النموذج الاقتصادي وعلاقته بالقيم

النموذج الاقتصادي وعلاقته بالقيم
الأحد 13 ماي 2012 - 15:50

في مجتمع إنساني متقارب، تتداخل العلوم الإنسانية وتتأثر ببعضها البعض، وتنشأ علوم جديدة على هذا الأساس،كعلم الاقتصاد السياسي وعلم الاجتماع السياسي، وعلم الأنتربولوجيا الذي تتداخل فيه معطيات التاريخ بتمثلات الشعوب البدائية للديانات والمعتقدات وغيرها.

وأما اليوم، ونحن في مجتمع الاتصال والتواصل السريع،والاحتكاك الحضاري، بفعل التطور التكنولوجي الهائل الذي أتاحته الكشوف العلمية المتراكمة،فإن التأثير والتأثر أصبحا بالغين،ولم يعد ممكنا لأي مجموعة بشرية أن تعيش بمعزل عن باقي المجموعات البشرية، ومن هنا أصيبت القيم الحضارية للشعوب باهتزازات متتالية، ومنها بالطبع الشعوب الإسلامية، التي استقت قيمها من الوحي المعصوم، علما أن القيم هي آخر ما يتحرك في سلم التغيير.

السياسة تتأثر بالدين والدين يتأثر بالسياسة، والاقتصاد يؤثر فيهما معا، ويتكيف هو الآخر بحسبهما فيقدم نموذجا يلبي إكراهاتهما، وعلى ضوء ذلك كله تتحرك قيم المجتمع، في سياق تدافعي مع ما تفرزه النماذج المجتمعية الأخرى، فحركة السلع والبضائع والأسلحة والتكنولوجيا والأشخاص والأفكار، والقرارات السياسية الموازية لها، تعكس وتنعكس على عالم القيم، ولم يعد ممكنا فصل الدين والقيم عن السياسة أو فصل الاقتصاد والاجتماع عنها، إلا بالقدر الذي يسمح للمتخصص أن يتعمق في إحدى هذه المجالات، وأي دعوة للعلمانية اليوم معناها قتل للقيم الدينية، وبالتالي إيجاد المناخ المناسب لتفريخ الإرهاب.

المسلمون اليوم مطالبون بالانفتاح على العالم الذي يعيشون فيه، مطالبون بالقيام باجتهادات جريئة في قضايا الحكم والحرية والمرأة والإبداع وغيرها، الإسلام اليوم ينتشر في الغرب بلاد الحداثة، وما لم يجتهد علماء المسلمين في إعادة صياغة القيم الحداثية وتأصيلها في ثقافتهم، فسيعود الدين غريبا كما بدأ.

قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: “إنَّ الإِسْلاَمَ بَدَأَ غَرِيبًا، وَإِنَّهُ سَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ” قَالُوا وَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ‏؟‏ قَالَ “الَّذِينَ يُصْلِحُونَ حِينَ يُفْسِدُ النَّاسُ‏”( رواه مسلم).

فهذا خبر منه صلى الله عليه وسلم بما سيقع، وهو لابد أن يقع، ونحن مطالبون بدفع هذه الغربة عن ديننا ماستطعنا لذلك سبيلا؛ فمنتجات الحداثة تغزو أسواقنا، ومعها تعبر القيم الحداثية، شئنا أم أبينا، ولعل دول الخليج تعتبر النموذج الصارخ لهذا العبور، الذي جاء مع الطفرة النفطية التي أتاحت سيولة نقدية ضخمة لدى هذه المجتمعات، فانتقلت من “البداوة” إلى “التحضر” في ظرف زمني وجيز لا يتجاوز نصف قرن.

فبالرغم من نفوذ المؤسسة الدينية هناك، والمكانة المتميزة التي يحظى بها العلماء في هرم الدولة، فإن فتاواهم والمؤسسات التابعة لهم لم تستطع الحد من التأثير السلبي للإقبال الكبير على استهلاك المنتجات الغربية، فالعديد من الدراسات تظهر انتقال أمراض الحداثة للجيل الجديد في تلك المجتمعات، حيث غابت قيم البداوة التي عرف بها العربي، كالشجاعة والكرم والنخوة والصبر والتضحية ونصرة المظلوم، وحلت محلها قيم السوق : الاستهلاك والجشع والترهل والإسراف والتكبر والهوس الجنسي والإقبال على المخدرات والتخنث، وكلها أمراض مجتمعية نشأت في أحضان قيم الترف.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوا فيها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم “(رواه البخاري).

المرأة الخليجية تنازلت عن إحدى أعظم الصفات التي شهد لها بها النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يصف نساء قريش فيما رواه الشيخان : ” خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريش، أحناه على ولد في صغره وأرعاه على زوج في ذات يده “، لما تركت الجيل الجديد يتربى في أحضان امرأة أجنبية تمّ استقدامها من آسيا تحمل عقيدة مخالفة وقيم مخالفة.

