توطئة:
تعالج هذه الورقة البحثية موضوع القنصليات بالصحراء المغربية من خلال تناولها من منظور مقاربة تنموية وأمنية وجيوسياسية ، وتهدف بالأساس إلى إبراز التوجهات الاستراتيجية الجديدة التي تتبناها المملكة من أجل إيجاد حل نهائي للنزاع المفتعل حول الصحراء؛ فتبنى دبلوماسية القنصليات وإن كانت هي نتيجة طبيعية لتراكم الإنجازات الدبلوماسية التي حققها المغرب في قضية وحدته الترابية على المستوى الخارجي، ونجاح للنموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية الذي أطلقه جلالة الملك منذ عام 2015 على المستوى الداخلي، إلا أنها تندرج ضمن الأهداف والطموحات الجيواستراتيجية للمملكة في إطار محيطها الإقليمي الأطلسي.
تحمل سياسة دبلوماسية القنصليات في عمقها جوانب وأبعاد تنموية ستعود بالنفع على المناطق الجنوبية وشعوب المنطقة وحمولات سياسية وجيواستراتيجية ذات نفس استشرافي وبعد قاري ودولي. وهي تؤشر من ناحية أخرى على استيعاب المملكة للتحولات التي عرفتها القارة الإفريقية والتي جعلتها تحتل مكانة هامة في السياسة الخارجية لعدة قوى دولية واقليمية لا سيما في ظل التحولات التي تعرفها البيئة الدولية المتسمة بالصراعات والأزمات نتيجة تصاعد حدة التوتر بين الأقطاب الفاعلة في المنتظم الدولي.
تستند هذه الورقة البحثية على فرضيتين: الأولى تنطلق من أن توجهات السياسة الخارجية المغربية الراهنة تجاه نزاع الصحراء عرفت مقاربة جديدة تتوخى تثبيت سيادتها على مناطقها الجنوبية من خلال انتهاج دبلوماسية القنصليات في ظل الجمود الذي يعرفه تدبير قضية الصحراء أخذا بعين الاعتبار مصالح القوى الإقليمية والدولية المؤثرة في هذا النزاع. والثانية مفادها أن دبلوماسية القنصليات يتوخى من ورائها، بالإضافة إلى تحقيق مكاسب سياسية ودبلوماسية، تحقيق فوائد اقتصادية من خلال تبني مقاربة تنموية لمنطقة الصحراء وجعلها منصة للتعاون المغربي والأوروبي الإفريقي في أفق إيجاد حل نهائي لهذا النزاع الإقليمي الذي طال أمده.
أولا: خلفيات تبني سياسة دبلوماسية القنصليات بالصحراء المغربية
ما بين إعلان المغرب عن عملية عسكرية خاطفة للسيطرة على معبر الكركرات الحدودي مع موريتانيا، والقرارات المفاجئة لعدد من البلدان العربية والافريقية بفتح قنصليات لها في مدينتي العيون والداخلة بالأقاليم الجنوبية، عاد نزاع الصحراء المغربية إلى واجهة الأحداث مجددا بعد جمود متقطع ساد القضية؛ فبالتوازي مع طرح المغرب مشروعا سياسيا يتمثل في منح الأقاليم الجنوبية حكما ذاتيا تحت السيادة المغربية وانفتاحه الافريقي المتنامي، توالى انفتاح قنصليات العديد من الدول الافريقية والعربية بهذه المناطق إذ لم تكتفي الدبلوماسية المغربية بمواقف سحب الاعترافات بجبهة البوليساريو الانفصالية، بل إن هذه الخطوات المتمثلة بافتتاح القنصليات بالمدن الجنوبية لها دلالات سياسية وقانونية تؤكد حق المغرب التاريخي والمشروع في سيادته على منطقة الصحراء، كما أن هذه الخطوات لها دلالات اقتصادية من خلال فتح آفاق للاستثمارات الأجنبية في هذه المنطقة التي تمثل عمق استراتيجي وبوابة المغرب على إفريقيا في ظل إغلاق الحدود منذ سنة 1994 من الجارة الشرقية.
