بنيس: شهر رمضان يتحوّل إلى طقوس "التفياك والتهلية والتبراع"

بنيس: شهر رمضان يتحوّل إلى طقوس "التفياك والتهلية والتبراع"
الخميس 9 ماي 2019 - 06:30

يمكن توصيف إقبال أصحاب الدخل المحدود والمتوسط على الاستهلاك بوتيرة زائدة إبان شهر رمضان من خلال جانبين مغايرين، جانب طبيعي يحيل على رغبة وتمثلات الفرد في إشباع جوعه وانتظاراته الحيوية بعد فترة من الإمساك عن الطعام، وجانب اجتماعي واقتصادي يتيح فرصا وأزمنة تسوق، لاسيما إذا استحضرنا خاصية التوقيت الرمضاني ووفرة البضائع على اختلاف أنواعها داخل السوق المغربية؛ فهل يخفي ذلك جوعا قديما؟ أم ذاكرة جماعية عن مغرب الحاجة؟ أم هو شعور بعدم الأمان؟ أم يتعلق الأمر بوعي ضعيف عن الأمن الغذائي؟.

لا يرتبط الأمر بجوع قديم أو بذاكرة جماعية عن مغرب الحاجة أو بشعور أو وعي اجتماعي ضعيف ومتذبذب عن الأمن الغذائي، بل يتعلق الأمر بصيغ طقوسية ثقافية وغذائية ترتبط بشهر رمضان، يشكل فيها سلوك “التفاخر التسوقي” تعويضا عن الانقطاع الزمني عن أماكن التسوق لمدة نصف النهار أو أكثر، فيصبح التواجد في أماكن الاستهلاك، لاسيما في آخر النهار، ذريعة أو دافعا إلى التزود والتبضع؛ فينتقل فعل وسلوك التسوق إلى شكل “هجوم” أو “تسونامي” أو “سطو” أو “غزوة” على المنتجات المعروضة، فيتملك الفرد شعور جارف بشراء وتجريب جميع البضائع التي لم يكن خلال السنة يتعاطى لها أو يفكر في استهلاكها، محاكاة لجميع الزبناء والأشخاص المتواجدين في نفس الفضاء التسويقي (جوطية – أسواق ممتازة – بضائع على أرصفة الطريق…).

اختيار الأطباق نفسها أو أطباق معينة أو أكلات بذاتها في رمضان بوتيرة متكررة من قبيل السمك أو البيض يوميا لا يتم بمنطق اختيار الأكل الصحي، لأن هذا الاختيار لا يحضر خارج شهر رمضان، بل ويختفي بعده، فهذه العادات والسلوكيات على بساطتها الظاهرية تحيل على ملامح أنتروبولوجية للمغربي يمكن فهمها من خلال طبيعة تمثلاته القيمية التي تتأرجح بين ثنائية الفردية (Agency) والبنية (Structure)، إذ إن الأولى تمكن الفرد من التحكم في جسمه ووجوده والتقرير في فعله وسلوكه وفي اختياراته بمفرده؛ وفي المقابل يحيل مفهوم البنية على العوامل المؤثرة وعناصر الشحن (الجماعة – الطبقة الاجتماعية – الدين- النوع – المهارات المكتسبة – التقاليد …) التي تحدد وتقنن وجود وقرارات الفرد.

لهذا فالسبب الرئيس في الاستهلاك بوتيرة زائدة إبان شهر رمضان هو هيمنة البنية على الفردية؛ فالفرد الواحد لا يمتلك القدرة على الدفاع عن اختياره وعن رغبته في استهلاك عاد كاستمرارية لنوعية الاستهلاك طيلة السنة، وعدم الرضوخ لسلطة الجماعة التي تبتدئ من عائلته الصغيرة، والتي تميل إلى الاستهلاك المفرط بالمفهوم المغربي “التهلية” و”التبراع” و”التفياك” .

إذن، فانطلاقا من ثنائية الفردية والبنية يمكن قراءة بعض العادات الجديدة للمغاربة، من قبيل الإفطار في مقاه أو فنادق، لا كمؤشر على تغيرات اجتماعية واقتصادية، بل كمنطق جديد “للترحال القيمي”؛ إذ إن نفس القيم سالفة الذكر: “التفاخر التسويقي” و”التهلية” و”التبراع” و”التفياك” سيتم تثبيتها بهذه المواقع الجديدة للاستهلاك.

هذا المنطق تحكمه جدلية أن العرض الاستهلاكي لا يحدده المكان، بل تتحكم فيه أساسا طقوس أكل الزبون الذي تتطلب تلبيتها مسايرة سلوكه الاستهلاكي؛ فتظل العادات الاستهلاكية في شهر رمضان هي هي، مع فارق الانتقال من فضاء مغلق حميمي (البيت العائلي) إلى فضاء مفتوح عام (المقهى أو الفندق أو المطعم).

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

15
  • احمد
    الخميس 9 ماي 2019 - 09:00

    تحول رمضان الكريم من شهر التعبد والرجاء من الله عز وجل المغفرة مما سلف من الذنوب والمعاصي والمتوبة مما زال منها مسيطرا على االنفس البشرية أصبح شهرا للتباهي بموائد الإفطار والتباهي علنا بالإفطار في المقاهي أو الفنادق…الدين أصبح في مجتمعنا سوى طقوس وعادات أما معناه الحق فنحن عنه ببعيييييييييييييييييد

  • hassan
    الخميس 9 ماي 2019 - 09:30

    حبدا لو تحذث أخونا الكريم عن لماذا قمنا بالصيام في تاني رمضان مع العلم ان الهلال يمكن رؤيته بالإقاليم الجنوبية بالمنظار وخاصة مدينة الداخلة وما محل رؤية موريتانيا للهلال من الإعراب وهي لها نفس التوقيت مع المغرب علما ان الرسول صلى الله عليه وسلم أمر المسلمين بالحكم بالجماعة ومن خرج منها يذخل النار.

  • وعزيز
    الخميس 9 ماي 2019 - 09:40

    إنما الأعمال بالنيات…

    من كان همه الاكل و الشرب و التبراع كما قلت فله ذلك…

    و من كانت نيته العبادة و التقرب إلى الله و قراءة القرآن و الإحسان إلى الفقراء و تربية الجوارح على الطاعات و ووو. فلا شك انه قد أقام شعيرة من شعائر الإسلام و ركن من أركانه على الوجه الاصح.

    الله سبحانه يعبد بالعلم و ليس بالعادات…
    خاصة إذا كانت هذه العادات ضد مقاصد الشرع…

  • عبدالغني
    الخميس 9 ماي 2019 - 10:36

    أنها القراءة الموضوعية للتحولات السلوكية المرافقة للصيام بين قوسين و هي لا تخص بقعة جغرافية معينة محددة بعينها و لكنها ظاهرة تعم العالم الإسلامي

  • محمد 01
    الخميس 9 ماي 2019 - 10:37

    شهر الغفران
    شهر الكرم والجود والاحسان
    اما التباهي فهو مرض ونقص
    شهر البركة والابتعاد عن المحرمات
    خير الناس من تكرم على الفقراء والمساكين بدل التفاهات والجشع والشهوات

  • Rachid
    الخميس 9 ماي 2019 - 10:38

    إلى حسن
    التوقيت مرتبط بالشمس لا بالقمر.
    موريتانيا والمغرب لهما نفس التوقيت نظرا لتعرضهما للشمس على نفس خط الطول.
    أما مدار القمر بمختلف تماما

  • حنظلة المغربي
    الخميس 9 ماي 2019 - 10:39

    كان ضروريا فهم هده الظاهرة شكرا لك على هدا التحليل فقد غصت في نفسية الصاءم المغربي (جوع قديم.عدم الشعور بالامان..)واجتماعيا أيضا.صحيح ان المغربي يصعب فهمه فهو دلك المشتكي من غلاء المعيشة المبذر بطريقة بشعة .وهو ذلك المنصت لبرامج التغدية الصحية العازف عنها لتلبية رغبة لا شعورية ربما الشعور بعدم الامان رمضان مبارك للجميع.

  • المصطفاوي
    الخميس 9 ماي 2019 - 12:36

    لا يمكن تعميم هذه المخرجات العلم إجتماعية على كل المغاربة، رغم صوابها نسبيا، فهناك من يقرر منذ البداية باتفاق مع اسرته على أن يكون الإفطار عاديا وبسيطا وهو ما درج عليه آباؤنا وأجدادنا — رحمهم الله — ونموذج الإفطار العادي هو: ماء+تمر + شاي +مسمن أو بغرير +حريرة، وكفى المومنين القتال.

  • محمد الصابر
    الخميس 9 ماي 2019 - 12:41

    أنظروا الى الكلمات التي استعملها صاحب المقال في طرح أسئلته :
    فهل يخفي ذلك جوعا قديما؟ أم ذاكرة جماعية عن مغرب الحاجة؟ أم هو شعور بعدم الأمان؟ أم يتعلق الأمر بوعي ضعيف عن الأمن الغذائي؟
    نقرأ هنا حضور: الجوع + الحاجة+عدم الامان+الوعي الضعيف مع غياب الاشارة الى رمضان العبادة والتصدق والرواج الاقتصادي و…وهذا يطرح أكثر من سؤال،هل صاحب المقال ضد التبضع والتسوق؟لماذا يستعمل:الغزوة أو الهجوم في وصفه ولايرى التجمعات والزيارات وصلة الارحام؟ ان رمضان ياسيدي له بروتوكولات وديبلوماسية خاصة بمن يتمسكون به،فهم ينتظرون قدوم رمضان اضافة الى العيد الكبير،ومن ثمة فان أشهى الحلويات والمخامر والاجبان والبريوات ستبقى لتمييزنا عن اسبانيا وفرنسا مثلا وستبقى التراويح والاذكار والصدقات لتميزنا عن غيرالمسلمين وعن الملاحدة وعن …ان الخيرموجود مع رمضان لانها فرصة المحتاج كي يفطر مع عائلته الميسورة ولان لقاء المساجد منافسة بين أبناء المسلمين ولان الرواج الاقتصادي يعطي فرصة للتشغيل…ولأن التفياك والتبراع مضمون ،فاننا في حاجة الى رمضانات أخرى. ومبارك عواشرك

  • محمد أشرف تابتي الادريسي
    الخميس 9 ماي 2019 - 13:30

    لست أرى في قصفك للصائم المغربي بدا من صحة الكلام، أو حتى جزءا مستحقا من براءة النية..
    يا أخي كيف لك أن تحكم مسبقا على عادات الطبقة المتوسطة خارج رمضان وتغيراتها الاستهلاكية إبان الشهر الفضيل.. لست أرى إفراطا لا في الأكل ولا في الشراء ما دامت ماىدة الافطار الرمضانية تضم الوجبات الثلاث او الأربع اليومية للأيام العادية.. رمضان شهر الصيام والتوبة والمغفرة بالدرجة الأولى بعدها تحضر الارهاصات الأخرى كالاكل والشرب.. ولكن ليس بالحدة التي تكلمت عليها وجعلت المغاربة ككل يتركون منازلهم للأكل في مقاهي في إطار ما أسميته بالترحال القيمي.. نعم تلك تجربة كل عاىلة ولكن ليست قاعدة على طول الشهر.. أرجو أن تتم مناقشة المواضيع مع احترام الحياد السوسيولوجي وعدم تأثير معتقداتكم على الموضوع قيد العلاج..

  • صوم وتدبير وصدقة
    الخميس 9 ماي 2019 - 13:44

    (كلوا وشربوا ولا تسرفوا . صدق الله العظيم ) الاكل والشراب مما طاب ولد حق إنساني واجتماعي وثقافي وخاصة إذا كان في حدود المقبول والمنطق غير هذا إسراف غير مقبول أخلاقيا .

  • جااااااركم اسباني
    الخميس 9 ماي 2019 - 14:15

    من فضلكم اجيبوني : هل المغاربة مريضون بالعنصرية اتجاه الاسبان وخااااصة في رمضان !؟ هل المواطن المغربي يتعرض للاذى ببلدي ؟! انا احب المغرب واصوم رمضان لكن صراااااحة هنا في كازااا ارى فقط العنصرية ولا اعلم اين اضع شكاية فالموضوع هل فيكم من يرشدني ؟!

  • وعزيز
    الخميس 9 ماي 2019 - 14:54

    إلى صاحب التعليق رقم 2

    قال الله سبحانه وتعالى
    ((فمن شهد منكم الشهر فليصمه.. ))

    الشهادة المجردة و ليس بالمنظار…

    و قد سبق أن صدر في هذه الجريدة تقرير وافي شافي به ما يفيد ان القمر استكمل 44ساعة مساء الاثنين لذلك بدا لنا كبير الحجم و لكن مساء يوم الأحد لا يمكن رؤيته بالعين المجردة بمجرد غروب الشمس..
    استعمل اخي الكريم المنظار في اشياء أخرى…

  • جاركم اسباني
    الخميس 9 ماي 2019 - 16:49

    من فضلكم هل انا كاسباني هنا فالمغرب مفروض علي العيش والسكوت عن التعسف ؟ رقم الشرطة لا يجيب دوما مشغول وانا صراحة ضقت ذرعا بهذه التصرفات ..عيييييب وعاااار في بلدي اسبانيا نحن نربي اولادنا ونحترم الاخر و نتعامل مع الناس بانسانية اما هنا لا اعلم ما اقول هل هذة قيم التسامح ووووووووو ….زورا الحاج فاتح بعد الافطار فتجدوا مختلف انواع الاعتداء على الاجانب والازبال وووو يا حسرة رمضاااااان شهر مقدس يا حسرة لقد وثقت كل شيء بالفديو صوت وصورة …..شكرا لكم

  • Omar
    الخميس 9 ماي 2019 - 22:59

    اصبح شهر رمضان يتحول الى طقوس التفياك والتهلية والتبراع ونسيتم انقراض مواءد الافطار المجانية التي كانت طائفة من المحتاجين تسد رمق جوعها وعطشها فتصدت لها السلطات دون ان تأتي بمبادرة منها هناك فقراء يجب الإلتفات اليهم اتركوا المحسنين ان كنتم لستم محسنين والسلام والفاهم يفهم

صوت وصورة
التزامات "البام" لساكنة طنجة
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 23:40

التزامات "البام" لساكنة طنجة

صوت وصورة
لقاء خاص | عبد الجبار الراشدي
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 21:00 1

لقاء خاص | عبد الجبار الراشدي

صوت وصورة
أخنوش: تافراوت صنعت بدايتي
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 19:56 7

أخنوش: تافراوت صنعت بدايتي

صوت وصورة
لقجع: وضع وجدة يجب أن يتغير
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 19:08 14

لقجع: وضع وجدة يجب أن يتغير

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | جمال براجع
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 18:07 2

الطريق إلى الانتخابات 2026 | جمال براجع

صوت وصورة
بنعبد الله يقود حملة "الكتاب" بسلا
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 17:16 3

بنعبد الله يقود حملة "الكتاب" بسلا