حب الوطن شعور صادق وعطاء واثق

حب الوطن شعور صادق وعطاء واثق
الإثنين 23 نونبر 2020 - 16:06

إن حب الوطن فطرة متأصلة في النفس البشرية، ولذا ليس غريبا أن يحب الإنسان وطنه الذي نشأ على أرضه، وتنفس هواه، وأكل من خيراته… كما أنه ليس غريبا أن يشعر الإنسان بالحنين الصادق لوطنه حينما يغادره -طوعا أو كرها- إلى مكان آخر لقوة الارتباط وصدق الانتماء… إلا أن الحب الحقيقي للوطن ليس مجرد كلمات نرددها بألسنتنا أو شعارات نرفعها في مناسبات معينة، أو ادعاءات جوفاء نزايد بها على بعضنا البعض… ولكنه شعور صادق وعطاء واثق يمكن أن نُبرزه في أمور كثيرة منها:

ــ القيام بالواجبات المسندة لكل فرد من أفراده بصدق وأمانة وإخلاص، على اختلاف المواقع والمراكز والمناصب والرتب، مع السعي الدائم إلى تقديم أي عطاء مادي أو معنوي من شأنه أن يحقق الرفعة والعزة لهذا الوطن.

ــ التقيد بالثوابت الدينية والوطنية للبلاد، والتزام أنظمته وقوانينه التي تخدم مصالح الناس وتصون أمنهم وطمأنينتهم في أرواحهم وأبنائهم ومساكنهم وأموالهم وتجاراتهم وسائر شؤونهم، فإن ذلك كله يدخل تحت باب الوفاء بالعهود وحفظ الأمانات {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا}، ثم التشبث بكل ما يؤدي إلى وحدة أراضي هذا الوطن ويصونها من التمزق والتفرقة.

ــ المحافظة على ثرواته وخيراته، لأنها مِلْكٌ لجميع أبناء هذا الوطن، فلا يجوز لأحد أن يستغلها لأغراض شخصية ضيقة أو تبذيرها فيما لا ينفع عموم المواطنين خاصة إن كان مُؤْتمنا على حفظها أو تدبيرها وتسيير شؤون الناس بها.

ــ الحرص على مد جسور المحبة بين أبناء الوطن في كل ربوعه، لإيجاد جو من التآلف والتآخي والتآزر بين أعضائه الذين يمثلون في مجموعهم جسدا واحدا متماسكا في مواجهة جميع الظروف وكل التحديات، وهذا يتطلب نبذ مظاهر الفردانية والأنانية واللامبالاة تجاه الآخرين، والتصدي لكل المظاهر السلبية التي تزرع الفرقة وتنشر الضغينة والشحناء بين أبناء الوطن.

ــ عدم بخس الجهود المبذولة في بناء الوطن، وذلك من خلال عدم الاعتراف بالمنجزات أو التقليل من شأنها أو بنشر أفكار الإحباط التي لا ترى في ما أُنْجز إلا السواد ولا تبدي للناس إلا المساوئ، تماما مثلما قال الشاعر:

وعين الرضا عن كل عيب كليلة لكن عين السخط تبدي المساوئ

إن تحقيق تلك الصور الإيجابية المجسدة لمعاني حب الوطن لا يمكن أن نرى ثمرتها إلا إذا توفرت له مقدمة أساسية هي تربية الإنسان على استشعار ما للوطن عليه من أفضال سابقة ولاحقة عليه -بعد فضل الله سبحانه وتعالى- منذ نعومة أظفاره، ومن ثم تربيته على معنى رد الجميل، ومجازاة الإحسان بالإحسان، و{هل جزاء الإحسان إلا الإحسان}.

فلا بد من غرس معنى الانتماء الإيجابي للوطن، وترسيخ الحب في أبنائه وبناته، وبيان كل الوسائل الكفيلة ببلوغ هذه الغاية النبيلة سواء في البيوت، أو المدارس أو المساجد أو من خلال وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة أو من خلال جمعيات المجتمع المدني أو الأحزاب السياسية أو النقابات المهنية، وفي كل المؤسسات الرسمية وغير الرسمية.

نقول هذا، لأننا أصبحنا نرى ونسمع بعض المظاهر التي تدعو إلى القلق وتبعث على عدم الارتياح، تُظهر انعدام شعور الاعتزاز بالانتماء لهذا الوطن لدى البعض، أو ضعفه لدى البعض الآخر.

ـ فتجد من يلعن الوطن وأهله، ويسب ويشتم مسؤوليه كبارا وصغارا؛

ـ تجد من هؤلاء من ركبه الطيش والعبث فأقدم -بكل وقاحة- على إهانة رموز البلاد، (مثلا إحراق العلم الوطني، كما حدث في بعض مظاهرات التلاميذ وفي صفوف بعض الجماهير الرياضية)!!

ـ وتجد من هؤلاء من ينكر كل أفضال هذه البلاد لمجرد أنه تعثر في الوصول إلى بعض من حقوقه لسبب من الأسباب؛

ـ وتجد من يتآمر على أمن وطمأنينة هذه البلاد ويسعى إلى تمزيق وحدتها رغم أنه يستغل خيراتها ويعيش فوق ثراها وتحت أديم سمائها، ويصدر بيانات تؤيد خيارات المرتزقة والانفصاليين!!

ـ وتجد من هؤلاء من يسعى جاهدا إلى أن يسلخ هذه البلاد عن هويتها الدينية والحضارية الأصيلة، ويتنكر لأمجادها التاريخية!!

ــ وتجد من هؤلاء من يعطي صورة سلبية عن هذه البلاد وأهلها من خلال الانخراط في الشبكات العالمية للإرهاب والدعارة والمخدرات وكل الأفعال الإجرامية المنبوذة دينيا وإنسانيا!!

