الوفاء بين الزوجين

الوفاء بين الزوجين
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 21:40

الحمد لله، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه.

الوفاء خلق عظيم، يساوي السعادة الحقيقية في الأسرة المسلمة، فهو يحافظ على استقرار الأسرة واطمئنان البيت، وهو رابط قوي بين الزوجين في حال الشدة والرخاء والعسر واليسر. فما أحوجنا في هذه الحياة إلى الوفاء بين الزوجين، فحياتنا مليئة بالاختلاف في وجهات النظر، وهذا معروف، وهنا يظهر معدن الزوج الأصيل، ومعدن الزوجة الأصيلة. وعقد النكاح هو أعظم العقود، كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام: (أن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج).

ولذلك، لا بد أن يفي كل واحد من الزوجين للآخر. والوفاء طبعًا يقتضي المحبة والمودة والرحمة، ويقتضي ألا يقع واحد من الزوجين فيما يكرهه الآخر، وما يثير غضبه، أو ما يثير الشحناء بينهما.

والوفاء يقتضي التغافل بين الزوجين، والتغافل قيمته كبيرة في الحياة الزوجية. قيل لأعرابي: من العاقل؟ قال: (الفطن المتغافل).

وجاء في حديث أم زرع، قالت إحداهن: (زوجي إذا دخل فهد، وإذا خرج أسد، ولا يسأل عما عهد)، يعني: لا يسأل عن أمور عهدها في البيت ولم تعد موجودة، ربما تصرفت فيها الزوجة.

ولقد سمى الله تعالى الزواج بالميثاق الغليظ ليقوي العلاقة الأسرية بين الزوجين. وخير من كان وفيًا في أسرته هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي قال في حديثه الشريف: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي).

فالزواج رباط مقدس، وميثاق غليظ. والزوج الكريم لا ينسى أبدًا هذا العهد الطيب والرباط المقدس الذي قدسه الله تعالى وطهره من الفساد والحرام، فجعله طاهرًا مطهرًا.

والزوج الوفي الكريم، المعترف لزوجته بفضلها وغسلها لثيابه، ورضاعتها لأبنائه، وقيامها بشأنه كله داخل البيت، لا ينسى أبدًا قداسة هذا الميثاق الغليظ.

وهذا هو شأن الأزواج الكرماء، لا ينسون فضل زوجاتهن، وهذا أكيد ما يجب أن تكون عليه بيوت المسلمين.

فبيوت المسلمين ما قامت أبدًا على السب والشتم، وربما الضرب والتعالي على الزوجات، وقلة الاحترام، والتعنيف بالكلام، والحرمان من الحقوق، والحرمان من زيارة الأهل. فهذا طبعًا لا يجوز بأي حال من الأحوال، وليس من الوفاء في شيء، بل هي إساءة للمرأة، مع العلم أن الزوج أخذها من بيت أهلها معززة مكرمة، وأخذها على عهد أن يكرمها ويحسن إليها، ويعاملها بالمعروف. قال الله تعالى: (والموفون بعهدهم إذا عاهدوا).

ومن الوفاء أن تحسن إلى الزوجة وتتلطف إليها، وتكلمها بالكلام الطيب؛ إن أحببتها أكرمتها، وإن أبغضتها طلقتها.

ومن الوفاء كذلك ألا تسمع وشاية واشٍ، ولا نميمة فيها.

وكذلك المرأة تحسن إلى زوجها، وتتلطف له بالكلام الطيب، وتطيعه، وتحفظ بيته وعهده حاضرًا وغائبًا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن حسن العهد من الإيمان). وقال أحد العلماء:

قل ما غاب من خلف في الدار من
ترعاه في مقامه والمسير.
كأنها إياه في كل ما تفعل
في غيبته تستشير.
تأتي الذي يرضي وتأبى
الذي يأبى عليها دينها والضمير.

والمعاملة السيئة بين الزوجين وباستمرار ليست من الوفاء في شيء. وهذا، للأسف، سبب كثرة المشاكل داخل الأسر المسلمة، فالحياة معقدة بما يكفي من المشاكل والهموم، فتحتاج إلى أن تسود روح الوفاء والإخلاص والوضوح، والنقاء، والمودة بين الزوجين. أي: تذكر الجوانب الجميلة دائمًا.

قال أحد الشعراء:

إن الوفاء على الكريم فريضة
واللؤم مقرون بذي الإخلاف.
وترى الكريم لمن يعاشر منصفًا
وترى اللئيم مجانب الإنصاف.

وقال آخر:

عش ألف عام للوفاء وقلما
ساد امرؤ إلا بحفظ وفائه.

فما أحوجنا في هذه الحياة إلى الوفاء بين الزوجين من أجل استقرار البيوت المسلمة. فالزوجة في البيت كالقمر الذي لا يشيخ، والزوج في البيت كالشمس التي لا تغيب. فما أحوجنا إلى التآلف، وإلى التغاضي عن صغائر الأمور، وأن يتحمل بعضنا بعضًا. تتحمل الزوجة زوجها، فقد يأتي الزوج متعبًا منهكًا من العمل، وهي كذلك قد تكون متعبة، فعليه أن يتحمل عذرها، وأن يحترمها، وأن يحترم رأيها، وأن يقدرها، وأن يحترم أهلها. ومن هنا يأتي الوفاق، والمحبة، والمودة، والوفاء، وبعد ذلك استقرار البيت. قال تعالى: (وعاشروهن بالمعروف). فالمعاشرة بالمعروف تبني البيوت على المحبة والوفاء والمودة والصدق.

