المغرب يتجه إلى توظيف الذكاء الاصطناعي في مراقبة الصفقات العمومية

المغرب يتجه إلى توظيف الذكاء الاصطناعي في مراقبة الصفقات العمومية
صورة: و.م.ع
الأحد 6 شتنبر 2026 - 23:00

تستعد أجهزة الرقابة المالية بالمغرب لإدخال الذكاء الاصطناعي إلى ملفات الصفقات العمومية، عبر مشروع يختبر قدرة الخوارزميات على فحص العقود ودفاتر التحملات ومحاضر اللجان، ورصد مؤشرات قد تكشف حالات عدم المطابقة أو شروطا من شأنها الحد من المنافسة، في تحول قد يوسع مجال المراقبة من عينات مختارة إلى تحليل مجموع الصفقات الواقعة ضمن نطاق المهمة الرقابية الواحدة.

المشروع، الذي يهم المجلس الأعلى للحسابات والمجالس الجهوية للحسابات ويجري تطويره بشراكة مع البنك الدولي، يوجد في مرحلة البحث عن نموذج أولي، إذ حدد 10 شتنبر آخر أجل لتلقي مقترحات الشركات المرشحة لتطوير الحل المطلوب، وفق المواصفات التقنية للمبادرة.

وتقوم الفكرة على استغلال كمية كبيرة من البيانات المتاحة في بوابة الصفقات العمومية، ثم ربطها بالوثائق التي ترافق كل مسطرة، وبينها دفاتر التحملات ومحاضر لجان فتح الأظرفة وتقييم العروض وشبكات التنقيط، حتى يتمكن النظام من إجراء اختبارات متزامنة على عدد كبير من الملفات وإبراز الحالات التي تحتاج إلى تدخل القاضي أو المراقب.

ولا يتعلق الأمر، وفق التصور المطروح، بمنح الخوارزمية سلطة تقرير وجود مخالفة، إذ ستصدر النتائج في شكل تنبيهات قابلة للتحقق، مع إلزام النظام بإظهار سبب كل إنذار والمعطيات أو الوثائق التي بُني عليها، بما يتيح لقضاة الحسابات مراجعة المصدر الأصلي قبل استخلاص أي نتيجة.

من العينة إلى فحص أوسع

أحد أبرز التحولات التي يستهدفها المشروع يتمثل في تجاوز الحدود التي يفرضها حجم الصفقات وكثرة الوثائق المصاحبة لها، إذ يتيح النظام المقترح إخضاع جميع العقود الموجودة داخل نطاق مهمة رقابية محددة لفحص أولي، عوض حصر التدقيق التفصيلي منذ البداية في عينة من الملفات.

وسيكون بإمكان الأداة، إذا أثبت النموذج الأولي نجاعته، تنفيذ اختبارات للمطابقة القانونية وربط البيانات الرقمية بما ورد في الوثائق الأصلية، ثم ترتيب الملفات التي تظهر فيها مؤشرات تستوجب مزيدا من التدقيق.

ويعني هذا التصور أن الجزء الأول من عملية الفحص قد يصبح أسرع وأوسع، فيما يتركز عمل القضاة على الحالات التي تكشف الخوارزميات بشأنها عناصر غير عادية أو تباينات بين المعطيات والوثائق.

وتراهن المبادرة كذلك على معالجة نوعين مختلفين من المعلومات؛ بيانات منظمة يمكن قراءتها آليا مباشرة، ووثائق نصية غير مهيكلة تحتاج إلى تقنيات قادرة على فهم محتواها واستخراج العناصر ذات الصلة بالصفقة.

ومن شأن الجمع بين النوعين أن يسمح، مثلا، بمقارنة تاريخ الإعلان عن الصفقة بمدة تقديم العروض، أو مطابقة شروط دفتر التحملات مع طريقة تقييم المتنافسين، أو تتبع معيار محدد من لحظة الإعلان عنه إلى طريقة تطبيقه داخل محاضر اللجان.

دفاتر التحملات تحت أعين الخوارزميات

يخصص المشروع جانبا لافتا لتحليل دفاتر التحملات، إذ يراد للأدوات المقترحة البحث عن مؤشرات مرتبطة بشروط قد تقلص المنافسة أو تمنح أفضلية غير مبررة لبعض المتعهدين.

