حروب صغيرة

حروب صغيرة
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:06

ثمّة سؤال يستحقُّ أن نعلّقه على أبواب بيوتنا، وفي مداخل مؤسساتنا، وفوق مكاتبنا، وعلى المرايا التي نتأمّل فيها وجوهنا كلّ صباح: لماذا تبدو حروبنا بيننا صغيرة إلى هذا الحدّ؟ لماذا نستهلك كلّ هذا الذكاء في تدبير الأذى، وكلّ هذا الوقت في مراقبة الآخرين، وكلّ هذه الطاقة في حفر الحُفَر لبعضنا، ثمّ نشكو قلّة الوقت وضيق الإمكانات وصعوبة الحياة؟

ما الذي يجعل إنسانًا يستيقظ في الصباح، فيجد أنّ أهمّ مشروع ينتظره ليس تحسين حياته، ولا تطوير عمله، ولا إصلاح ما أفسده بالأمس، وإنّما البحث عن حجر جديد يضعه في طريق غيره؟ وأيّ انتصار عظيم يحقّقه المرء حين ينجح في تعطيل زميل، أو إحراج جار، أو تشويه سمعة صديق، أو إفساد فرصة على شخص لم يرتكب في حقّه جريمة سوى أنّه حاول أن يتقدّم خطوة؟

أمّة تحلم بالقمم وتحترف حفر الحُفَر

لعلّنا نحتاج إلى الاعتراف بأنّ بعضنا لا يخوض حروبًا دفاعًا عن المبادئ، ولا حمايةً للمصالح الكبرى، ولا انتصارًا للعدل. إنّنا نخوض أحيانًا معارك صغيرة لأنّ نفوسنا لا تتّسع لمعارك أكبر، ولأنّ مواجهة عيوبنا تتطلّب شجاعة قد لا نملكها، فنفضّل الانشغال بنجاح الآخرين؛ فهو أقلّ كلفة، وأكثر تسلية، ولا يفرض علينا مراجعة أنفسنا.

والغريب أنّ حفر الحُفَر أصبح عند البعض اختصاصًا دقيقًا يحتاج إلى مهارات استثنائية. فالحفرة الناجحة، في عرف هؤلاء، لا ينبغي أن تظهر للعين، ولا أن تحمل توقيع صاحبها. يكفي أن يزرع المرء شكًّا في مجلس، أو يهمس بملاحظة في أذن مسؤول، أو ينقل نصف جملة ويحذف نصفها الآخر، ثمّ ينسحب في هدوء، تاركًا صاحبها يتعثّر في طريق لم يكن يعرف أنّ أحدًا حوّله إلى حقل ألغام.

وللحفّارين، بطبيعة الحال، أخلاقهم المهنيّة الخاصة، ومعجمهم الذي يمنح الأذى أسماء محترمة. فهم لا يقولون إنّهم يحسدون أحدًا؛ إنّما “يخشون عليه من الغرور”. ولا يعترفون بأنّهم يريدون تعطيله؛ إنّما “يتحرّكون بدافع الحرص على المصلحة العامّة”.

نحفر لبعضنا… ثمّ نبحث عن الطريق

تأخذ هذه الحروب الصغيرة في مؤسساتنا طابعًا أكثر تنظيمًا، وتكتسب أحيانًا مظهرًا إداريًّا يوحي بالجدّية والانضباط. فقد يجلس أشخاص حول طاولة واحدة، يحملون الملفّات نفسها، ويتقاضون رواتبهم من المؤسسة نفسها، ويردّدون في الاجتماعات عبارات التعاون وروح الفريق، ثمّ يعود كلّ واحد منهم إلى مكتبه ليفكّر في الطريقة الأنسب لتعطيل الآخر.

ومن فرط حرصهم على نجاح المؤسسة، يحرص بعضهم على ألّا ينجح فيها أحد أكثر منه. يُخفي أحدهم معلومة يحتاج إليها زميله، ثمّ يسأله عن سبب التأخّر.

ويؤخّر آخر توقيعًا ضروريًّا، ثمّ يتحدّث في الاجتماع عن ضعف سرعة الإنجاز. ولعلّ أكثر ما يدعو إلى السخرية أنّ بعض المؤسسات لا تعاني نقصًا في الكفاءات بقدر ما تعاني وفرةً في المهارات التي يخصّصها أصحابها لتعطيل الكفاءات.

فهناك من لا يعرف كيف ينجز مشروعًا، ويعرف بدقّة كيف يؤخّر إنجازه. وهناك من يعجز عن تقديم فكرة جديدة، ويبرع في اكتشاف عشرة أسباب لرفض فكرة غيره. ولو خصّصنا نصف الجهد الذي نبذله في عرقلة بعضنا لبناء شيء مشترك، لربّما تغيّرت أحوال كثيرة؛ فالبناء يتطلّب صبرًا وتعاونًا واعترافًا بفضل الآخرين، أمّا الهدم فيمنح صاحبه متعة فوريّة، ويتيح له أن يشعر بالقوّة دون أن يتحمّل مشقّة الإنجاز.

من هنا تبدأ مأساتنا الصغيرة: نخلط بين التقدّم والتغلّب، وبين المنافسة والعداوة، وبين الاختلاف والكراهية. لا يكفينا أن ننجح؛ نريد أن يفشل غيرنا أيضًا.

أخطر أعداء النجاح… الذين يعملون إلى جوارك

والأشدّ إيلامًا أنّ هذه الحروب لا تُفسد العلاقات فحسب؛ إنّها تُهدر الكفاءات، وتُطفئ الحماسة، وتُجهض المبادرات. فكم من موهبة خبا بريقها لأنّ محيطها ضاق بتميّزها؟ وكم من فكرة وأدها أصحاب القرار لأنّهم اهتمّوا باسم صاحبها أكثر من قيمتها؟ وكم من إنسان استنزف نصف طاقته في العمل، ونصفها الآخر في الدفاع عن نفسه أمام من يُفترض أن يتعاونوا معه؟

وهكذا يتعلّم الطموحون أن يكبحوا طموحهم، وأن يُخفوا أفكارهم، وأن يتجنّبوا المبادرة اتّقاءً للغيرة والخصومات.

ومع الوقت، لا نخسر فرص الإنجاز وحدها؛ نفقد الثقة التي يقوم عليها كلّ عمل مشترك، ثمّ نشكو غيابها كأنّنا لم نُسهم في تقويضها. وتبقى المفارقة الأشدّ مرارةً: لماذا يؤلمنا نجاح الآخرين أكثر ممّا يؤلمنا تعثّرنا؟ ولماذا نرى في تقدّمهم انتقاصًا من مكانتنا، فنُنفق في عرقلتهم من الجهد ما يكفي لصناعة نجاحنا؟ فالذي يعرف قدر نفسه لا يحتاج إلى الحطّ من قدر غيره، والذي يملك مشروعًا يستحقّ السعي لا يُهدر عمره في محاربة مشاريع الآخرين.

أمّا من يجعل مراقبة الناس وإحباط مساعيهم شغله الشاغل، فقد ينتصر في خصومة عابرة، لكنّه يخسر معركته الأهمّ: أن يصنع لحياته قيمةً لا تقوم على تعثّر الآخرين.

لماذا لم نصل بعد؟

لعلّ الجواب أبسط ممّا نظنّ، وأقسى ممّا نحبّ أن نعترف به: لقد أتقنّا حفر الطريق أكثر ممّا أتقنّا السير فيه، وأمضى بعضنا عمره يحارب وصول الآخرين، حتى نسي أنّ له وِجهةً ينبغي أن يصل إليها. وحين تنتهي هذه الحروب الصغيرة، لن يسألنا الزمن عن عدد الذين عرقلنا خطواتهم، ولا عن الحفر التي نجحنا في إخفائها، ولا عن الخصومات التي خرجنا منها منتصرين.

سيسألنا عمّا بَنَيْنَاهُ، وعن الأثر الذي تركناه، وعن الفرص التي أحْسَنّا استثمارها، وعن الجسور التي ساعدنا غيرنا على عبورها. عندها قد نكتشف، بعد فوات الأوان، أنّنا لم نكن نحارب الآخرين بقدر ما كنّا نحارب مستقبلنا بأيدينا. فما أشدّ بؤس أمّة يحلم أبناؤها جميعًا بالوصول إلى القمّة، ثمّ يقضي بعضهم عمره في حفر الأرض تحت أقدام الآخرين! وما أشدّ مرارة أن نملك من الذكاء ما يكفي لحفر ألف حفرة، ولا نملك من الحكمة ما يكفي لبناء جسر واحد.

