الأطاريح؛ فقد أعطى انطباعا جيدا بأنه كان غاية في “العلمية” الأكاديمية، بينما هو في الحقيقة كان لبقا أثناء دسّه لتقديراته الفكرية واختياراته السياسية في مفاصيل بحثه وأركانه بحيث ينهار تماما بزوالها وانعدامها.
… قليلا ما يتفقان .
لان السياسي يتعامل مع الواقع كما هو ويسعى إلى إيجاد الحلول الذي يفرضها ذلك الواقع ، اما الفقيه يكون حريصا على اخضاع الواقع لنصوص جاهزة سابقة او لواقع سابق في زمن ومكان
سابق.
سياقان فكريان متناقضان.
كما ان الفقيه لا يكون ملتزما في كثيرا من الأحيان بما يطالب به الآخرين من سلوك فينطبق عليه قول الشاعر:
اهل الرياء لبستم ناموسكم كالذءب يدلج في الظلام
فملكتم الدنيا بمذهب مالك و قسمتم الاموال بابن القاسم.
… كفنون الحرب تتغير حسب طبيعة كل معركة ، مما يجعل السياسي لا يتوافق مع الفقيه الذي يعتمد على نصوص منقولة جامدة.
الحاكم السياسي المحنك يسوي الناس بما يستطيعون ض
لضمان طاعتهم.
والفقيه يفرض على الناس ما لا يتوافق مع احوال عصرهم ويلزمهم بالاقتداء بسلوك السلف الذي عاش في عصر اكل عليه الدهر وشرب .
… احتكارا وانما ضبط و ترشيد الحقل الديني .
تضارب الآراء وتعارض المذاهب في الحقل الديني ليس وليد اليوم ، لأن الخلاف حول شرعية من يتولى أمر الدين والدنيا نشأ مباشرة بعد وفاة الرسول (ص) ، حيث ادى ذلك الخلاف إلى حروب الردة والجمل وصفين والنهروان وكربلاء ، مما مزق صف المسلمين وفرقهم طوائف قددا ، منهم السنة والشيعة والخوارج.
ولقد احيت الثورة الشيعية الخمينية نفس الحروب في المشرق فدمرت البلاد وشردت العباد .
ولولا ضبط الحقل الديني وترشيده في نطاق امارة المؤمنين في المغرب لحدثت قومة الخلافة التي توهمها الشيخ عبد السلام ياسين وتسببت في نفس التطاحن.
الجزائر أدى فيها اهمال النظام لضبط الحقل الديني إلى استفحال الدعوة الإخوانية مما تسبب في حرب أهلية دامت 10 سنوات .
في تونس فشل حزب النهضة الاسلامي في تحقيق الاجماع الوطني حول قضايا البلاد فتشرذم الحقل السياسي.
في ليبيا تحول الصراع ضد الاسلاميين إلى حرب طاحنة .
وقس على ذلك مصير الاخوان في مصر وسوريا والسودان.
وهكذا تميز الاستثناء المغربي بحماية امارة المؤمنين للاخوان المعتدلين واشراكهم في الحكم ، وإبعاد المتطرفين منهم ومعاملتهم بلطف .
… الأطروحة ليست دقيقة لان الحقل الديني واحد يحكمه الكتاب والسنة وليس هناك حقل ديني رسمي وحقل ديني مضاد.
كما إطلاق اسم علماء على الفقهاء يستدعي التحفظ لان العالم يفكر في مجال العلوم القطعية ويخترع منوعات تنفع الناس.
اما الفقيه فهو ناقل حافظ يلتزم بنصوص جامدة لا تجوز مخالفتها.
لقد سبق في تاريخ المغرب ان أحرق فقهاء المرابطين كتاب الإحياء للغزالي كما اخرق الموحدوز كتب الفروع في الفقه. كما سبق ان كفر الفقيه ابن تومرت اتباع الفقيه عبد الله بن ياسين.
الفقهاء حاليا في المغرب هم المتخرجون من القرويين وفروعها الملتزمين بالبيعة الشرعية.
