تشكل العدالة والشفافية ركيزة أساسية في بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات، وهو ما يهدف إليه المخطط الاستراتيجي 2026-2029 الذي يمثل فرصة تاريخية لتعزيز منظومة العدالة بالمغرب، وترسيخ حق المحاسبة والشفافية، في مواجهة مختلف التحديات التي تعرقل تحقيق التنمية والحوكمة الرشيدة. يرتكز المخطط على تطوير التشريعات الوطنية وربطها بالمعايير الدولية، مع إعطاء اهتمام خاص للفئات الهشة، كالنساء والأطفال وذوي الإعاقة. كما يهدف إلى تحديث منظومة القضاء عبر تأهيل الكفاءات، والرقمنة، وتحسين استقبال المرتفقين، وتوحيد الممارسات، وترسيخ آليات تقييم الأداء. تشير الإحصائيات الرسمية إلى تلقي المغرب خلال سنة 2023 أكثر من 11 ألف بلاغ فساد، بنسبة زيادة بلغت 18 في المائة مقارنة بالسنة السابقة، مع تركيز الشكايات على قطاعات الصحة والتعليم والإدارة العمومية.
كما كشف التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات عن اختلالات في نحو 60 في المائة من الصفقات العمومية الكبرى، ما يتطلب تعبئة أكبر لمواجهة هذه الظواهر. خلال لقاء تواصلي نظمته رئاسة النيابة العامة في يوليوز 2025، أبرز الوكيل العام للملك السيد هشام البلاوي مكونات المخطط الاستراتيجي، حيث ركز على تحقيق تسعة محاور رئيسية، منها مكافحة الفساد وحماية الحقوق والحريات، وتأهيل الموارد البشرية، وتعزيز الرقمنة، وإرساء نظام التعاقد وتقييم الأداء، بالإضافة إلى إنشاء مجلس الوكلاء العامين كهيئة تنسيقية جهوية.
وشدد على شعار المرحلة “نيابة عامة مواطنة: حامية لأمن وسلامة المجتمع، ضامنة للحقوق والحريات”. وتتباين الآراء حول المخطط، حيث يرى المؤيدون فيه نقلة نوعية نحو الإصلاح، مؤكدين أثر الرقمنة وتطوير الموارد البشرية على رفع جودة الأداء وتعزيز ثقة المواطن، يعكس مجلس الوكلاء العامين تعزيزا للتنسيق وتوحيد الممارسات القضائية. أما المحايدون، فيُقرُّون بالتقدم الحاصل، ولكنهم يحذرون من بطء الإجراءَات الإدارية ونقص الموارد، ما قد يعرقل الإنجاز، ويطالبون بتمكين أكبر للمجتمع المدني للقيام بدور رقابي حقيقي. في ظل استمرار مشكلات بنيوية كالبيروقراطية، وضعف الإرادة السياسية، وتأخر إحالة ملفات الفساد للقضاء، مما يؤدي إلى استمرار فقدان ثقة المواطن. وقد شهد المخطط تطبيقات ناجحة ميدانية، منها تسريع معالجة الشكايات القضائية عبر بوابات إلكترونية، وتفعيل العقوبات البديلة للحد من الاكتظاظ السجني، إضافة إلى الرقابة الرقمية على الصفقات، التي ساهمت في تقليص التجاوزات المالية.
لكن لا يمكن تحقيق أهداف الإصلاح دون تعزيز استقلال القضاء، الذي يشكل الضامن الحقيقي لتطبيق القانون بعدالة وحيادية، وحماية القضاة من الضغوط السياسية والإدارية. كما يعد الإعلام الحر والمسؤول شريكًا أساسيا في منظومة المحاسبة والشفافية، بكشفه التجاوزات وبناء وعي مجتمعي يدعم الإصلاح. إن غياب استقلال القضاء وحرية الإعلام يُعرض أي مخطط للإحباط، لذلك يجب وضعهما في صلب الأولويات الوطنية لضمان نجاح الإصلاح وتحقيق تطلعات المواطنين في عدالة فاعلة ونظام حكم رشيد.
“الحُكم الرشيد شجرةٌ جذورها الاستقلال، وسقفها الشفافية، وثمارها ثقة الشعب.”
أستاذ سمير،
بعد قراءة مقالكم الثري حول المخطط الاستراتيجي 2026-2029، أجد نفسي أمام رؤية إصلاحية طموحة تستحق الإشادة والنقاش العميق. لقد أبرزتم ببراعة تلك المعادلة الصعبة بين ضرورة الإصلاح القضائي وحتمية مواجهة الفساد البنيوي، خاصة في ظل الأرقام الصادمة التي كشفتموها عن بلاغات الفساد واختلالات الصفقات العمومية.
جرأة غير مسبوقة. وأضيف: إن نجاح أي إصلاح قضائي مرهون بقدرتنا على تحويل “النيابة العامة المواطنة” من شعار إلى ثقافة مؤسساتية، حيث يصبح كل موظف عام حارسًا للقانون لا لحسابات الضغط.
التجارب الدولية تُعلمنا أن أفضل المخططات قد تتعثر إذا لم تُرفق ب:
آلية رقابية مستقلة (خارج إطار الأجهزة الرسمية)
تفعيل لدور القضاء الدستوري في مراقبة تنفيذ الإصلاحات
إشراف شعبي حقيقي عبر منظمات المجتمع المدني
ختامًا، وانسجامًا مع روح مقالكم، أقول:
“الفساد لا ينهزم بالخطب، بل بإرادة لا تلين، وقضاء لا يخشى، وإعلام لا يصمت.”
(أرجو أن يكون هذا المخطط بداية عهد جديد، حيث تتحول العدالة من حلم شعبي إلى واقع يومي.)
ALHOCEIMA
أستاذي الفاضل،
تحية طيبة وبعد،
بعد قراءة تعليقكم الثري على المقال، أجدني أمام رؤية نقدية عميقة تستحق التأمل. ومما لا شك فيه أن تعليقكم يلامس جوهر الإشكالية التي يجب أن يناقشها أي مخطط إصلاحي حقيقي.
واستنادًا إلى ما سبق في مقالي، وإلى الأرقام الصادمة التي أشرتم إليها، فإن نجاح أي إصلاح – مهما بلغت دقة صياغته – مرهون بتحقيق شروط أساسية. وتأسيسًا على ذلك، أرى أن تحليلكم يضع الإصبع على مكمن الخطر الحقيقي: الفجوة بين الطموح النظري والتطبيق العملي.
ولتوضيح ذلك أكثر، فإن نقاطكم الثلاث تمثل بالفعل دعائم أي إصلاح ناجح:
· أولاً: الآلية الرقابية المستقلة هي الضمانة الحقيقية ضد تحول المخطط إلى مجرد حبر على ورق.
· وثانيًا: تفعيل دور القضاء الدستوري يمنح المخطط حصانة ضد التغييب أو التأويل المسيّس.
· وثالثًا: الإشراف الشعبي الحقيقي يحوّل المخطط من مبادرة حكومية إلى مشروع مجتمعي.
وعلى العكس من ذلك، فإن غياب أي من هذه الدعائم قد يحوّل المخطط – رغم جودة صياغته – إلى مجرد وثيقة جامدة.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن عبارتكم البليغة: “الفساد لا ينهزم بالخطب، بل بإرادة لا تلين، وقضاء لا يخشى، وإعلام لا يصم