بين "التربية الإسلامية" و"التربية الدينية"

بين "التربية الإسلامية" و"التربية الدينية"
الأحد 26 يونيو 2016 - 19:30

لا أتناول تحليلي لموضوع التربية الدينية من جهة تنزيلها قانونيا ومدى مطابقتها لما ورد في دستور مملكتنا، وكذا من له الحق في إصدار القوانين تنسخ أخرى سابقة.. بل أتناوله من جهة حمولته المعرفية ومدلولاته المعنوية باعتباره وصفا يقيد معنى الموصوف، ولن أثقل المقال بالتخصص في مدلولات مضمونه والفروق الحاصلة بينه وبين مرادفاته والألفاظ القريبة منه، من أمثال: الإسلام والدين والملة والعقيدة والشريعة وما إلى ذلك..

إن الوصف بلفظ “الديني” درج عليه علماؤنا المسلمون القدامى بتلقائية علمية ودقة وصف لمختلف مجالات الحياة، ذلكم أن تقسيم الأمور إلى ديني ودنيوي، أو أديان وأبدان، مما سارت به الركبان وجرى على كل لسان؛ ومن بين أولئك العلماء يقول الإمام الماوردي في مقدمة كتابه “أدب الدنيا والدين”:

“وأعظم الأمور خطرا وقدرا وأعمها نفعا ورفدا ما استقام به الدين والدنيا، وانتظم به صلاح الآخرة والأولى؛ لأنه باستقامة الدين تصح العبادة، وبصلاح الدنيا تتم السعادة”، وختم مقدمته قائلا: “وأنا أستمد من الله تعالى حسن معونته، وأستودعه حفظ موهبته بحوله ومشيئته، وهو حسبي من معين وحفيظ”: فلم يمنع الإمامَ الماوردي تقسيمُه الأمر إلى دين ودنيا من استمداد حسن معونته من الله تعالى، بل أسس منهجه في سرد الآداب “مستشهدا من كتاب الله جل اسمه بما يقتضيه، ومن سنن رسول الله صلوات الله عليه بما يضاهيه…”. هذا مع العلم أنه لم يشر إلى لفظ الإسلام أو الإسلامي لعامل بسيط هو أنه يفصل القول في مقتضيات الآداب الإسلامية المرتكزة على الكتاب والسنة..

هذا من جهة، ومن أخرى فالوصف بـ”الإسلامي” لعله أثير في أوساطنا العلمية والثقافية بعدما وفد على البلاد الإسلامية مختلف المناهج والبرامج الأجنبية.. لكن بتدقيق النظر في مسميات الأشياء والمواد والبرامج وأوصافها يتبين لنا أنه يحصل إشكال نظري يستعصي على الفهم والوصف الدقيق المناسب الجامع لشتى العلوم والفنون:

فلمّا نصف مثلا التربية في سياق ما بـ”الإسلامية” ونصف التربية في سياق آخر بـ”البدنية” أو “الفنية” أو “التشكيلية” أو “الجمالية” أو “الطرقية” أو “الجنسية” وغيرها من الأوصاف المقيدة لمعناها، يتبادر للذهن سؤال هو: هل غير ما وصف بـ”الإسلامية” لا يدخل في مسمى الإسلام؟؟؟

إن طبيعة القيد بـ”الإسلامي” تخرج ما سواه من مسماه، والتنصيص عليه بإزاء أوصاف أخرى غيره في منظومة تربوية واحدة يطرح إشكالا محرجا لنا قبل غيرنا، هو محرج لنا على الأقل في مستوى فهمنا لأمورنا وضبط ألفاظنا ومصطلحاتنا في منظومتنا التربوية هاته. كما أنه لا يمنع وصفنا التربية بـ”الجمالية” مثلا من كونها تَمْتَح من معين الإسلام، وهكذا..

لذا ينبغي التفكير بتؤدة وروية متضافرة جهود جميع المتخصصين والمعنيين لاقتراح ما يحقق انسجاما في مختلف مجالات حياتنا وعلى رأسها منظومة التربية والتكوين.. ولا خوف على مغربنا من مختلف الرياح التي تهب موسميا أو باستمرار من مختلف الجهات، فله من الحصانة ما أبقاه صامدا معتدلا بحمد الله، ولننتبه نحن الشعوب للبقاء متآخين متكاملين بشتى انتماءاتنا وثقافاتنا، نؤثث مؤسساتنا بما يحقق لها الاستمرار الحضاري البناء، وسدا منيعا دون اختراق هويتنا وحضارتنا؛ فالتآكل فيما بيننا يسهل على الآخر اختراقنا والنيل منا.. أما المصطلحات والألفاظ فلا عبرة إلا بما تحمله من دلالات ومعان تحفظ هويتنا وتطور حضارتنا..

أقول هذا وفرق التأليف لمختلف دور الطبع المغربية عاكفة الآن على تعديل الكتاب المدرسي بحسب ما صدر من البرنامج الجديد الخاص بالتربية الدينية من طرف وزارتنا الوصية، إلا ما بقي متأخرا من هذا البرنامج الخاص بالسلك الثانوي التأهيلي إلى حدود كتابة هذه الأسطر..

*جامعة سيدي محمد بن عبد الله فاس

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

9
  • احمد
    الأحد 26 يونيو 2016 - 21:10

    يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9)
    حاولوا في تركيا وقبلها في الاتحاد السوفياتي وفي الصين ولم يفلحوا
    انه نور الله
    والله متم نوره
    ولو كره العلمانيون والحداثيون والدهريون ووووو

  • متسائل
    الأحد 26 يونيو 2016 - 21:28

    عندما ننظر على سلوكاتنا المشينة من نفاق و كدب و أنانية و عنف و حسد وطمع كسل و غش و تزوير و فساد مادي و اخلاقي ووو ..و عندما يسألنا غيرنا عن التربية التي ندرسها في المدرسة و نتلقاها في البيت نجيبه : التربية الإسلامية ، لهدا أفضل أن نسميها التربية الدينية ، على الأقل يظنون دينا آخر و ليس الإسلام . أما شعوب آسيا الشرقية من صينيين و يبانيين و غيرهم ، حتى و لو قالوا أننا ندرس التربية البودية تجي عليهم يقولوها بوجههم أحمر

  • KITAB
    الأحد 26 يونيو 2016 - 22:19

    أثيرت زوبعة التربية الدينية بدل الإسلامية في مناهجنا التعليمية إسوة ببعض البلدان المشرقية التي سارعت إلى هذا استعمال هذا المدلول"التربية الدينية" في أعقاب الأعمال الإرهابية التي شهدتها عدة بلدان وبتورط أشخاص وجهات أعلنت عن انتمائها لتنظيمات إسلامية، إذن هؤلاء وتخوفا من أن يتحول تلامذتهم وطلبتهم إلى هذا المآل جاؤوا بهذا الإكسير ليجنبهم والحق أن هناك بونا شاسعا بين التربيتين الدينية والإسلامية ، كما أن تعريف هذه الأخيرة لا يقف عند الجانب اللغوي كما أوضح الأستاذ بل يتم تعريفها والقصد منها والأهداف المرجوة تحقيقها من خلال المنهاج المسطر لها ومواده ، فهناك كمثال الجوار والجار كما تنظر إليه التربية الإسلامية في حين أن الدينية مفتوحة على جميع الديانات ، هذا جانب وهناك جانب أهم هو الأستاذ المكلف بهذه المادة فقد يقدمها لتلاميذه كتربية إسلامية من خلال أمثلته وتوظيف واقعنا…

  • طيف النبي مسلم بن حبيب
    الإثنين 27 يونيو 2016 - 05:41

    اامعلق رقم 1
    نور الله كوكب ذري لا يريد أي واحد أن يطفئه ولن يستطيع أن يطفئه فالشمس نجم والنجوم تنفجر عند نهاية عمرها وتلتهم كل الكواكب والاقمار التي تدور حولها وترى بقايا الكواكب المندثرة حافين حول الشمس يسبحون بأمر ربهم لتتشكل شمس أخري وعوالم أخرى قد يكون هناك كوكب محضوض في zone habitable تدب فيه الحياة عبر ملايير سنين اخرى وهكذا في مجرة أخرى من بين ملايير المجرات وملايير النجوم اكبر من ان ترجم بها ملايير الشياطين كما يبدوا للملاحظ على الارض وهذا لن تصلحه مسميات التربية الاسلامية او الدينية ولن يصمد المغرب كما يقول الكاتب من التيارات التي تستهدف مكونه الديني والثقافي لانه العقل المغربي بل الانساني هو الذي سيناصر العلم والله الحقيقي الساري في الكون والكائنات لا الالهة الوهمية المتهافتة التي ترى كل ابداع ضلالة في النار

  • عبد السلام - مكناس
    الإثنين 27 يونيو 2016 - 10:43

    أنت تقول هذا الكلام، لأنك يا أستاذ من أعضاء لجنة التأليف
    فأنت خصم وحكم في نفس الوقت
    وأنت متخصص في العقيدة والدراسات المصطلحية، لا يخفى عليك الفروق اللغوية بين مصطلح " الديني" والإسلامي"
    والذين طالبوا بتغيير المصطلح، ليس لهم غيرة على الدين، بل هم من العلمانيين الذين يحاربون الدين
    فبدلا يا أستاذ من أن تطالب برفع الساعات المخصصة للتربية الإسلامية، وتعميمها في جميع التخصصات والمعاهد والمدارس العليا، زيادةعلى رفع مستواها، حصرت مقالك على الجانب الاصلاحي
    نعم للتربية الإسلامية، لا للتربية الدينية

  • ابو مصعب
    الإثنين 27 يونيو 2016 - 14:25

    حينما نناقش قضية المصطلح لا مناص من الانتباه الى استعمالاته المتعددة وسياقاته المختلفة. وهذه الاخيرة هامة جدا لذلك وجب الانتباه اليها.صحيح ان القدماء كثيرا ما كانوا يستعملون الدين في مقابل الدنيا.والقران والسنة استعملا ايضا مصطلح الدين كثيرا مثل قوله تعالى(لكم دينكم ولي دين) وقول الرسول عليه السلام في الدعاء المشهور(اللهم اني اسالك العفو والعافية في ديني ودنياي…..)
    لكن لاجدال في ان سياق الاستعمال متجه الى دين الاسلام لا غيره. فاذا كان سياق القران ةالسنة هو الاسلام ولا شيء غيره فان سياقنا اليوم نزع الخصوصية عن دين الاسلام ومنازعته حق الاختصاص من لدن المغتربين والعلمانيين والادينيين الذين يجهرون بعدائهم للاسلام فوجب التنبيه

  • اسماء
    الإثنين 27 يونيو 2016 - 22:30

    هي تربية إسلامية لان دين الرسمي لدولة المغرب هو الإسلام إن قلنا تربية دينية وجب تدريس كل الاديان (المسيحية واليهودية …)والملحدين شنو يقراو ممم اه ميقراوش دينيه نديرو ليهم تربية الإلحادية لا حول ولا قوة الا بالله

  • محمد امين
    الثلاثاء 28 يونيو 2016 - 00:04

    تأملوا لو ترك المقرر الدراسي كما هو وتم تغيير عنوان المادة فقط، فأين المشكل !؟ وبالمقابل لو تم تغيير المقرر بما يمليه العلمانيون من تغييرات وتم الاحتفاظ باسم التربية الاسلامية فهل هذا سيرضيكم!؟ ولذلك فعلى المنتقدين ان يطالبوا باشراكهم بعرض المقرر عليهم قبل المصادقة عليه، او بإشراكهم في التعديل، اما التسمية فلا يبدو انها المشكل الحقيقي…

  • أسعد
    الثلاثاء 28 يونيو 2016 - 00:33

    #نعم_للتربية_الإسلامية_لا_للتربية_الدينية
    للأسف يا أستاذ تبحث للعلمانيين المبررات، فعوض أن تقفوا في وجه الطغمة العلمانية المتجبرة، صرتم تسوغون لهم ألاعيبهم، لك الله يا مغرب الإسلام

صوت وصورة
"الأحرار" على جناح "الحمامة البيضاء"
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 00:30

"الأحرار" على جناح "الحمامة البيضاء"

صوت وصورة
لقجع وواقع الصحة بالمغرب
الأحد 20 شتنبر 2026 - 23:56 1

لقجع وواقع الصحة بالمغرب

صوت وصورة
شوكي: المواطن والمغرب العميق
الأحد 20 شتنبر 2026 - 23:09 1

شوكي: المواطن والمغرب العميق

صوت وصورة
بنعبد الله والتغطية الصحية
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:40 1

بنعبد الله والتغطية الصحية

صوت وصورة
أخنوش يتعهد بتحسين الدعم الاجتماعي
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:30 9

أخنوش يتعهد بتحسين الدعم الاجتماعي

صوت وصورة
المنصوري: سألجأ إلى القضاء
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:10 8

المنصوري: سألجأ إلى القضاء