وتشمل الحالات التي ستدخل دائرة الفحص المعايير التي يحتمل أن تكون تمييزية، والمواصفات المنحازة، وآجال الإشهار التي قد لا تكون كافية، إلى جانب تحليل شبكات التنقيط ومحاضر فتح وتقييم العروض.

ويكتسب هذا الجانب حساسية خاصة، لأن وجود مواصفة دقيقة داخل دفتر تحملات لا يعني في حد ذاته وجود توجيه أو إخلال بالمنافسة، فقد تفرض طبيعة الصفقة متطلبات تقنية محددة؛ لذلك سيقتصر دور النظام على إطلاق تنبيه يستدعي الفحص البشري، وليس الحكم على قانونية الشرط بصورة آلية.

كما يراد للأداة أن تربط كل تنبيه بسنده المباشر، فإذا رصدت، مثلا، معيارا يحتاج إلى مراجعة، ينبغي أن توجه القاضي إلى الفقرة أو الوثيقة التي استندت إليها، وهو ما يجعل قابلية تفسير المخرجات جزءا أساسيا من المشروع.

هذا الشرط يكتسب أهمية في مجال الرقابة المالية والقانونية، حيث لا تكفي نتيجة حسابية مجردة، لأن أي ملاحظة تحتاج إلى فهم السياق والرجوع إلى وثائق المسطرة والتأكد من الوقائع قبل ترتيب الآثار عليها.

الخوارزمية تنبه والقاضي يقرر

يقدم المشروع الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة مساعدة لقضاة الحسابات، وليس بديلا عن اختصاصاتهم، فالغاية هي زيادة القدرة على قراءة البيانات وربط الوثائق واكتشاف الحالات التي تستحق الأولوية، فيما يبقى تقييمها النهائي بشريا.

ويعني ذلك أن الخوارزمية قد تشير إلى أن مدة الإشهار تستوجب المراجعة، أو أن معيارا في دفتر التحملات يحتاج إلى التدقيق، أو أن هناك اختلافا بين قاعدة معلنة وطريقة تطبيقها، لكن التحقق من وجود مبرر قانوني أو تقني يظل من اختصاص القاضي.

ويضع هذا التصميم عبئا كبيرا على جودة النموذج المزمع تطويره، لأن فعاليته لن تقاس فقط بعدد الملفات التي يستطيع تحليلها، وإنما بقدرته على تقديم تنبيهات دقيقة ومفهومة، وتجنب إغراق فرق الرقابة في إنذارات لا تقود إلى نتائج ذات قيمة.

كما ترتبط جودة المخرجات بسلامة البيانات المتاحة واكتمال الوثائق التي تغذي النظام، لأن أي نقص أو خطأ في المعلومات الأصلية يمكن أن يؤثر في عملية التحليل والربط.

وفي حال نجاح مرحلة الاختبار، قد يتيح المشروع توسيع التغطية داخل المهمات الرقابية وتسريع عملية فرز الملفات، خصوصا في الصفقات التي تنتج عنها كميات كبيرة من الوثائق والبيانات المتفرقة.

ويوجد المشروع حاليا في مرحلة تطوير نموذج أولي، ما يجعل الحديث عن تعميم هذه الأدوات سابقا لأوانه، غير أن المواصفات تكشف اتجاها واضحا نحو تجربة استخدام الذكاء الاصطناعي في واحد من أكثر مجالات الرقابة ارتباطا بالبيانات والوثائق، مع الإبقاء على قاعدة مركزية في التصميم: الخوارزمية تبحث وتقارن وتنبه، بينما يبقى التحقق والحكم النهائي من اختصاص قضاة الحسابات.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

9
  • الذكاء الصناعي
    الأحد 6 شتنبر 2026 - 23:25

    ها البطالة غاديا تزاد واش الأحزاب السياسية كلها فراسها هاد لخبار ديال ” الذكاء الاصطناعي”؟

  • الله غالب
    الأحد 6 شتنبر 2026 - 23:31

    مما يثير القلق هو ملاحظة مشاريع عامة تفتقر إلى أدنى معايير السلامة: حيث يعمل العمال بملابسهم الشخصية أو أحيانًا بملابس مهترئة. غالبًا ما تكون خوذات السلامة غائبة، وقد وثقت هذه الملاحظات أثناء بناء ملاعب كرة القدم، بالإضافة إلى وجود حفريات غير مؤمنة. علامات التحذير تكون معدومة أو في حالة سيئة للغاية، ويتم العمل دون أي احتياطات من الآلات والمركبات. ناهيك عن التساؤل حول توفر الضمان الاجتماعي للعمال، بينما يقف صاحب الشركة في سيارة فاخرة. للأسف، يبدو أن وزير العمل الحالي لا يدرك خطورة هذا الوضع.

