في كل مرة أمر فيها من زقاق ضيق في حي “حضري” بامتياز، وأجد رجلاً يجلس على كرسي بلاستيكي أمام باب منزله منذ الصباح، يراقب كل من يمر وكأنه يحصي أنفاس الحي، أتساءل:
من أين جاء هذا المشهد؟ ولماذا يبدو غريباً رغم أنه مألوف جداً؟ الجواب، في تقديري، أبسط مما نظن وأعقد مما نتخيل في آن واحد: نحن أمام مدن بنيناها بالإسمنت، لكننا لم نبنِ بعد الإنسان الذي يليق بها.
ليست هذه ملاحظة عابرة يطلقها من يحتقر أهل البادية أو يسخر من عاداتهم. أبداً. القضية أعمق من ثنائية “المدني” و”القروي” التي أرهقتنا بها النقاشات السطحية على مواقع التواصل. القضية هي: كيف تتغير مدننا المغربية اليوم، لا في عمرانها فحسب، بل في روحها، في طريقة استعمالها، في العلاقة التي تربط ساكنيها بالفضاء العام والفضاء الخاص؟
خذ مثلاً هذا المشهد الذي بات مألوفاً في كثير من أحيائنا: عمارة من خمسة طوابق، واجهتها حديثة، بها مصعد، وفي الطابق الأرضي محل لبيع الهواتف الذكية، وعلى بعد أمتار قليلة، سيارة حديثة الطراز مركونة، وبجانبها كيس من العلف موضوع بلا اكتراث، وفوق سطح العمارة نفسها، خلف خزان الماء، قفص خشبي بدائي يؤوي بضع دجاجات وديكاً يصيح كل صباح عند الخامسة، غير آبه بمن يريد أن ينام قليلاً بعد نوبة عمل ليلية.
هذا ليس مشهداً متخيلاً. هذا واقع يعيشه كثير منا يومياً، في مدن الشمال والوسط والجنوب على حد سواء، من طنجة إلى كويرة . مدن تحمل في ظاهرها كل ملامح الحداثة، وفي باطنها إيقاعاً آخر تماماً، إيقاعاً قروياً محضاً، انتقل مع أصحابه دون أن يخلعوه عند بوابة المدينة.
والحقيقة أن هذا الانتقال طبيعي تماماً، بل متوقع. الإنسان لا يغادر البادية وهو يحمل حقيبة ملابس فقط، بل يحمل معه ذاكرة كاملة: طريقة جلوسه، علاقته بجيرانه، فهمه للخصوصية، تصوره لما هو “ملك عام” وما هو “ملك خاص”. وهذه الذاكرة لا تُمحى بمجرد توقيع عقد كراء شقة في الطابق الثالث من عمارة حضرية. إنها تحتاج إلى سنوات، ربما أجيال، حتى تتكيف مع منطق مختلف تماماً في العيش.
لكن المشكلة، وهنا بيت القصيد، أن هذا التكيف لا يحدث بالسرعة الكافية، وربما لا يحدث أصلاً في كثير من الحالات. فالإنسان القروي حين يصل إلى المدينة يجد نفسه في مكان جديد جغرافياً، لكنه يظل، ذهنياً واجتماعياً، في القرية التي غادرها. يجلس أمام بابه لساعات لأن هذا ما كان يفعله في الدوار، متناسياً أن الشارع هنا ليس امتداداً لبيته بل فضاء عام يشترك فيه مع عشرات الجيران الذين لا يعرفهم ولا يعرفونه.
وهنا يكمن الفرق الجوهري بين البيئتين. في القرية، حين تكون البيوت متباعدة والعلاقات الاجتماعية معروفة ومتجذرة، يكون الجلوس أمام الباب امتداداً طبيعياً للحياة الجماعية، بل هو شكل من أشكال التضامن والمراقبة الاجتماعية الإيجابية: الجميع يعرف الجميع، والجميع يحمي الجميع. أما في مدينة مكتظة، حيث تتلاصق العمارات وتضيق الأزقة وتصبح الخصوصية سلعة نادرة، فإن السلوك نفسه يتحول إلى شيء آخر تماماً: مراقبة غير مرغوب فيها، تضييق على حرية المرور، وشعور دائم بأنك تحت أعين لا تعرفها وهي تعرفك.
ولا يتوقف الأمر عند حدود الجلوس أمام الأبواب. لو كان الأمر كذلك لهان. المشكلة تتجاوز ذلك إلى ما هو أخطر: تربية الدواجن والحمام، بل والماشية أحياناً، داخل فضاءات سكنية لم تُصمم أصلاً لاستقبال هذا النوع من النشاط. أعرف شخصياً حالات تحول فيها المرآب المخصص للسيارة إلى حظيرة صغيرة، وحالات أخرى تحول فيها سطح المنزل، ذلك الفضاء الذي كان يُفترض أن يكون متنفساً للعائلة أو مكاناً لتجفيف الغسيل، إلى مزرعة مصغرة بكل ما تحمله الكلمة من روائح وحشرات وضجيج.