أما من يمارس على زوجته الإهمال والخشونة في المعاملة والعيش، والتوبيخ المستمر، والإساءة إليها، وعدم إكرامها، فهذا، للأسف، يعد من باب إنكار المعروف، وعدم الوفاء للزوجة.

وكذلك الزوجة التي يفقد زوجها عمله مثلًا، أو يمرض، أو يكبر في السن ويتعب، فتصير لا تسمع له كلامًا، ولا تحسن معاملته، ولا تقوم بشؤون البيت كما كانت من قبل، فهذا جحود، وليس من الوفاء والعهد في شيء. قال تعالى: (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولًا).

ومن الوفاء أيضًا أن يظل الزوجان، الرجل والمرأة، وفّيان لبعضهما البعض، مهما كبر أحدهما في السن، ومهما تبدلت حالتهما. قال الله تعالى: (والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون).

فالوفاء خلق الرجال الكرام، وخلق النساء الكريمات. فمن حفظ لزوجته معاملتها له فهو الوفي الكريم، ومن حفظت لزوجها تعبه من أجلها فهي الوفية الكريمة. ومن كان وفيًا فهو أقرب من الله. قال الله تعالى: (ومن أوفى بعهده من الله).

فالوفاء يجب أن يقابله الوفاء. قال الله تعالى: (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان).

وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقًا رضي منها آخر).

ومعنى الحديث أن الإنسان لا يمكن أن يجد من يلائم طبعه مائة بالمائة، وحالة الإنسان طبعًا متغيرة، فتارة يكون ضعيفًا، وتارة يكون مريضًا، وتارة يكون خاطره متكدرًا، ويجد ضيقًا من أمر من الأمور. فلا بد من مراعاة هذه الأحوال في الحياة الزوجية، ولا بد أن تكون للمرأة مكانة في قلب الرجل، والعكس كذلك، وأن يدعو بعد ذلك بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم هذا قسمك فيما أملك، فلا تحاسبني فيما لا أملك)، في إشارة منه صلى الله عليه وسلم لأفعال القلوب. وكان عليه السلام إذا غضبت عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها يضع يده على كتفها ويقول: (اللهم اغفر لها ذنبها، وأذهب عنها غيظ قلبها، وأعدها من الفتن).

وهذا من وفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لزوجاته، ولن تجد في الدنيا أبدًا كوفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومن صفات الزوج الوفي أنه لا يكذب على زوجته، وأن يكون مخلصًا لها، وألا ينجذب مثلًا لامرأة أخرى، وأن يكون محترمًا يعامل زوجته باحترام وتقدير، وأن يكون داعمًا لها في كل شؤونها، وجميع مراحل حياتها، وأن يكون مستمعًا جيدًا إلى زوجته، يحاول فهم مشاعرها واحتياجاتها.

والإنسان العاقل لا ينسى فضل أهل الفضل، وخاصة الزوجين، وحتى بعد الممات؛ لأن الإسلام قام على الذمة والوفاء. وهذا هو هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفائه لأمنا خديجة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، فقد كان صلى الله عليه وسلم وفيًا لها حتى بعد وفاتها، وكان يذكر برها وفضلها وخيرها. فعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر خديجة أثنى عليها فأحسن الثناء. وهذا هو الوفاء الكامل والمحبة والتقدير والاهتمام.

ومن الوفاء أيضًا ألا يتنكر الزوج لزوجته أو العكس. يفعل الجانبان أمورًا كثيرة، ثم يصير تقصير في جانب واحد، فتقول الزوجة أو الزوج مثلًا: -ما رأيت منك شيئًا-، فهذا، للأسف، خطأ وليس من الوفاء في شيء، ونكران للجميل. والكلام موجه للزوج والزوجة على حد سواء: (إياك أعني واسمعي يا جارة).

فلا بد من خلق الوفاء بين الزوجين معًا، وخاصة بعد فترة من العمر. فمن غير الوفاء لا يصلح الزواج ولا يطيب العيش بدون هذا الخلق العظيم -أقصد: الوفاء-. قال الله سبحانه وتعالى: (والموفون بعهدهم إذا عاهدوا).

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
لقاء خاص | عبد اللطيف وهبي
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 22:33 3

لقاء خاص | عبد اللطيف وهبي

صوت وصورة
التسعيرة ثابتة و''المازوط'' غالي
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 20:32 5

التسعيرة ثابتة و''المازوط'' غالي

صوت وصورة
عرشان يدعم "حكومة المنصوري"
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 13:42 5

عرشان يدعم "حكومة المنصوري"

صوت وصورة
الاتحاد الدستوري في مقر "البام"
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 12:43 2

الاتحاد الدستوري في مقر "البام"

صوت وصورة
شراكة أكديطال ووكالة بيت مال القدس
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 11:55 1

شراكة أكديطال ووكالة بيت مال القدس

صوت وصورة
عفيف: الديفتيريا خطيرة واللقاح ناجع
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 10:49

عفيف: الديفتيريا خطيرة واللقاح ناجع