ثَمّة حروفٌ تدخل اللّغةَ في هُدوء، فتستقرّ في مواضعها دون أن تُثير جدلًا، وتؤدّي وظائفها دون أن تستدعي تفسيرًا أو تبريرًا. وثمّة حروفٌ أخرى تأبى الاستقرار، فتفرض شروطها على الكلمات، وتُحيّر الكُتّاب، وتستدعي أحكام القواعد كلّما حلّت في أوّل الكلمة أو وسطها أو آخرها.
غير أنّ الهمزة تتصدّر هذه الحروف جميعًا؛ فهي صغيرة في رسمها، كبيرة في متاعبها، لا تلتزم كرسيًّا واحدًا، ولا تخضع في جلوسها لما تألفه سائر الحروف. فتارةً تعتلي الألف، وتارةً تتّخذ الواو مقعدًا، وحينًا تستقرّ على نبرة، وقد تؤثر الجلوس منفردةً على السطر، كأنّها تتمرّد على أعراف الجلوس في الأبجدية. ولعلّها الحرف الوحيد الذي نجح في تحويل مسألة الكرسيّ إلى قضية لغوية تتوارثها الأجيال، ويختلف حولها الكُتّاب، وتُفرد لها كتب الإملاء أبوابًا وفصولًا.
بين همزة الوَصْل وهمْزَة القَطْع
وللهمزة في مطلع الكلمات شأنٌ آخر لا يقلّ إثارةً للانتباه؛ فثمّة همزةُ القطع، تثبت حضورها، وتحتفظ بصوتها مهما تغيّر موقع الكلمة في الكلام. وثمّة همزةُ الوصل، ينطق بها اللسان عند الابتداء، ويستغني عنها حين يتّصل الكلام، كأنّها أتقنت فنّ الظهور حين يستدعي المقام حضورها، والانسحاب حين تقتضي الحال غيابها.
وقد يبدو هذا التمييز مجرّد قاعدة من قواعد النطق، غير أنّ التأمّل فيه يكشف عن دلالات تتجاوز حدود اللغة إلى الحياة العامّة، بما تحمله من مفارقات لا تخلو من طرافة. ففي الحياة العامّة من يُتقن القطع أكثر ممّا يُحسن الوصل؛ يقطع الحوار، ويُخلف الوعود، ويقطع الطريق على مخالفيه، ثمّ يُسهب في الحديث عن فضائل التواصل وأهميّة الحوار. وفيها من يُجيد الوصل حين تخدمه المصالح وتفتح له العلاقات أبواب المنافع، ثمّ لا يلبث أن يتغنّى بفضائل القطع حين يحين وقت الوفاء بالتزاماته.
أمّا الهمزة، فلا شأن لها بهذه التقلّبات؛ فهي لا تقطع إلا وفق أحكام النطق، ولا تصل إلا حيث تقتضي قواعد اللغة ذلك. ومن الإجحاف أن نحمّل حرفًا صغيرًا تبعات ما يمارسه بعض الناس باسم التواصل أو القطيعة. ولعلّ الهمزة أشدّ انضباطًا من كثير ممّن يتصدّرون منابر الخطاب؛ فهي تعرف متى تُثبت صوتها ومتى تستغني عنه، بينما يصرّ بعضهم على الكلام حين تقتضي الحكمة الصمت، ويلتزم الصمت حين تفرض المسؤولية الكلام.
حرفٌ يُمتحَن فيه الصّغار ويُعفى منه الكِبار
تحتلّ الهمزة مكانةً مرموقة في الامتحانات المدرسية. قد يكتب التلميذ فقرةً مليئةً بالأفكار، ثمّ يخسر بعض نقاطه لأنّه وضع همزةً فوق الألف بدلًا من تحتها. لا اعتراض على ضرورة احترام اللغة، فسلامة الكتابة جزءٌ من سلامة التعبير. غير أنّ المفارقة تتجلّى حين نرى مجتمعًا يُحاسب الطفل على موضع همزة، ويتساهل أحيانًا مع أخطاء أشدّ جسامة يرتكبها من يتولّون مواقع المسؤولية. فعلى التلميذ أن يُفسّر سبب كتابة الهمزة على الواو في كلمة “سؤال”، بينما يستطيع “مسؤول” أن يتجاوز أسئلة كثيرة دون أن يُكلّف نفسه عناء الإجابة عن واحد منها.
ويحرص المعلّم على تصحيح رسم كلمة “مساءلة”، فيما تنتظر المساءلة الفعلية دورها في مؤسسات لا تفتقر إلى الخبراء ولا إلى القوانين. والأطرف من ذلك أنّ خطأً إملائيًّا بسيطًا يستدعي قلمًا أحمر وحكمًا لا يقبل الجدل، بينما يجد بعض المسؤولين لأخطاء التدبير وسوء التقدير تسميات ألطف وقعًا، من قبيل سوء الفهم، أو إكراهات الظرف، أو الحاجة إلى مزيد من الوقت. وهكذا تخضع الهمزة في المدرسة لمحاسبة دقيقة لا تتهاون مع أصغر الهفوات، بينما لا تحظى مساءلة المسؤولين خارج أسوارها دائمًا بما تحظى به دفاتر التلاميذ من تدقيق وصرامة.