  • Ahmed
    الأحد 6 شتنبر 2026 - 23:40

    خص يوظفه كذلك في الانتخابات وقياس الفقر واماكن الحوادث السير، واماكن الشفارة ومختفون، ومداولة لإعداد حلقة عن مجرمي المال العام، والزبونية ونسبة الرضى على الخدمات الصحية وضعية القرى

  • RADI
    الأحد 6 شتنبر 2026 - 23:49

    والله وديرولهوم اكثر من الذكاء الاصطناعي حتى يسرقوا و يتلاعبوا في الصفقات . واش مخافوش الله و كيحاولوا يراوغوا معه و حاشا لله بقالهوم غير الذكاء الاصطناعي .راه حتى هو يطوعوه و يرجع ياخذ نصيبه و يتغاضى الطرف ولا يفضحهم .احسن وسيلة اكثر نجاعة من الذكاء الاصطناعي هي المراقبة ثم الحاسبة ثم العقاب الشديد و استرداد ما تم نهبه و تتريك الممتلكات كلها.

  • النقل كذالك
    الأحد 6 شتنبر 2026 - 23:59

    و ماذا عن ريع رخص النقل الذي يفرمل أي نهوض اقتصادي حقيقي، هذا القطاع يمكن ان يوفر الاف مناصب الشغل لو تم تقنينه على الطريقة الأوروبية.

  • عابر
    الإثنين 7 شتنبر 2026 - 01:03

    لتجاوز عاءق المواصفات التدقيقية التمييزية يجب فرض إضافة عبارة ” أو مثيل له” ” ou similaire” و من ناحية أخرى أكبر وسيلة لمراقبة الصفقات خصوصا ذات المبالغ الكبرى هو عرض البيان التقديري على لجنة مختلطلة منبثقة عن لجنة الشراء ، للبث في تناسبيته تقديراته المالية مع معطيات السوق و من جهة أخرى تبقى المراقبة الإنجازية و احتمال تضارب المصالح عبر إجراءات زجرية أهم ضمانة لحماية المال العام من الإختلالات بواسطة الصفقات

  • الملاحظ
    الإثنين 7 شتنبر 2026 - 12:28

    يجب تنقيط الشركات التي تتقدم لنيل الصفقة عبر مشاريعها السابقة وجودتها وظرف عمالها والتزامها في توقيت العقد

  • سعيد
    الإثنين 7 شتنبر 2026 - 14:49

    صافي مشا مسكين الذكاء الاصطناعي خلا، غادي يفلاشيوه المغاربة ويعاودو يصدروه بالنسخة الجديدة

  • عبد الرزاق
    الإثنين 7 شتنبر 2026 - 16:19

    توظيف الذكاء الاصطناعي في مراقبة الصفقات العمومية يمكن أن يشكل نقلة مهمة في تعزيز الشفافية والحكامة، خصوصاً إذا مكّن من تحليل عدد كبير من الصفقات ورصد مؤشرات غير عادية يصعب اكتشافها بالمراقبة التقليدية. لكن التكنولوجيا وحدها لا تكفي؛ فنجاح التجربة مرتبط بجودة البيانات، وشفافية الخوارزميات، وحماية المعطيات، والأهم أن تبقى القرارات النهائية خاضعة للتحقق والتدقيق البشري. الذكاء الاصطناعي أداة قوية للكشف والإنذار المبكر، وليس بديلاً عن المسؤولية والمحاسبة

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00 12

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30 6

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب

صوت وصورة
الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 18:32 4

الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع

صوت وصورة
إصلاح الضريبة على الدخل
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 17:47 3

إصلاح الضريبة على الدخل

صوت وصورة
لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 16:02 7

لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة