تحديات الأحزاب المغربية

تحديات الأحزاب المغربية
السبت 25 يوليوز 2026 - 00:30

هنالك مجموعة من التحديات التي تُسائِل الأحزاب السياسية المغربية، لكن دعنا نلامس اثنين فقط منها؛ لأنّ حاضر ومستقبل هذه المؤسسات السياسية، باعتبارها واحدة من أهم المؤسسات الوسيطة بين الدولة والمجتمع، يتوقفان على رفعهما. والقصد: تحدي الديمقراطية الداخلية، أي داخل هذه الأحزاب، وتحدي العزوف السياسي بصفة عامة، والعزوف الانتخابي خاصة للشباب؛ لأنه يعنيها بشكل كبير، إلى جانب الدولة. وهما تحديان متلازمان ومترابطان.

لقد صدرت، وما زالت تصدر، مجموعة من الدراسات والمقالات البحثية والتحقيقات الإعلامية والتقارير المهتمة بالمشهد السياسي بالمغرب، ومنه المشهد الحزبي والانتخابي. وفي هذا الشأن، صدر مؤخراً، في يونيو من السنة الجارية (2026)، تقرير استراتيجي عن المركز الأفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمية بعنوان: “المشهد الحزبي والانتخابي بالمغرب”. كما أصدرت مجلة “مسالك” التي يديرها الاقتصادي رضوان زهرو، في 2021، عدداً خاصاً تضمّن مجموعة من المقالات والدراسات التي قارب فيها أصحابها قضايا مختلفة، نجحت المجلة في تجميعها في العنوان التالي: “الأحزاب السياسية بالمغرب.. نحو عقلنة المشهد الحزبي بالمغرب وحكامة الفعل السياسي”. وهما مرجعان سنلامس، بمعية القارئ(ة)، بعضاً مما جاء فيهما بتصرّف، حول التحديين اللذين يشكّلان محور هذه الورقة.

وفي هذا الشأن، تُفيد القراءة المتمعّنة في مقال بحثي تتضمّنه المجلة أعلاه، غني ببياناته التوضيحية ومعطياته الرقمية، وهو بعنوان: “حول أزمة الأحزاب السياسية بالمغرب” للباحث زكرياء أقنوش، (تفيد) في تسجيل مجموعة من الملاحظات والمعطيات التي ما زالت تحتفظ بآنيتها؛ لأنّه لم تتغير أشياء كثيرة في المشهد الحزبي والسياسي ببلدنا منذ 2021 إلى الآن، وهو ما سنلامسه في السطور التالية.

يشكّل غياب الديمقراطية الداخلية والانشقاق الحزبي أحد أوجه الصراع السياسي على المستوى الداخلي لعدد لا يستهان به من الأحزاب المغربية. ويظهر ذلك من خلال إحداث شرخ داخل الحزب الأصلي، مما يفضي، بالنتيجة، إلى ظهور حزب جديد أو أحزاب جديدة متفرّعة عن الحزب الأصلي، وهو ما يعمّق أزمة ثقة الناخبين في كل الأحزاب السياسية.

وممّا جاء في مقال زكرياء أقنوش أيضاً، أن الديمقراطية الداخلية تصبح بدون جدوى كلّما تم الاقتراب من مراكز القرار داخل الهياكل الرئيسية للحزب الذي يستفحل فيه هذا الخلل؛ حيث يفرض أسلوب التزكية والتعيين نفسه بقوة، ويسود منطق الوراثة في بناء الشرعية السياسية بالشكل الذي يكرّس شخصنة هذه الهيئات (الهياكل) ويحول دون تجديديها، مثلما يخلق حالة من التوتر والصراع بين الأحزاب وتنظيماتها الشبيبية.

ويؤكّد مجموعة من المهتمين بهذا الموضوع، المثير للجدل والاختلافات حتى بين المثقفين الذين يتحدثون انطلاقاً من مواقعهم الحزبية والبرلمانية، وبين المثقفين الذين يحاولون وضع مسافة بينهم وبين الأحزاب حفاظاً على الموضوعية النسبية في الحوارات والأعمال البحثية التي يشرفون عليها بالجامعات، (يؤكدون) أن الانشقاقات الحزبية تحصل نتيجة لعدة أسباب، من أهمها:

استمرار وتجذّر ثقافة الإقصاء بدلاً من اعتماد ثقافة التعايش بين التيارات داخل الحزب الواحد.

وهنا، دعنا نقول: إن الأحزاب الديمقراطية هي التي تستوعب تياراتها المختلفة: التيار المتشدد، والتيار المعتدل، والتيار المرن، مما يجعلها تحافظ على مكانتها داخل المشهد الحزبي والسياسي ببلدها، وبالتالي تحظى بثقة الجماهير الشعبية.

ثقافة الانتصار بدلاً من اعتماد ثقافة الحوار، وجعل مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.

غالباً ما تتحول الاختلافات في التصورات والرؤى بين مناضلي جل الأحزاب السياسية إلى خلافات جوهرية تفضي إلى سيطرة منطق الشخصنة (la personnalisation) المرتبط بصراعات الزعامات، والتي تتمحور في الغالب حول مصالح شخصية ضيقة لا علاقة لها بالخيارات السياسية للحزب المعني.

وصل ارتباط بعض الأحزاب بأشخاص معيّنين في المخيال الشعبي إلى حد الحديث عن “حزب فلان”، بدلاً من التركيز على اسم الحزب أو مرجعيته الإيديولوجية، في حين أن الممارسة الحزبية في عدد من الديمقراطيات التقليدية والفتية حسمت مع هذه المظاهر المتجاوزة.

تشكّل إعادة انتخاب الزعماء القدامى تحت ذرائع ومبررات مختلفة، أحد العوامل الرئيسية التي أسهمت، وما زالت تسهم، في مغادرة عدد من الكفاءات والطاقات الشابة لمجموعة من الأحزاب. كما أن عدداً كبيراً من هؤلاء المغادرين امتنع عن الانضمام إلى أحزاب لا تسمح لهم بإبراز مؤهلاتهم وتحقيق انتظاراتهم وتصوراتهم.

إنّ مجموعة من هذه الأحزاب السياسية التي أصبحت تغيب فيها الديمقراطية الداخلية، درجت منذ زمن طويل على مطالبة السلطة السياسية بضمان نزاهة الانتخابات، وإرساء دعائم دولة الحق والقانون والديمقراطية السياسية والاجتماعية.

ومن حق أيّ مخالف لهذا الرأي أن يسأل عن الأدلة الملموسة حول غياب أو ضعف الديمقراطية داخل جل الأحزاب السياسية المغربية. والجواب، حسب العديد من الباحثين والمحققين الإعلاميين، هو: تفشّي عدة مظاهر غير ديمقراطية، منها، على سبيل المثال لا الحصر:

عدم احترام توقيت انعقاد المؤتمرات الوطنية.

عدم إشراك القواعد في اتخاذ مجموعة من القرارات، وخاصة منها تلك التي تُعدّ قرارات “كبرى” في نظر القيادات.

وقد أدى استفحال هذه الوضعية بمختلف مظاهرها السلبية إلى تعرّض هذه الأحزاب لمجموعة من المشاكل الداخلية، من أهمها:

شيخوخة القيادات الحزبية. وقد برّر مؤخراً البعض منها، الذين استضافتهم القنوات المغربية الرسمية في برامجها الحوارية السياسية الأخيرة، مثل برنامج “للحديث بقية”، (برّروا) استمراريتهم في القيادة بأنها شأن داخلي للحزب، وأنّ قواعده هي التي اتخذت هذا القرار بكل حرية، إلخ.

توالي الانشقاقات الحزبية.

ونسجّل بارتياح كبير إصدار ملك البلاد أمره للسلطات المعنية بتعيين وتفعيل لجنة مركزية مكلّفة بتتبّع كافة المحطات المرتبطة بالاستحقاقات الانتخابية المقبلة في 23 شتنبر من السنة الجارية. وهو ما يؤكّد وجود إرادة ملكية صادقة لتطهير المشهد الانتخابي ببلدنا من خلال التطبيق الصارم للمبدأ الدستوري: “ربط المسؤولية بالمحاسبة”.

وحتى لا نقف عند “ويل للمصلين”، دعنا نطرح السؤالين التاليين، نظراً لأهميتهما في الزمن السياسي المغربي الراهن والمستقبلي، وهما:

لماذا العزوف الانتخابي والسياسي بالمغرب؟ وكيف الخروج من أزمة هذا العزوف؟

سنلامس الجواب عن هذين السؤالين في ضوء بعض ممّا جاء في التقرير الاستراتيجي الصادر في يونيو من هذه السنة (2026) عن المركز الأفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمية، الذي تمت الإشارة إلى عنوانه في بداية هذه الورقة، وهو، للتذكير فقط، “المشهد الحزبي والانتخابي بالمغرب”، وتحته تعبيرات تلخّص هذا المشهد، ومنها علاقة بموضوعنا: أزمة الوساطة (والحديث عن أزمة وساطة الأحزاب السياسية بين الدولة والمجتمع)، والفئة الصامتة (وهي التي قدّمنا تعريفها كما جاء في هذا التقرير الاستراتيجي).

وحسب هذه الوثيقة المرجعية، يرجع عزوف المواطنات والمواطنين، وخاصة منهم الشباب، إلى خمسة أسباب رئيسية، وهي:
1- خيبة الأمل في الأحزاب السياسية والمؤسسات التي لم تفِ (من الوفاء) بوعودها.
2- ضعف الثقة في العملية الانتخابية، والشعور بأن النتائج محسومة مسبقاً.
3- عدم الاقتناع بجدوى المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية وأثرها في الحياة اليومية للمواطنين والمواطنات.
4- الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تجعل الفئات الهشة اجتماعياً تقدّم هموم المعيش اليومي على الشأن العام.
5- غياب برامج سياسية جادة وقابلة للتنفيذ.

وفي ما يتعلق بهذا السبب الأخير، فإن ما يثير الانتباه، في نظري، هو أن بعض الأحزاب تقدّم أوراقاً إنشائية بعيدة كل البعد عن معاني البرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ناهيك عن أنّ ما يساهم بقدر كبير في إضعاف ثقة المواطنين في العمليات الانتخابية هو تشابه أغلب “البرامج الحزبية” في زمن هيمنت فيه قيم العولمة المتوحشة. في حين أن أحزاباً أخرى تكتفي بتقديم تشخيص للوضع الاجتماعي دون تقديم للحلول.

وفي ما يتعلق بسبل الخروج من أزمة عزوف الفئة الصامتة بصفة خاصة، فممّا جاء في التوصيات الإجرائية التي يتضمّنها التقرير الاستراتيجي للمركز الأفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمية السابق ذكره، ما سيأتي في السطور القادمة. لكن قبل ذلك، ما المقصود بالفئة الصامتة في منظور هذا التقرير؟

يُقصد بها: “مجموع المواطنين المؤهّلين للتصويت الذين لا يشاركون – سواء لم يسجّلوا، أو سجّلوا ولم يصوّتوا. ليست مجرّد أرقام، بل تعبير صريح عن خيبة أمل عميقة من المؤسسات والاقتراع. وهي اليوم، بحجمها، القوة الأولى في المشهد”.

ونقدّم المعطيات التالية التي يوضّحها الجدول الرابع الذي يتضمّنه التقرير الاستراتيجي المرجعي تحت عنوان: تفكيك جمهور الناخبين في 2021:
عدد السكان في سن التصويت: 25.23 مليون (100%)، عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية: 17.51 مليون (69.4%)، عدد المصوتين فعلياً: 8.8 مليون (أي 34.9%)، الفئة الصامتة (عدد غير المصوتين): 16.4 مليون (أي 65.1%).

وتتمثل التوصيات الإجرائية التي يتضمّنها التقرير الاستراتيجي للخروج من أزمة العزوف عن التصويت في ما يلي:

1- اعتماد التسجيل الأولي في اللوائح عند بلوغ سن الرشد القانوني.
2- إعداد خريطة جغرافية وعمرية للعزوف لتوجيه الجهود نحو البؤر الأعلى.
3- تبسيط عملية التصويت واختيار حلول رقمية آمنة.
4- الانتقال من مناصفة الترشيح إلى مناصفة القرار في رئاسة اللجان والمواقع التقليدية.
5- إقرار حوافز فعلية لإدماج الشباب في رأس اللوائح، لا في آخرها.
6- برامج تكوين سياسي للشباب.

وفي ختم هذه الورقة، نرى أن التحديات التي تُسائِل الأحزاب السياسية لا تنحصر في تحدي الديمقراطية الداخلية وتحدي العزوف السياسي والانتخابي، اللذين شكّلا محور هذه الورقة بسبب الظرفية التي نعيشها. ولكن هنالك تحديات أخرى هامة جداً، منها: تحدي التجديد المستمر للمرجعيات الحزبية من خلال تقييم وتقويم تصورات وأساليب وطرق اشتغال كل حزب على حدة، وتحدي تجديد الخطاب الحزبي، والقصد مخاطبة الشباب خاصة بلغة عصره. وينص الفصل السابع من دستور 2011 على الأدوار المسندة دستورياً للأحزاب السياسية لتنجح في عملية الوساطة بين الدولة والمجتمع.

هي، وغيرها من التحديات التي يجب رفعها من لدن كل الأحزاب دون استثناء، هي الكفيلة بأن تعيد للحزب السياسي ببلدنا مفهوم “المدرسة” الذي تجسّد بالملموس قبل سقوط جدار برلين في 1989؛ حيث كان المناضل الحزبي يفتخر بانتمائه للحزب الذي يجسّد قناعته السياسية والفكرية، ويسهر على تكوينه السياسي بمقر الحزب من خلال محاضرات الكفاءات العلمية التي يتوفر عليها. وهي مناسبة للإشارة للقرّاء الشباب إلى أنّ أحزاباً عتيدة كانت تتوفر، في السبعينيات من القرن الماضي، على منظّرين في السياسة.

ويبقى أكبر تحدي هو تحدي المصداقية في الخطاب والممارسة. وهو تحدي أخلاقي بالمفهوم السياسي للأخلاق.

-إعلامي وباحث

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
أوزين والمؤشر الاجتماعي
السبت 19 شتنبر 2026 - 21:50 1

أوزين والمؤشر الاجتماعي

صوت وصورة
بركة يحذر من العزوف الانتخابي
السبت 19 شتنبر 2026 - 21:30 4

بركة يحذر من العزوف الانتخابي

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | محمد أوزين
السبت 19 شتنبر 2026 - 21:02 1

الطريق إلى الانتخابات 2026 | محمد أوزين

صوت وصورة
حريق وسط حي سكني بمراكش
السبت 19 شتنبر 2026 - 20:30 2

حريق وسط حي سكني بمراكش

صوت وصورة
البواري وتسريع إنجاز مشاريع الماء
السبت 19 شتنبر 2026 - 20:08 2

البواري وتسريع إنجاز مشاريع الماء

صوت وصورة
إصلاح المركز الصحي يدفعني لدعم "الأحرار"
السبت 19 شتنبر 2026 - 20:00

إصلاح المركز الصحي يدفعني لدعم "الأحرار"