الهمزة… بين السُّؤال والمَسْؤُول
من بين الكلمات التي تمنح الهمزة حضورًا دالًّا، تبرز كلمتا “السؤال” و”المسؤول”. تجمعهما حروفٌ متقاربة، وتربطهما في الحياة علاقةٌ يُفترض أن تكون واضحة؛ فحيثما وُجد مسؤول، وجب أن تكون للمساءلة مكانتها، وحيثما طرح المواطن سؤالًا مشروعًا، كان من حقّه أن يتلقى جوابًا واضحًا وصريحًا، لا مجال فيه للمراوغة.
غير أنّ هذه العلاقة البسيطة تتعرّض أحيانًا لاختباراتٍ شاقّة. فقد يتحوّل السؤال المباشر إلى مناسبةٍ لاستعراض الإنجازات، أو إلى رحلةٍ طويلة بين الإجراءات والاختصاصات والمرجعيات. ويخرج السائل، بعد كلّ هذا البيان، محمّلًا بفيضٍ من المعلومات، دون أن يجد فيها بالضرورة جوابًا عمّا سأل عنه. ولعلّ الهمزة أوفر حظًّا من المواطن في هذا المقام؛ إذ تضبط قواعدُ اللغة موقعَها من الكلمة، بينما تظلّ مكانةُ السؤال في اهتمامات المسؤول رهينةَ ما يختار أن يسمعه، وما يفضّل أن يتجاهله.
الهمزة… سيرة الكرسيّ والاختفاء
بعد كلّ هذا العناء، تبدو الهمزة أقلَّ الحروف مسؤوليةً عن الاضطراب الذي ينسبه إليها الكُتّاب؛ فهي لم تطلب منهم أن يختلفوا حول مقاعدها، ولا من السياسيين أن يرفعوا الأمانة شعارًا دون أن يلتزموا بمقتضاها، ولا من الإدارات أن تُكثر من الحديث عن الأداء دون أن تُترجم أقوالها إلى نتائج ملموسة.
لقد أرست اللغة للهمزة قواعد تضبط حضورها وغيابها، وتحدّد مواقعها، فلا تغادر موقعًا إلى آخر إلا بمسوّغ. أمّا في الحياة، فما زال بعض الناس يتنقّلون بين المواقع والمواقف دون أن يقدّموا دائمًا تفسيرًا مقنعًا لتحوّلاتهم. ولعلّ الوقت قد حان كي تنعم الهمزة بشيء من الراحة؛ فقد حملت من أخطاء التلاميذ، وخلافات الكُتّاب، وتعقيدات القواعد، ما يكفي لإرهاق صفحاتٍ طوال من كتب الإملاء.
ولعلّنا لو أخضعنا بعض المناصب لشيء من صرامة قواعد الهمزة، لأصبح الوصول إلى الكرسيّ أصعب، والاستمرار فيه مرهونًا بما يتجاوز فصاحة اللسان وأناقة العبارة إلى الكفاءة وحسن الأداء وتحمّل المسؤولية. وهكذا تواصل الهمزة أداء دورها المتواضع في اللغة، وتذكّرنا بأنّ لكلّ حركة أثرًا، ولكلّ موقع مقتضياته.
ويا لها من مفارقة تستحقّ التأمّل! نعلّم الأطفال كيف تختار الهمزة كرسيّها المناسب، ثم نكتشف أنّ اختيار الكرسيّ في الحياة لا يخضع دائمًا للقدر نفسه من الدقّة والصرامة، وأنّ قيمة المكان لا تنبع من مكانته وحدها، وإنما ممّن يشغله، وما يبذله من جهد، وما يُظهره من كفاءة، وما يلقاهُ من تقدير.
لنتأمّل؛ وإلى حديثٍ آخر.
الهمزة هي حرف مهم جداً في اللغة العربية، فهي لها أنواع مختلفة منها: همزة الوصل، وهمزة القطع، وتتركب في كلمات وجمل متعددة، نبدأ بهمزة الوصل وهي تتركب في كلمات كثيرة مثل: الإنسان، الله، الإحسان، الوضوء، الكذب / أما همزة القطع فهي مختلفة عن همزة الوصل وتتركب كذلك في كلمات كثيرة مثل: أحمد، أزرق، أصفر، الهواء، شيماء، ماء رأس
بعد مشطة بونو و عكاز بن كيران، جاء الدور على الهمزة…جميل جدا.
جميل جدا أن نقرأ مقالا عن حرف صغير من حروف اللغة العربية بكلمات كبيرة وعميقة من الكاتب .
من بين الدلالات التي يحبل بها قاموسنا الشعبي “الهمزة” ، ليس بمعنى الحرف ووروده في كلمات الفصحى، بل بمعنى “الغنيمة” والتي يسعى الجميع لاصطيادها، فهي وعرة في العثور عليها أو اصطيادها أو حتى انتزاعها، وهي نكرة لا تعترف بهذا النوع أو ذاك، ولا في هذا المجال أو ذاك، حينما تسمع بالهمزة فقد تحيلك على صفقة ثمينة أو تذكرة ذهاب وإياب لحضور حفل زفاف في نيويورك، أو الحصول على حصة في غنيمة باردة، فالهمزة المغربية ربما تعتبر فريدة في اللغات الحية، سلمات