فبالإضافة إلى المحددات المرتبطة بالسيادة والوحدة الترابية التي لا يمكن مقارنتها بأي دافع آخر للتحركات المغربية الهادفة لتثبيت السيادة على أراضيها الجنوبية، يرتبط التحرك المغربي بدوافع وطموحات اقتصادية وجيواستراتيجية واضحة سعيا لمزيدا من التبادل التجاري مع القارة ولعب دور حلقة الوصل القريبة مع أوروبا؛ فالمغرب الذي لا يفصله سوى 14كيلومترا عن إسبانيا، هو رابع أكثر البلدان تكاملا اقتصاديا في القارة، وفقا لمؤشر التكامل الاقليمي لإفريقيا لعام 2019 الذي نشرته اللجنة الاقتصادية الافريقية التابعة للأمم المتحدة. كما أن المملكة هي أول بلد مستثمر في منطقة غرب إفريقيا، وثاني مستثمر في القارة بشكل عام، بعد جنوب إفريقيا، بحسب إحصاءات حكومية مغربية رسمية.
وتشير الوقائع التاريخية، أن توجهات السياسة الخارجية المغربية تجاه القارة الإفريقية ليست وليدة اليوم وإنما هي نتيجة تراكمية لسنوات طويلة مستندة على معطيات جغرافية وتاريخية ودينية وثقافية وسياسية واقتصادية وأمنية، وذلك في إطار تدعيم عودة المملكة إلى حضنها الطبيعي بعد سنوات من القطيعة والعزلة. في هذا الإطار نتساءل عن الدول المستقبلي الذي يمكن أن تلعبه القنصليات الأجنبية التي تم افتتاحها بالصحراء المغربية في تثمين العلاقات الاقتصادية بين المغرب والدول الإفريقية وخاصة دول الغرب الإفريقي، وذلك على اعتبار أن المهام الأساسية لهذه القنصليات هي مهام اقتصادية بالدرجة الأولى، ولكن المغرب يستهدف من وراء إحداثها أهداف سياسية ودبلوماسية تتمثل في دعم الدول التي افتتحت قنصلياتها بمنطقة الصحراء مبادرة الحكم الذاتي والطي النهائي لنزاع الصحراء.
هناك في الحقيقية عدة خلفيات تقف وراء تبني المغرب لدبلوماسية القنصليات يمكن إجمالها بتركيز فيما يلي:
– خلفية قانونية: إن فتح قنصلية في دولة ما هو بمثابة إقرار بسيادتها على الاقليم، بحسب القانون الدولي، خاصة اتفاقية جنيف لعام 1963 ، علما أن سيادة المغرب قانونيا أو إداريا على الصحراء لا تقبل الجدل، ووجود هذه القنصليات هو فقط تأكيد لهذه السيادة التاريخية والثقافية والدينية والحضارية.
– خلفية سياسية: يجسد افتتاح القنصليات على المستوى السياسي دعما للوحدة الترابية للمملكة، واعترافها الواضح والصريح بمغربية الصحراء، وتعبيرا عن الثقة في الأمن والاستقرار الذي تنعم به الاقاليم الجنوبية، وهو ما يفسر أن غالبية هذه الدول التي افتتحت القنصليات قد سبق لها وأن أيدت مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب منذ سنة 2007 وباقي الدول الأخرى جاء اعترافها بمغربية الصحراء بتزامن مع افتاح قنصليات لها بهذه المنطقة. وهي كذلك بمثابة خطوة ذكية من المغرب لتحريك الملف من الجمود بعدما رفضت جبهة الانفصالية وصنيعتها الجزائر مبادرة الحكم الذاتي، والانخراط بشكل إيجابي في مسلسل الموائد المستديرة الذي تبنته الأمم المتحدة منذ سنة 2018 كإطار للتفاوض وإيجاد حل سياسي متوافق عليه بين الأطراف المتنازعة.