والمفارقة أن كل هذا يحدث على بعد أمتار قليلة من مدرسة حديثة، أو صيدلية، أو مقهى عصري يقدم القهوة المثلجة لزبائنه. وكأن المدينة تعيش انفصاماً حقيقياً بين طبقتين متجاورتين لا تلتقيان: طبقة عمرانية تساير العصر، وطبقة سلوكية ما زالت تعيش في زمن آخر تماماً.
حتى المناسبات الاجتماعية لم تسلم من هذا التداخل الغريب. فالعرس الذي كان في القرية مناسبة جماعية بامتياز، يحضرها الدوار بأكمله ويشارك فيها الجميع بشكل أو بآخر، ينتقل بالطريقة نفسها إلى قلب الحي الحضري: تُغلق الشوارع أمام حركة السير، وتُصف الكراسي على الأرصفة، وترتفع الموسيقى حتى ساعات متأخرة من الليل، ويجد الجار الذي لا تربطه بالعروسين أي علاقة نفسه مُجبراً على المشاركة في الفرح رغماً عنه، لأن صوت الموسيقى تسلل إلى غرفة نومه دون استئذان.
والسؤال الذي يجب أن نطرحه بجدية هو: أين تكمن المشكلة الحقيقية؟ هل في كون هذه العادات قروية بالأساس؟ بالطبع لا. المشكلة الحقيقية هي أن السلوك انتقل من بيئته الأصلية إلى بيئة مختلفة تماماً، دون أن يرافقه وعي بهذا الاختلاف. ما كان صالحاً هناك، لم يعد صالحاً هنا، ببساطة لأن قواعد اللعبة تغيرت جذرياً.
في القرية، الطريق أمام البيت جزء من نسيج اجتماعي متكامل. في المدينة، هو ملك عام يشترك فيه الجميع، وأي احتلال مفرط له هو تعدٍّ صريح على حق الآخرين. في القرية، صوت الديك عند الفجر جزء من موسيقى الطبيعة اليومية. في المدينة، هو مصدر إزعاج فعلي لعشرات العائلات التي تحاول أن تنام قليلاً قبل يوم عمل شاق. في القرية، تربية الماشية نشاط اقتصادي مشروع ومفهوم. في وسط حي سكني مكتظ، هي مصدر خطر صحي حقيقي يستدعي تدخل السلطات المحلية.
لكن، ولكي نكون منصفين تماماً مع أنفسنا قبل أن نكون منصفين مع الآخرين، يجب أن نعترف بأن المشكلة ليست في البادية ولا في أهلها. المشكلة في المدينة نفسها، وفي عجزها التاريخي عن استيعاب موجات الهجرة القروية المتلاحقة التي عرفتها منذ عقود. لقد اتسعت أحياؤنا بسرعة مذهلة، وارتفعت العمارات في زمن قياسي، لكن عملية الإدماج الثقافي والاجتماعي، تلك التي تحوّل القادم الجديد إلى ساكن حضري بكل معنى الكلمة، لم تواكب هذا التوسع العمراني السريع. بنينا الجدران، لكننا نسينا أن نبني الإنسان الذي سيسكن خلفها.
وهذا هو جوهر المفارقة المغربية التي أراها كل يوم: مدينة تستقبل الجميع بأذرع مفتوحة، لكنها عاجزة عن تحويلهم فعلياً إلى جزء من نسيجها الحضاري. فبدلاً من أن تذوب العادات القروية تدريجياً في ثقافة مدنية جديدة، كما يحدث في تجارب حضرية ناجحة حول العالم، حدث عندنا العكس تماماً: أصبحت المدينة نفسها فضاءً هجيناً غريباً، يحمل كل التناقضات الممكنة في آن واحد.
والأغرب من كل هذا أن بعض من يسخرون اليوم من هذه المظاهر، ويتباهون بأنهم “أبناء المدينة الأصليين”، يمارسون هم أنفسهم سلوكيات لا تقل فوضوية عما ينتقدونه. فكم من شخص يسخر من تربية الدجاج فوق سطح منزل الجار، ثم يرمي أعقاب سجائره وأكياس القمامة من نافذة سيارته دون أدنى تردد؟ وكم من شخص يتحدث بفخر عن “الثقافة الحضرية” وهو يحتل الرصيف بسيارته الفارهة، مانعاً المشاة من المرور، أو يحول الشارع أمام منزله إلى ملكية خاصة يمنع فيها الآخرين من ركن سياراتهم؟ الحقيقة أن المدينة المغربية نفسها، بكل ما تحمله من تناقضات، لم تنتج بعد ذلك الإنسان الحضري المتكامل الذي نتحدث عنه بأثر رجعي وكأنه موجود أصلاً وننسى أن نصنعه.
