تمثلاتي عن تونس بين الحقيقة والوهم

تمثلاتي عن تونس بين الحقيقة والوهم
الإثنين 16 يونيو 2008 - 14:18


“علمنيوطني أن حروف التاريخ مزورة إن لم تكن دون دماء“الشاعر مظفر النواب


إلى صديقي الصحافي التونسي عبد الله الزواري المنفي في وطنه تونس،لم يغادر مدينة جرجس ما يفوق ست سنوات!!


أتذكر لما كنا بالإعدادي درسنا أستاذ اللغة العربية قصيدة للشاعر التونسي الراحل أبو القاسم الشابي ..عنوان القصيدة كان “إرادة الحياة” وأتذكر أن الأستاذ قاسم آيت صالح أطال الله في عمره لم يحترم الظرف الزمني المخصص للنصوص الشعرية المحدد في ساعتين ، بل وسع من الحيز الزمني وجعله شهرا كاملا ، بحيث توقف عند حياة الكاتب حتى كدنا نحفظها عن ظهر قلب بالرغم من طولها ، وبعده انطلق بنا إلى عملية التحليل التي جعلت من جل التلاميذ شعراء مع وقف التنفيذ ، هكذا كنا نتصور حينئذ أو كنا نتوهم بالأحرى . بحيث كل واحد منا يريد أن يكون شاعرا مثل أبي القاسم الذي كتب الشعر وهو صغير في مثل سننا ، وتوفي وعمره لا يتجاوز خمسا وعشرين سنة . أستاذنا أضاف لنا قصيدة أخرى للشاعر نفسه وعنوانها ” نشيد الجبار” وتوقفنا عندها ما يربو عن خمسة عشر يوما. والحقيقة أنني بقدر ما أحببت هذا الشاعر الرومانسي والمناضل الكبير بقدر ما أحببت تونس وكانت أمنيتي أن أزورها وأن أتعرف على صديق من هناك ، كنت أسمع للإذاعة حتى أظفر بصديق من تونس لأتعارف معه عن طريق المراسلة. لكنني ما أفلحت !! . وبقيت هذه الأمنية قائمة في بالي، ومسيطرة على ذهني ، ومهيمنة على قلبي.


في خاتمة الشهر الماضي التقيت مع الصحافي و الباحث المصري المعروف في شؤون الحركات الإسلامية الصديق حسام تمام وصحافي مصري آخر بجريدة القاهرة ودار بيننا حوار بالرغم من قصر المدة الزمنية ، حتى وصلنا إلى تونس الخضراء كما توهمتها في صغري ، وقال لي حسام بأن له أصدقاء بتونس يحبهم كما المغاربة ، لكنه يكره زيارة تونس بسبب الاستبداد والطغيان ….وي ذكرتني !!!


تذكرت ، هنا ، موقف الصحفي في قناة الجزيرة غسان بنجدو، وهو تونسي الأصل الذي يرفض زيارة تونس بالرغم من دعوات رسمية وغير رسمية متكررة .


وأردفت قائلا : زرت تونس في صيف 2003 لما كنت عائدا من ليبيا ، ( ها أمنيتي تحققت ) الحمد لله ، لكن تصوراتي عن تونس الخضراء خابت ، وجدتها حمراء بنار الاستبداد ، ذهبت للصلاة مع زميل من حزب الاستقلال وعضو بالشبيبة الاستقلالية ، كان المسجد فارغا من المصلين ، أفرغ من فؤاد أم موسى ، خرجنا إلى الشارع فلا تكاد تجد ما يميز عاصمتها عن أي مدينة أوربية ، قال صديقي : ” تونس ذهبت بعيدا في طريق الإصلاح إلى جهنم” وصديقي هذا ليس بالأصولي المتطرف ولا المنغلق على ثقافة رجعية كما يحلو للبعض أن يسم كل من اختلف مع حداثة أشبه ما تكون بخضراء الدمن كما جاء في الحديث النبوي المشهور.


