تحيين "الحكم الذاتي" يختبر قدرة الأحزاب على تجاوز الخطاب التقليدي

تحيين "الحكم الذاتي" يختبر قدرة الأحزاب على تجاوز الخطاب التقليدي
صورة: أرشيف
الأحد 16 نونبر 2025 - 10:00

في ظل النقاش الوطني المستمر حول تفعيل مشروع الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية، يثار سؤال جوهري حول مدى جاهزية الأحزاب السياسية المغربية للإسهام الفعلي في بلورة هذا المشروع الاستراتيجي، ليس فقط من خلال الخطاب السياسي؛ بل عبر مقاربة فكرية وعلمية تترجم هذا الخيار الوطني إلى تصورات عملية.

وأبرز خبراء أن الإشكالية لا تكمن في غياب الكفاءات الفردية داخل الأحزاب؛ بل في الفجوة العميقة بين هذه الكفاءات وبين الآليات المؤسساتية القادرة على تفعيلها. وبينما يُنتظر من الأحزاب، دستوريا وسياسيا، تقديم “قوة اقتراحية” فكرية تواكب مشروع الحكم الذاتي، يُظهر واقعها اعتمادها على أدوات تقليدية.

وفي هذا الإطار، قال رشيد لزرق، رئيس مركز شمال إفريقيا للدراسات، إن الأحزاب المغربية “تمتلك في بنيتها التنظيمية كفاءات فكرية وأطرا أكاديمية ذات تكوين قانوني وإداري ودبلوماسي، مؤهلة مبدئيا للمشاركة في بلورة التصور الوطني لمشروع الحكم الذاتي”؛ غير أن الإشكال، في رأيه، يكمن في “ضعف التمكين الداخلي لهذه الكفاءات، وغياب آليات مؤسساتية لتجميعها وتثمين إنتاجها المعرفي”، مما جعلها “غير مندمجة فعليا في صناعة القرار الحزبي”.

وأضاف لزرق، ضمن تصريح لهسبريس، أن هذه الكفاءات، بدل أن تتحول إلى نواة للخبرة الفكرية داخل الحزب، “تُستعمل غالبا في مواسم انتخابية أو مناسبات رسمية دون إدماجها في سيرورة التفكير الإستراتيجي المستدام”. ونتيجة لذلك، “تظل مساهمة الأحزاب في النقاش المرتبط بالحكم الذاتي محدودة من حيث العمق التحليلي، وتغلب عليها المواقف السياسية العامة أكثر من الدراسات الموثقة والمقارنة التي يفترض أن تواكب التحولات الدستورية والجهوية التي يؤطرها الفصل الأول والفصل 136 من الدستور”.

أما على مستوى مراكز الدراسات والأبحاث، فسجل المتحدث أن “القليل من الأحزاب يتوفر على بنيات بحثية حقيقية قادرة على إنتاج معرفة مستقلة وتوجيه القرار الحزبي وفق منهجية علمية”، مشيرا إلى أن هذه المراكز، حين تُوجد، “تبقى شكلية أو تابعة تنظيميا للقيادة السياسية؛ مما يفقدها استقلاليتها ووظيفتها التحليلية”.

وتابع لزرق: “تحوّلت الأحزاب في الممارسة الواقعية إلى آلات انتخابية تشتغل بمنطق تدبير المواعيد السياسية القصيرة الأمد، بدل أن تكون مؤسسات لتأطير المواطنين وتكوين النخب وإنتاج البدائل العمومية”؛ وهو ما أفرغ وظيفتها الدستورية من مضمونها، وأضعف دورها في “بلورة المشاريع الوطنية الكبرى؛ مثل مشروع الحكم الذاتي، الذي يتطلب خبرة تراكمية ومقاربة فكرية تشاركية تزاوج بين السياسي والأكاديمي”.

من جانبه، سجل حفيظ اليونسي، أستاذ العلوم السياسية، أن “الأحزاب السياسية المغربية من حيث الوظائف محددة بموجب الدستور؛ منها التأطير وتدبير الشأن العام. وبحكم أنها مؤسسة وساطة فهي مطالبة بتقديم برامج ومشاريع لتأكيد هذه الوظيفة الحيوية”.

وأشار اليونسي، ضمن تصريح لهسبريس، إلى أن “الحياة الحزبية بالمغرب عرفت منعرجات كثيرة منذ الاستقلال إلى الآن، ولعبت عموما أدوارا مهمة في أداء هذه الوظائف”؛ غير أن “التحولات المتسارعة، عالميا ومحليا، جعلت فكرة الأحزاب كتنظيم تتراجع لفائدة مؤسسات أخرى”.

وأضاف المتخصص في العلوم السياسية أن “الديمقراطية التمثيلية تحتاج إلى أحزاب سياسية قوية. ومن هذا المنطلق، فإن اللقاء الأخير الذي نظمه مستشارو الملك مع زعماء الأحزاب السياسية أعطى إشارتين؛ الأولى أن ملف الصحراء هو ملف الإجماع الوطني، والثانية أن الأحزاب مطالبة بلعب دورها الاقتراحي”، لافتا إلى أن “هذا الدور يحتاج وجود مراكز تفكير؛ وهي للأسف غير معتمدة، إذ إن الأحزاب المغربية تعتمد أدوات تقليدية في إنتاج الأفكار والبرامج، أي نخبها كأفراد وليس كمؤسسات”.

وأوضح المصرح لهسبريس أن “الدولة أقرت دعما إضافيا خاصا للأحزاب لتطوير هذه الوظيفة؛ لكن هذا الدعم توقف لسببين: الأول مرتبط بطريقة صرفه من طرف الأحزاب، والثاني بطريقة مراقبته سواء من لدن وزارة الداخلية أو المجلس الأعلى للحسابات؛ مما جعل العديد من الأحزاب تتغاضى عن طلب أو صرف هذا الدعم”.

وختم اليونسي بالقول إن “الأحزاب المغربية مطالبة، اليوم، ببذل جهد أكبر للارتقاء إلى أهمية هذه اللحظة التاريخية الحاسمة في مسار وحدتنا الترابية”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

10
  • المواطن
    الأحد 16 نونبر 2025 - 10:20

    الحكم الذاتي فرصة سانحة للا حزاب كي تقوي نفسها و ترجع ثقة المواطن فيها.

  • مواطن
    الأحد 16 نونبر 2025 - 10:36

    مع كامل الأسف جل الأحزاب لا تتوفر على اي رؤية مجتمعية همها الوحيد الأوحد واستغلال الفرص من أجل الانقاض على على الكراسي الانتخابية والاغتناء باي طرق دون مراعات لمستقبل الوطن وعيش المواطنين أحزاب فاشلة

  • مواطن2
    الأحد 16 نونبر 2025 - 10:52

    في بلادنا من الصعب الحديث عن الاحزاب السياسية وعن “” النخب”” التي افرزتها ..وتفاصيل الامور عند وزارة الداخلية.. والمجلس الاعلى للحسابات.لا اقصد الاساءة لأن المشهد السياسي لا يخلو من المخلصين والاوفياء والمثقفين واصحاب الراي السديد.ومن هذا المنبر المحترم اوجه جزيل الشكر لكل سياسي يعمل لصالح بلاده ومواطنيه .ولكل سياسي مسؤول يعمل بالتوجيهات الملكية السامية.

  • مربط الفرس
    الأحد 16 نونبر 2025 - 11:41

    جلالة الملك حفظه الله أقحم الأحزاب السياسية في بلورة تصور للحكم الذاتي لتكون هناك ديموقراطية تشاركية و إجماع وطني حول هذا الموضوع, أما نحن فلا نثق إلا في المؤسسة الملكية التي لها الكلمة الأخيرة في بلورة حكم ذاتي في الصحراء يتماشى مع الخصوصية المغربية

  • نرجوا ألا تتكرر الأخطاء
    الأحد 16 نونبر 2025 - 12:02

    نثق بجلالة الملك ونثق بجدية في نظامنا الملكي.
    وبالرغم مما تعانيه من شبه قطيعة مع المواطن العادي،نتمنى أن تكون الأحزاب المغربية في مستوى اللحظة،وأن تكون قادرة على تجسيد تطلعات للشعب المغربي في بناء لحمة الوحدة الوطنية من طنجة شمالا الى الكويرة جنوبا.
    نرجو ألا تتكرر أخطاء 1957 وأخطاء 1971/72 التي ارتكبتها أحزاب اليسار واليمين معا حين ساهموا بوعي أو بغير وعي في تنفير بعض من الشباب الصحراويين المغاربة الذين اضطروا الى الدعوة للأنفصال مما جر خمسة عقود من الصراع في المنطقة.
    لقد أخطأ المغرب،بعد انتصاره المدو في معركة الملوك التلاث 1578،أخلد الى نوم عميق بينما أروبا الجارة تتقدم في العلوم والصناعات والأستكشافات والترحال الى أن باغتتنا جيوش فرنسا في معركة اسلي 1844 مما أدى الى اتفاقية للا مغنية المشؤمة والكف عن دعم مقاومةجزائر بني مزغنة الذين تنكروا للخير بعد حين.
    تكررت نوايا المغرب الحسنة حين رد دعوت دوغول مراجعة اتفاق للامغنية قصد استعادة الصحراء الشرقية.
    وكان خطأ فرملة جيش التحرير وتفكيكه بسرعة مما أدى الى اطالة أمد الأحتلال الأسباني وفقدان شنقيط التي هي امتداد طبيعي للسلطنة الشريفة.

  • الطاهر بوغابة
    الأحد 16 نونبر 2025 - 12:07

    النظام لن ينساق ابدا الى اراء الاحزاب الاربعين في المغرب ، فهناك من يقرر الامور ، اما دعوة هذه المكونات السياسية فلا تعدو الا ان تكون شكلية فقط.

  • حميدو
    الأحد 16 نونبر 2025 - 13:57

    واش كضحكو على عباد،الله.اعطوني حزب في المغرب لديه مبادء وطنية واديلوجية حزبية في اتجاه لخدمة الشعب والوطن لا توجد مند الاستقلال .كلهم احزاب،شكلت لتراشق فيما بينهم وكسب اكتر قدر،ممكن من المال العام.هده الاحزاب شكلت لكي تبق فرنسا انداك صاحبة الكلمة الاخيرة ومن بعد،اصبح المخزن، كدلك يتحكم في،زمام الامور لانه عرف الاحزاب ما هي الا سلسلة كارتونية.ادن كيف هده الاحزاب،ليس لها دراية بالسياسة الاستراتيجية للمدى البعيد وليس لها من متقفين ومفكرين في المجال السياسي ان تشرع لتسير شبه دولة.هل بالبصرة سنضع القوانين او من لن نجده في عنوانه الاول يدخل للسجن. او من يخالف رأي حزب فهو ميكروب وحمار.او سياسة لي قرب طحن مو.او سياسة اما انا اقول الخطاب او افشاله ضاربا بعرض الحائط مصالح الشعب.الاسئلة كتيرة.

  • الامراني
    الأحد 16 نونبر 2025 - 14:36

    هذا هو المشكل في الاحزاب السياسية تتقضي بك حاجة وتهمشك. المطلوب من مستشاري صاحب الجلالة المناداة على هؤلاء الاساتذة وهم معروفون . ولا داعي لهؤلاء الاحزاب همها الوحيد الكراسي من اجل أهداف شخصية….

  • نور
    الأحد 16 نونبر 2025 - 14:51

    الاحزاب السياسية هههه المنتخبون والانتخابات
    خاصهم تدريس في ماهية الحكم الداتي اولا واخيرا حيت ما عندناش شي حزب يعمل بمبدأ العدالة ممكن شي نهار او عام حين يفهم المنتخبون ان العدالة هي حين يصبح المواطن غاية وليس وسيلة

  • وزين عبدالاله
    الثلاثاء 18 نونبر 2025 - 16:34

    الاحزاب الكرتونية هي من صنع الدولة في مواجهة الاحزاب الوطنية.والان لا وجود لاحزاب نزيهة ووطنية.لان الدولة العميقة همشتها وقزمت دورها في صناعة القرارات.وهي الان تستدعيها ضاهريا للمشاركة في بلورة أفكارها وتصوراتها حول الحكم الذاتي في صحراءنا المغربية.

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | إدريس لشكر
الخميس 17 شتنبر 2026 - 18:15 2

الطريق إلى الانتخابات 2026 | إدريس لشكر

صوت وصورة
الفصل 34 وحقوق الإعاقة
الخميس 17 شتنبر 2026 - 17:30 1

الفصل 34 وحقوق الإعاقة

صوت وصورة
وهبي وكواليس مواجهة الأرجنتين
الخميس 17 شتنبر 2026 - 14:29 7

وهبي وكواليس مواجهة الأرجنتين

صوت وصورة
وهبي: ماضي أمرابط محترم
الخميس 17 شتنبر 2026 - 13:45 1

وهبي: ماضي أمرابط محترم

صوت وصورة
"خطأ الزلزولي" وتوعية اللاعبين
الخميس 17 شتنبر 2026 - 13:14 5

"خطأ الزلزولي" وتوعية اللاعبين

صوت وصورة
أخنوش والتنمية في تافراوت
الخميس 17 شتنبر 2026 - 12:13 4

أخنوش والتنمية في تافراوت