إن هذه النماذج وغيرها هي نماذج ممسوخة الهوية ومنفصلة الانتماء بل ومناوئة وحاقدة لهويتها الوطنية وانتمائها الحضاري الأصيل… تحتاج إلى من يأخذ بيدها ويقرب لها معاني الوطنية الحقة. وإن من أهم الأماكن التي يمكن أن يتم فيها غرس هذا المبدأ العظيم مؤسسات التربية والتعليم، فقد شكلت المدرسة المغربية على الدوام مركزا هاما لتلقين الناشئة مبادئ الوطنية الغالية وغرس القيم النبيلة التي تحث على حب الوطن والتعلق برموزه والاستعداد الدائم للدفاع عنه وبذل الغالي والنفيس في سبيل ذلك. ففي تلك المدرسة تربى شباب الحركة الوطنية أيام الاستعمار فكانوا في طليعة من تصدى للمستعمر تعبئة ومشاركة ومواجهة.

ولذا فإن مدرستنا اليوم، بمختلف مراحلها الابتدائية والإعدادية والثانوية والجامعية، مدعوة إلى استئناف برامج التربية على المواطنة بكل جدية، والقطع مع نهج اللامواطنة الذي تسعى إلى تكريسه بعض الجهات العدمية المناوئة لبلادنا سواء من الداخل أو من الخارج.

‫تعليقات الزوار

4
  • محمد
    الإثنين 23 نونبر 2020 - 17:37

    كأنك تطلع على ما يختلج خاطري أيها الكاتب الفاضل.
    مايعرف بالربيع العربي، أو الأحرى أما يسمى خريفا عربيا، لمثال جلي على مدى كره المواطن العربي لموطنه وانعدام وطنيته وحس المسؤولية لديه.
    المواطن العربي وليس المغربي فحسب يسعى بكل الوسائل إلى تدمير محيطه لأنه لا ينشئ منذ تنشئته الأولى على الأخذ بالمسؤولية والسعي إلى جلب المصلحة إلى محيطه وموطنه طالما أن ثمار جهده هذا لن يبلغه ما دام حيا. فأغلب الشباب العربي يتحين الفرصة لمغادرة موطنه كي يلتحق بالضفة الأخرى و لا يكترث لمصير وطنه رغم نفاقه الذي يبديه.
    بالمقابل، ترى المواطن الغربي لايكف عن مد يد العون إلى وطنه مهما قسى وطنه عليه، بفضل صلابة ورقي أخلاقه. خلال القرنين الأخيرين، وبفضل هذا المنطق الحكيم، تمكن الغرب من بلوغ قمة الحضارة بعد قرون من الحضيض، كل يبني من منطلقه لبنة لبنة حتى حقق مسعاه يومنا هذا.

  • Lamya
    الإثنين 23 نونبر 2020 - 17:41

    حب وطننا المغرب من الايمان, اما من يتنكر للوطن فلا خير فيه لانه ناكر للجميل, كانك تتنكر لاباءك و اجدادك و دينك, فمن يستطيع ان ينكر جميل بلدنا الحبيب? ترعرعنا فيه في امن و امان و تذوقنا الحب و الايمان في كنفه و اعطانا الكثير من الخيرات و النعم. فالحمد لله على نعمه التي لاتحصى. هناك نعم لا يعترف بها الانسان او لا يستشعرها حتى يفقدها.

  • الأخلاق أولا الأخلاق ثانيا .
    الإثنين 23 نونبر 2020 - 20:11

    عليك أن لا تنسي سيدة أو آنسة لمياء أن أجدادنا تنكرو لدينهم قبل أربعة عشر قرنا أو أقل ولازلنا نكن لهم كل الحب والتقدير . فلا علاقة للحب بالمعتقد تصوري مثلا شخصا تاه صغيرا وعندما شاءت الأقدار واكتشف أباه وجد انه على غير دينه هل سيغير هذا من حبه له بالقطع لا لن يغير .

  • مصطفى آيت الغربي
    الثلاثاء 24 نونبر 2020 - 16:35

    سنة 1903 وصل الى يد آخر قيصر الاتحاد السوفياتي كتاب البروتوكولات وبعد النهاية من قراءته سأ له أحدهم عن رأيه في الكتاب فأجابه القيصر قائلا: لقد فات الآوان.
    كل ما قلته يا صاحب المقال صحيح وأكثر منه لم تقله. مند زمن القيصر يرعى الدئاب الأغنام.
    جاء في الانجيل أن عيسى حدر أتباعه قائلا: احدروا الدئاب والثعالب التي هي ترتدي لباس الحملان.
    وما أكثر الثعالب وما أكثر الحملان في العالم وليس فقط عندنا.
    ما أقوله هو ما قاله قيصر الروس والدي كان آخر قيصر.

صوت وصورة
استغاثة دوار الشياظمة
السبت 6 مارس 2021 - 00:31

استغاثة دوار الشياظمة

صوت وصورة
بالأمازيغية: خدمة الأداء عبر الهاتف
الجمعة 5 مارس 2021 - 15:37 14

بالأمازيغية: خدمة الأداء عبر الهاتف

صوت وصورة
أنامل ناعمة في البحرية الملكية
الجمعة 5 مارس 2021 - 14:21 8

أنامل ناعمة في البحرية الملكية

صوت وصورة
معرض للتراث المغربي اليهودي
الجمعة 5 مارس 2021 - 13:25 2

معرض للتراث المغربي اليهودي

صوت وصورة
قتيلة في انهيار منزل ببني ملال
الجمعة 5 مارس 2021 - 00:40 6

قتيلة في انهيار منزل ببني ملال

صوت وصورة
حياة بلا نبض
الخميس 4 مارس 2021 - 22:35 5

حياة بلا نبض