لذلك، فإن الحديث عن “ترييف المدن” يجب أن يبتعد تماماً عن أي نبرة طبقية تحتقر القرويين أو من هاجروا من البادية بحثاً عن حياة أفضل. هذا ليس فقط ظلماً لهم، بل هو أيضاً تبسيط مخل لمشكلة معقدة جداً. فالمدينة المغربية ليست ضحية “القروي” الذي جاء إليها، بل هي أيضاً، وربما بالدرجة الأولى، ضحية ضعف التخطيط العمراني، وغياب سياسات إدماج حقيقية، وتوسع عمراني غير متوازن ترك أحياء بأكملها بلا فضاءات عمومية، بلا حدائق، بلا ملاعب، بلا مساحات تسمح بحياة اجتماعية بديلة عن تلك التي كانت موجودة في القرية.
يمكنك أن تهدم بيتاً طينياً قديماً في قرية نائية، وتنقل صاحبه إلى شقة عصرية في الطابق الرابع من عمارة حديثة، وتظن أنك بذلك حولته فوراً إلى مواطن حضري بامتياز. لكنك في الحقيقة لم تغير سوى الجدران المحيطة به. أما ثقافته، وعاداته، وطريقة تعامله مع المجال، وفهمه لمعنى الجوار والخصوصية والمشترك، فتلك أمور تحتاج إلى زمن طويل جداً، ربما جيل كامل أو أكثر، حتى تتغير فعلياً وتترسخ.
فما الحل إذن؟ هل نمنع الناس من الجلوس أمام منازلهم؟ هل نحارب تربية الدواجن بالقوة ونسخر ممن يحملون معهم بقايا حياتهم القروية؟ بالطبع لا. الحل، في تقديري المتواضع، يبدأ من مكان آخر تماماً: من التمييز الدقيق بين احترام الخصوصية الثقافية لكل إنسان، وبين ضرورة أن يكون استعمال المجال الحضري خاضعاً لقواعد واضحة تحمي الجميع من ضرر الآخرين. من حق كل إنسان أن يحتفظ بذكرياته وعاداته وطريقة عيشه، لكن ليس من حقه أبداً أن يفرضها على من حوله حين تتحول إلى مصدر إزعاج فعلي أو خطر صحي حقيقي.
وفي المقابل، من حق المدينة أن تكون فضاءً مفتوحاً لاستقبال التنوع بكل أشكاله، لكن عليها أيضاً، وهذا هو الأهم، أن تفرض قواعد واضحة وصارمة للعيش المشترك، وأن تستثمر في برامج إدماج حقيقية بدلاً من الاكتفاء بتوسيع رقعتها العمرانية دون أي اهتمام بالبعد الإنساني لهذا التوسع.
في النهاية، المشكلة ليست أن البادية دخلت إلى المدينة، فهذا أمر طبيعي وسيستمر ما دامت المدن فضاءات لاستقبال الجميع دون تمييز. المشكلة الحقيقية أن مدننا لم تستطع بعد أن تصنع ذلك التوازن الدقيق بين هذا التنوع الثري وبين متطلبات الحياة الحضرية الحديثة. ولعل أكثر ما يثير الدهشة في المشهد المغربي اليوم أن مدننا أصبحت تحمل كل شيء إلا روح المدينة نفسها: عمارات شاهقة بلا ثقافة عمرانية حقيقية، شوارع واسعة بلا احترام لقواعد استعمالها، أرصفة معبدة بلا أي اعتبار لحق الراجلين فيها، ومنازل حديثة تستعيد فوق أسطحها وأمام أبوابها كل تفاصيل القرية التي هربت منها.
إنها في النهاية ليست حرباً بين القرية والمدينة، ولا معركة كلامية بين “أبناء المدينة الأصليين” و”أبناء البادية الوافدين”. إنها ببساطة قصة مجتمع بأكمله يتغير بسرعة مذهلة، يحمل ماضيه معه أينما ذهب، ويحاول جاهداً أن يجد لذاكرته مكاناً وسط إسمنت المدينة البارد. لكن المدينة، في جوهرها العميق، ليست مجرد عنوان بريدي نسكن فيه أو مجموعة من الجدران التي تحمينا من المطر. المدينة، أولاً وأخيراً، ثقافة كاملة متكاملة. وإذا لم نتعلم هذه الثقافة، ونعمل على تعليمها لكل قادم جديد، فقد نغيّر عناويننا مئة مرة، دون أن نغيّر، ولو مرة واحدة، طريقة عيشنا الحقيقية.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.