لنتأمّلْ؛ وإلى حديث آخر

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

8
  • متتبع
    الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:33

    لهذه الأسباب و المسببات..عندما اخترع الانترنت..قيل بأن هذه العولمة سلاح ذو حدين..

  • kouka
    الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:33

    نتوهم جميعا اننا ضحايا، بينما الحقيقة أننا نتبادل الأدوار ببراعة لكوننا ذلك الآخر السيء في حياة بعضنا البعض

  • ملاك
    الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:48

    مع الاسف الشديد هذا هو حال مجتمعاتنا
    المقال وصف الحالة بدقة وحللها وفكك رموز الخلل التي يعيشها الفرد ويعاني منها العديد من الأفراد أو الجماعات التي لا شغل ولا مشغلة لديها سوى مراقبة الاخرين ومحاولة الإساءة لاخرين ورد السوء بالسوء وطمر الشر للبعض الاخر فقط لانه ناجح و تجدهم يشتكون من كل شيء ولا يروق لهم اي شيء هؤلاء نجدهم في جميع الاماكن وعبر كل زمان نجانا الله من شرهم
    نصيحة لا تكثرت لهؤلاء الفاشلين الذين اذا رسبوا يلومون الناجحين واذا سقطوا في حفر حفروها باديهم اتهمون الاخرين بدفعهم
    دير طريقك بين عينيك واجتهد حتى ترتقي و تصل الى هدفك اما هؤلاء ستجد هم في السفح وراءك بالاف الكيلوميترات

  • مرية بلقاسمي
    الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:49

    الغريب أستاذ عبد الفتاح أننا نعرف جيدًا كيف نؤذي بعضنا، لكننا لا نعرف كيف نعيش معًا بسلام. فكم من طريق كان يمكن أن يكون سهلًا، لولا أننا أصررنا على ملئه بالحفر
    شكرا هسبريس على هذه الزاوية البديعة

  • حفر لي نحفر ليك
    الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:51

    «حفر لي نحفر ليك»… هكذا أصبح حالنا. نتبادل الحفر كما نتبادل التحيات، ونتفنّن في عرقلة بعضنا، وكأن الطريق لا يتّسع للجميع. لا يهمّ أن نتقدّم، بقدر ما يهمّنا ألّا يتقدّم غيرنا. نراقب خطوات الآخرين أكثر مما ننتبه إلى خطواتنا، ونفرح بتعثّرهم أكثر مما نفرح بنجاحنا. ثم نتساءل لماذا أصبحت الحياة صعبة

  • Nisrine
    الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:55

    الحفرة ليست دائمًا في الطريق، فقد تكون في كلمة جارحة، أو وشاية خبيثة، أو مكيدة تُدبَّر في الخفاء
    شكرا استاذ عبد الفتاح على هذا المقال المليء بالحكم استمعت بقراءته

  • Redouane
    الخميس 29 أكتوبر 2026 - 23:04

    À force de creuser des trous sur le chemin des autres, nous avons fini par transformer nos relations en véritables champs de bataille. Chacun guette le faux pas de l’autre, nourrit ses rancunes et prépare sa petite revanche. Quelle triste manière de vivre ensemble ! Il serait peut-être temps de déposer les armes, d’apaiser les cœurs et de comprendre qu’une main tendue vaut mieux que mille pièges. Après tout, nous avons bien plus à gagner en comblant les fossés qui nous séparent qu’en creusant la tombe de nos relations.

  • اللهم الطف بنا
    الخميس 29 أكتوبر 2026 - 23:11

    للحقد والحسد قدرة عجيبة على تحويل سعادة الآخرين إلى مصدر شقاء. فهناك من لا يحتمل نجاح غيره، ولا راحته، ولا حتى ابتسامته. وبدل أن ينشغل ببناء سعادته، يُهدر وقته وجهده في البحث عن وسيلة لهدم سعادة الآخرين.

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05 2

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء

صوت وصورة
اللغات المغربية في الأدب والإعلام
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 17:30 7

اللغات المغربية في الأدب والإعلام