كلام صديق بقدر ما أضحكني كثيرا ، بل قهقهت أكثر من اللازم ، لأني كنت في أمس الحاجة إلى الضحك في تلك اللحظة ، بقدر ما جعلني أرتب تصوراتي وتمثلاتي عن بلد كنت احلم لزيارته ، وأطمح في معرفة المزيد عن تونس …لكن تكفي قراءتي ومتابعتي لشؤون المثقفين والمبدعين التوانسة والذين يرجع لهم الفضل في دراسة إنتاجاتهم الفكرية في شتى صنوف المعرفة لمعرفة تونس كحقيقة .


بدايتي تعرفي على تونس من خلال أهلها بدأت بالمرحلة الجامعة ، ومع بداية التسعينات بالتحديد ..كان فصيل الطلبة التجديديون (التابع لحركة الإصلاح والتجديد آنذاك ) وفصيل طلبة العدل والإحسان )لموالي لجماعة العدل والإحسان) ظما أمسية ثقافية بمناسبة أسبوع استقبال الطالب الجديد ، وفجأة قام مقدم الأمسية، وهو السيد مصطفى الخلفي رئيس تحرير جريدة التجديد المغربية حالئذ، بتقديم احد الطلبة من تونس ، صفق المدرج كله ووقف محييا طالبا تونسيا داخل أسوار جامعة مغربية، الأخ التونسي يظهر من خلال هندامه أنه ينتمي إلى التيار الإسلامي ، وبعد نهاية كلامه كان الطلبة كلهم يبكون ، أما الطالبات فمنهن من أغمي عليهن ، ..يحكي هذا الطالب أن كلمة حياء أصبحت جريمة يعاقب عليها القانون ، وكل من قام لصلاة الصبح اتهم بكونه إرهابيا ، يحكي أنه ومجموعة من الطلبة والطالبات ممن ينتمي إلى تيار الحشمة والالتزام قام البوليس بتجريدهم من كل ثيابهم وأدخلوهم في غرفة مظلمة وأشعلوا الكهرباء ، وقيل لهم : ها الحشمة التي تدعون الناس إليها …وما كاد أن يكمل كلمته حتى كنت أرى كل الناس تنتحب وتبكي..وأضاف أن المجلات مثل فلسطين المسلمة وكل الدوريات والمنشورات الشهرية التي تنتسب إلى الثقافة الإسلامية ممنوعة بتونس …كنت أتساءل أحقيقة ما أسمع أم مجرد وهم ؟؟؟


في هذه السنوات قرأت لمفكرين توانسة ، وأعجبت بهم أيما إعجاب ، فالمثقف التونسي لما يكتب في تخصصه يجيد ويفيد ، بل قلما تجد مفكرا تونسيا يجهل في الثقافة الإسلامية والفكر العربي عموما بالرغم من الاختلاف الفكراني(الإيديولوجي) أت للدكتور عبد المجيد النجار كتابين صادرين عن سلسلة الأمة القطرية ، وللروائي المسعدي صاحب حدثنا أبو هريرة قال ، وعبد السلام المسدي في الليسانيات والبلاغة ، وحمادي صمود في الحجاج والبلاغة الجديدة ، والدكتور أحمد الأبيض المحاصر الآن كتابا رائعا حول فلسفة الزي الإسلامي ، وللمفكر الموسوعي أبو يعرب المرزوقي مقالات وكتبا ، والطاهر بنعاشور صاحب التحرير والتنوير والمفكر العربي والإسلامي راشد الغنوشي كل كتبه تقريبا ، ومقالات الباحث في الفكر السياسي الإسلامي الدكتور محمد الهاشمي خصوصا جريدة المستقلة التي كانت تفد علينا من لندن وليس من تونس ..والدكتور هشام جعيط في كتاباته المستفزة للعقل السياسي الإسلامي والتي تتوسل قلق السؤال والتشبث به ، والروائي حسونة المصباحي والمناضل الباسل الدكتور منصف المرزوقي …وأخيرا تعرفت على أستاذ جامعي( من خلال جريدة القدس العربي بعدما ترجم إحدى مقالاتي حول العراق إلى الفرنسية ونشرها بموقع يهتم بقضايا العراق وفلسطين) سبق له وأن درس بالمغرب ، وكما يحكي لي أنه بعد انتهاء مهمة كأستاذ بالمغرب عاد إلى تونس ..لكن هاجر تونس واستوطن فرنسا وهو جد الآن له أحفاد ولم يزر تونس ما يقرب من عشرين عاما وصاحب كتاب بالفرنسية ” البطش في تونس” والمثقف والصحفي صلاح الدين الجور شي ودفاعه عن أطروحة ما يسمى اليسار الإسلامي و..أعتذر إن لم أذكر البعض الآخر ، وأنا متأكد أني قرأت لمن لم أذكر اسمه من خلال مجلات قومية ودوريات متخصصة في الفلسفة والشعر وما يمت إلى الثقافة بشكل عام .