لقد ألفت المئات من الأبحاث والرسائل في التوحيد والأسماء والصفات، في مجتمعات لا تعاني أصلا من خلل في هذا المجال، ولا تعرف انتشارا للقبورية منذ أن حسم معركتها الإمام محمد بن عبد الوهاب، وتكفي المقررات الدراسية في هذا المجال للتنشئة على التوحيد الخالص،وإرجاع الطفل إلى حضن أمه لتربيته على قيم التوحيد، في حين تمّ إهمال مجال خطير يتعلق بالدراسات الاجتماعية التي تكشف الاختلالات التي طرأت على المجتمع الخليجي بسبب ثروة البترول،بينما القرآن يؤكد على ترابط الترف بفساد الأخلاق.

فال تعالى :( ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض، ولكن ينزل بقدر ما يشاء، إنه بعباده خبير بصير). وقال سبحانه : ( إن الإنسان ليطغى أن رءاه استغنى).
فاقتصاد السوق القائم على تقديس الربح، ينتج مجتمع الاستهلاك، فتنشأ تبعا لذلك قيم الليبرالية، التي تتحول عند فئة “محظوظة” إلى قيم الجشع والبخل والطغيان والبغي بغير الحق.

إن الحركة الإسلامية، بعد الربيع الديمقراطي، مطالبة بتنمية ثقافة الاعتدال في الاستهلاك، وبناء أسس مجتمع “الكفاية” و”التكافل”، الذي يتمتع الفرد فيه بضروريات العيش الكريم، من غير إسراف، في المجالات الأساسية كالصحة والتعليم والشغل والسكن اللائق وحق تأسيس أسرة، وهذه هي الحدود التي تسمح بنشر الفكر الوسطي الذي يحقق التوازن بين متطلبات الدنيا و حضور الآخرة ( تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الارض ولا فسادا، والعاقبة للمتقين)، (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا، وأحسن كما أحسن الله إليك).

*عضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

8
  • shafik
    الأحد 13 ماي 2012 - 16:46

    هل ترى أن المغرب يطبق أحكام الاسلام؟؟؟؟ أرني أين يتجلى ذلك من فضلك ؟

    أي اعتدال تتحدث عنه ؟ وفي أي مجال ؟؟ من الذي يمنع المغاربة من البحث والعلم وتحسين المستوى العلمي؟؟

    هل يجب علينا التنازل عن الاحكام الثابتة كإباحة الخمر أو إباحة الاختلاط في الاماكن العمومية أو إباحة المهرجانات الفاسدة والبرامج الماجنة الخليعة وإباحة العلاقات الجنسية الغير شرعية وإباحة الادوار السينمائية الخليعة التي يقولون أنها فن ؟؟؟؟

    أي اعتدال تتكلم عنه ؟ أين التطرف أصلا في المغرب ؟ من الذي ينادي بقتل الفنانين والخونة وناهبي المال العام و…. هذا تطرف, أما غير ذلك مما يعتمد في حكمه على القرآن فهو الشرع وليس فيه نقاش فهي نصوص صريحة ثابتة
    ولا أحد يقول أن حد السرقة حرام أو فيه ظلم لان ذلك يدخل في الكفر بالله أصلاً.
    لكن من ينادي بقتل الشواذ فليس متطرف لانه صلى الله عليه وسلم قال( أقتلوا الفاعل والمفعول به)
    قال تعالى:( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم )
    المشكل ليس الاسلام ,المشكل أنهم لا يريدون أن يرتبط الازدهار العلمي و الاجتماعي بالاسلام , لانه سيحقق آنداك المثالية.

  • shafik
    الأحد 13 ماي 2012 - 17:00

    إذا أردننا مجتمع يواكب التطورات العلمية المتسارعة فعلينا احترام ثقافته أولا وهويته الاسلامية ,لانه أمر مستحيل نزعه منه , فلا تحرمني من تاريخي و مبدئي في الحياة مقابل أن أصنع لك هاتفا محمولا أو سيارة آخر طراز.
    ففكري لا يمنع ولم يمنع يوما العلم بل أول ما نزل من القرآن ( إقرأ )

    فنحن لا نعبد الاصنام ولا نعبد البقر أو الشجر أو غيرها ,كما أننا لا نعبد الدنيا ولا نعبد من يسن القوانيين الدولية ,لذلك من يرى في الاسلام أنه غير عادل فليختر له دينا يعجبه لكن لا يفرض علي أن أسير في طريقه ,لاني أعلم جيدا كما يعلم هو أيضا أنه طريق مسدود .

    انشر من فضلك والسلام

  • مراد
    الأحد 13 ماي 2012 - 17:42

    قلت ان الاسلام سيعود غريبا،و قلت ان الامر لا محالة واقع،فادن لمادا نقاوم هده الغربة ان كانت لا محالة واقعة؟

  • عبد
    الأحد 13 ماي 2012 - 18:03

    موضوع جميل للغاية يلامس أحد وجوه الخلل التي يعانيها المجتمع "الخليجي" , وهذا الوجه مازال التغاضي عنه مقصودا حسب المعطيات الاعلامية , في حين يزداد الاقبال والاهتمام على قضايا أخرى عقدية وفكرية من أجل توسيع مد إديولوجي معين ,
    وبرأيي ان ذاك التغاضي وهذا الاهتمام واحد من العلامات التي تؤذن بعاصفة لطالما كان الهدوء الذي يسبقها يؤرق صناع الفكر الوهابي المعاصر , الذي يعاني حسب المعطيات المتوفرة من نقص حاد في القيم الروحية التي تؤطر السلوك الانساني برمته ,لا فقط السلوك الاستهلاكي المتفاحش.
    وبرأيي كذلك ان المجتمع الخليجي او بالاحرى الوهابي بحاجة الى مصالحة عقدية جادة مع باقي مكونات الامة الاسلامية حتى يتسنى له انقاذ ما يمكن انقاذه , اما تلمع الصورة في المحطات الاعلامية وتلقين خطاب النصر الوهابي عبر الدعاة الجدد في الوقت الذي تختمر فيه بذور الازمة في كيانه فلن يكون مآله مختلفا عن مآل كثير من المرجعيات السابقة

  • sebbar
    الأحد 13 ماي 2012 - 22:09

    الذي نريده منكم أبناء الحركة الإسلامية في مغرب اليوم،وهو مغرب فقير يعاني شبابه البطالة واليأس،هو أن تفوا بالتزاماتكم التي وعدتم بها الجماهير التي قدفت بكم إلى السلطة! ياسيدي اعلم أن للجماهير معدة يجب أن تمتلأ بالطعام أولا، قبل أن تتوجه لها بمواعظك القيمة ثانيا، فلا تنسى ذلك،وذكر به رفاقك في الحكومة في كل آن وحين! فوالله تم تالله، إننا لمستعدون أن (نضع أصابعنا في آذاننا وأن نستخش ثيابنا )كلما دعوتمونا إلى مواعظكم إن خيبتم رجائنا فيكم!
    تأمل سيدي،كيف حرر موسى(ع) قومه من استعباد فرعون(آمنهم من خوف) وكيف وضح لهم سبل الإيمان، لكنه مع ذلك لما (لم يطعمهم من جوع) قالوا له:(يا موسى لن نصبر على طعام واحد)،ولولا رعاية الله الذي أنزل عليهم المن والسلوى (لانفضوا من حوله)! وهذه، والله، سنة الله في الناس جميعا وليس طبعا خاصا ببني اسرائيل كما يعتقد البعض؛ففي روسيا وأروبا الشرقية ضحت الجماهير بالدين والحريات من أجل لقمة الخبز وحق الشغل،ولم تنتفض على الشيوعية إلا لاحقا بعد أن حققت حدا معقولا من تلك المطالب!

  • LOUKILI
    الأحد 13 ماي 2012 - 23:04

    شكرا لقد تغيرت أفكارك فأصبحت تؤكد على أن الدول لا يمكن أن تعيش أو تتطور بدون الدول الأخرى ، ولكن شيء أربك فكري هو ما قامت به الوزيرة بسيمة الحقاوي بتوقيفها للأجندة الحكومية للمساوات ، ما جعل الإتحاد الأروبي يفكر في توقيف هبة خمسين مليون أورو للمغرب

  • mohamed
    الإثنين 14 ماي 2012 - 09:38

    … ياسيدي اعلم أن للجماهير معدة يجب أن تمتلأ بالطعام أولا، قبل أن تتوجه لها بمواعظك القيمة ثانيا، فلا تنسى ذلك،وذكر به رفاقك في الحكومة في كل آن وحين!

  • kamal
    الإثنين 14 ماي 2012 - 10:18

    السلام عليكم
    الحركة الإسلامية، بعد الربيع الديمقراطي، مطالبة بتنمية ثقافة الاعتدال ليس في الاستهلاك فقط بل أولا في قبول الرأي المخالف و للأسف إمامك محمد بن عبد الوهاب لا يؤمن حتى بتحريك الملعقة في الجهة المعاكسة لإذابة السكر!!!

صوت وصورة
أول الفهم | محمد مصطفى القباج
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 22:27

أول الفهم | محمد مصطفى القباج

صوت وصورة
التسول يغتصب براءة الأطفال
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 20:03 8

التسول يغتصب براءة الأطفال

صوت وصورة
طقس خريفي متقلب بالمغرب
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 16:17

طقس خريفي متقلب بالمغرب

صوت وصورة
النفايات تحاصر مدرسة ومستشفى
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 11:55 1

النفايات تحاصر مدرسة ومستشفى

صوت وصورة
أزمة النقل تخنق سكان طنجة
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 10:28 4

أزمة النقل تخنق سكان طنجة

صوت وصورة
GNV تحتفي بزبنائها في مراكش
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 09:20 1

GNV تحتفي بزبنائها في مراكش