اما بعض رجال التعليم المتاثرين باخوان المشرق المعارضين لامارة المؤمنين فلا علاقة لهم بالفقه.
دخلت يوما الى المكتبة التي ابتاع منها جديد الاصدارات بطنجة فعرض علي صاحبها كتاب الدكتور الشاب منظور . وحين تصفحت فهرسه العام أعجبت بالتسلسل المنطقي والأكاديمي لأقسام الكتاب وومباحثه فاشتريته دون تراجع خاصة وأنني في منظومة الشأن الديني المغربية وجزء منها . واعظ وخطيب ومشارك في العديد من الدورات التكوينية التي ينظمها المجلس الأعلى بتنفيذ من المجالس العلمية المحلية لجهات المملكة . اعتكفت على قراءة الكتاب . العمل قيم وبذل فيه صاحبه مجهودات قيمة غير أنه عمل انسان لا يخلوا كغيره من أعمال البشر من النقص خاصة حين لا يتجرد الكاتب من حمولته الايديولوجية والتي كان الدكتور عبد الرحمن يدسها بين السطور ولا يشتمها الا ذو مراس وخبرة . بورك له في انتاجه وعمله وزاده الله من فضله .واذا سمحت الفرصة ذكرت بعض الملاحظات التي سجلتها حين قراءتي لعمله .
يقول:
"فإنتاجات الأصدقاء وأعمالهم ينبغي أن تُعطى لها الأولوية القصوى، وغيرها من عليه أن ينتظر" الاولوية للصداقة وليس للاهمية والفائدة ، ما يأتي من جهة صديق ، بغض النظر عن قيمته المعرفية او الاخلاقية هو اهم واولى من كل ما قد يأتي من "اجنبي"، حتى القضايا الفكرية تدخل ضمن تحالفات معينة ، وهي نفس منطق قول " انصر اخاك ظالما او مظوما"، الاستنتاج الاول من هكذا كلام ، هو عدم الثقة فيما يقدمه هؤلاء للقراء بناء على ما سبق ’’’’هذا ما يفسر لنا سبب انغلاق الاسلاميين على ذواتهم وتبخيسهم لكل ما هو ليس لهم ولا منهم ، وكذا تقديسهم للتراث وشخصياته ونبذهم للانتاج الفكري الاجنبي ،ى وحتى اذالا اطلعوا عليه فليس من باب الفضول المعرفي وانما لتقييمه بميزان تراثه ، مدحا واعجابا اذا كان اقل منه شأنا او منسجما مع مبادئه الاساسية وتهجما وتبخيسا اذا كان في الجهة المقابلة ، ولم يفت صاحبنا ان يتأسف على "كسر" اصدقاء لاصدقائهم بسبب عدم مدح كتاباتهم والتصفيق لهم بغض النظر عما يقدمونه للقارئ من مساهمات مفيدة
الجميل في كتاب صديقي منظور أنه استطاع أن يتحايل على القارئ بشكل بارع فيما يخص "جدلية الذاتي والموضوعي" التي تثار عادة في مثل هذه الأطاريح؛ فقد أعطى انطباعا جيدا بأنه كان غاية في "العلمية" الأكاديمية، بينما هو في الحقيقة كان لبقا أثناء دسّه لتقديراته الفكرية واختياراته السياسية في مفاصيل بحثه وأركانه بحيث ينهار تماما بزوالها وانعدامها.
ما المقصود بالتحايل على القاريء …؟؟؟ هل هو مبدأ التقية الذي يدعو إلى إظهار خلاف ما يبطن الكاتب لكي يمرر ايديولوجيه ويدسها دون أن يفطن القارء إلى مراميه… ؟؟ الحقيقة أن الكاتب أو الباحث يعلن عن الاطار النظري والمرجعية الفكرية التي ينطلق منها في كتابه بصفة صريحة ويبقى للقاريء الحكم على الكتاب أما التحايل والدس ووو