إن ما يجمع المفكرين التوانسة الكثير ، وما يفرق بينهم إلا القليل هم يختلفون ولا يتخالفون ، فالاختلاف هو التواضع على هدف محدد ، ونهج سبيل التنوع في الوصول إلى الهدف ، أما الخلاف هو غريم الاختلاف ونقيضه .


أما رأيت أن التونسي حين يختلف لا يسب ولا يجرح ولا ينتقم ؟؟ تذكرت تصريح المحامي محمد عبو الذي قضى سنتين تامتين في السجن ظلما وزرا ، ولما خرج أدلى إلى قناة الجزيرة بتصريح لو سمعه من يهمه الأمر لعلم أنه بالسياسة يلعب ، بل بالوطن يعبث ، الرجل يقول بأنه يسامح كل من ظلمه ، وكلامه هو رأي من مواطن يخاف على وطنه ويغار عليه ويريد له أن ينعم بالحرية التي يستفيد منها الجميع بما فيه الحاكم . و ليس في قلبه ذرة كراهية لأحد من التوانسة .


ما يجمع هؤلاء المفكرين والمثقفين الذين ذكرت أن أغلبهم يعيش خارج تونس في بلاد الغربة ، ومنهم من لم ينعم برؤية بلده ما يربو عن عشرين سنة ، وما يؤلفهم أنهم كلهم ودون استثناء يناضلون من أجل صحوة للحرية ، ووطن يتسع للجميع بالرغم من الاختلافات الفكرانية . ما يجمع بينهم هو أنه لا احد منهم يسلك العنف سبيلا إلى التغيير ، بل كلهم مسالمون لا يملكون إلا الكلمة الطيبة التي تمكث في الأرض بشهادة جميع من يملك ذرة إيمان غيرة على بلده .


ما أحوجنا اليوم إلى الشاعر أبي القاسم الشابي ليقف ضد الاختلال التونسي الداخلي ، كما وقف ضد الاحتلال الخارجي الفرنسي لبلده بالرغم من المرض ليقول :


إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر


ولا بد لليل ألن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر


ويقول أيضا :


سأعيش رغم الداء والأعداء كالنسر فوق القمة الشماء


أرنو إلى الشمس المضيئة هازئا بالسحب والأمطار والأنواء


والداء هذه المرة هو تشرد خيرة عقلاء تونس في المنافي والغربة ، والعدو هو الاستبداد والطغيان. حتى تعود تونس إلى اخضرارها كما توهمت في صغري .


تصبحون على وطن

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
تسليم السلط بين أخنوش والمنصوري
السبت 17 أكتوبر 2026 - 13:36

تسليم السلط بين أخنوش والمنصوري

صوت وصورة
فتاح العلوي تودع وزارة المالية
السبت 17 أكتوبر 2026 - 13:18

فتاح العلوي تودع وزارة المالية

صوت وصورة
وزير النقل: مغرب يسير بسرعة واحدة
السبت 17 أكتوبر 2026 - 12:32

وزير النقل: مغرب يسير بسرعة واحدة

صوت وصورة
حاتيمي يكشف أولويات وزارة الفلاحة
السبت 17 أكتوبر 2026 - 11:21

حاتيمي يكشف أولويات وزارة الفلاحة

صوت وصورة
أكاديمية المملكة تطلق "دار عوالم الكتاب"
السبت 17 أكتوبر 2026 - 11:08

أكاديمية المملكة تطلق "دار عوالم الكتاب"

صوت وصورة
المزواري يتسلم قطاع الصيد البحري
السبت 17 أكتوبر 2026 - 10:30

المزواري يتسلم قطاع الصيد البحري