– خلفية اقتصادية: فبالإضافة إلى المحددات المرتبطة بالسيادة والوحدة الترابية، يرتبط التحرك المغربي بدوافع وطموحات اقتصادية واضحة انطلاقا من كون أن من المهام المنوطة بالقنصليات بحسب القانون الدولي وخاصة اتفاقية فيينا القنصلية “تطوير العلاقات الادارية والاقتصادية والتعاون المتعدد الأطراف مع الدول المعنية”، وبالتالي تتمثل الخلفية الاقتصادية في جعل منطقة الصحراء المغربية قطب اقتصادي ومنصة واعدة للاستثمار، من خلال البرامج المهيكلة حتى تشكل حلقة وصل بين المغرب وعمقه الإفريقي من جهة، وبين الفضاء الأوروبي والافريقي من جهة ثانية.
يمكن التأكيد على أن استراتيجية العمل الدبلوماسي المغرب تجاه بلدان الغرب الإفريقي هي رؤية شاملة ومتكاملة إذ جعلت المملكة المغربية من التعاون مع القارة الإفريقية خيارا استراتيجيا وضعت على رأس أولوياتها تعزيز وتطوير العلاقات في المجال الاقتصادي مع بلدان القارة في إطار تكامل اقليمي حيوي وشراكة جنوب- جنوب فعالة وتضامنية. هذا الخيار لا يروم فقط الحفاظ على الروابط التاريخية المتجذرة مع دول إفريقيا أو ضمان توازن أفضل في علاقاتها مع الاقتصاديات الصناعية الصاعدة، بقدر ما يهدف إلى جعل التنمية بإفريقيا التي تعاني الخصاص رغم وفرة الموارد الطبيعية عملا تشاركيا وجهدا جماعيا.
تنطلق الاستراتيجية المغربية في إفريقيا من المحددات الأساسية للسياسة الخارجية المغربية، والتي تتمثل أساسا في الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة، وفي تعزيز الشراكة الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، وفي الدفاع عن القضايا العادلة الإنسانية. وتتأسس على عدة مقومات في طليعتها الاحترام المتبادل للسيادة وسلامة الأراضي(عدم دعم المغرب لأية حركة انفصالية في عموم إفريقيا)؛عدم الاعتداء على الغير؛ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول؛ المساواة والمنافع المتبادلة والدفاع عن المصالح المشتركة والخاصة بالدول الإفريقية أمميا وأمام القوى الكبرى.
– خلفية أمنية وجيواستراتيجية: بالنظر لما تشكله الأقاليم الجنوبية من عمق استراتيجي تجاه القارة الإفريقية من جهة التحديات الأمنية التي تعرفها منطقة الساحل والصحراء من جهة أخرى، حيث تتواجد العديد من التنظيمات الإرهابية والجريمة العابرة للحدود والاتجار بالمخدات مما يجعل هذه المنطقة بؤرة للإرهاب وأعمال العنف وهو ما يهدد استقرار وسيادة دول الساحل وهو ما يشكل تهديدا بالنسبة للأمن القومي المغربي.
ولا شك أن افتتاح القنصليات بالصحراء المغربية تحمل العديد من الرسائل تجاه المنتظم الدولي والدول الفاعلة فيه، مفادها أن المغرب له مبادرة في جعل منطقة الصحراء المغربية قطب اقتصادي ومنصة واعدة للاستثمار حتى تشكل حلقة وصل ليس فقط بين المغرب وعمقه الإفريقي وإنما أيضا بين الفضاء الأوروبي والافريقي، مما يساهم في تنمية دول الجوار الجغرافي، ونعني بها دول الساحل والصحراء وينعكس بشكل إيجابي على الأمن والسلم الدولي بهذه البلدان وبالمنطقة الإفريقية الأطلسية.
في ظل المتغيرات الجيواستراتيجية وخريطة التحالفات الدولية اعتمد المغرب استراتيجية جديدة لتدبير ملف الصحراء قوامها الدبلوماسية الاقتصادية في إطار نظرة استباقية للمتغيرات الجيواستراتيجية التي تعرفها البيئة الدولية والإقليمية، من خلال ربط مبادرة الحكم الذاتي بسياق دولي ينادي بمشروع إقليمي يكفل الأمن والاستقرار في المنطقة ويحفظ مصالح الدول الكبرى في الصحراء خاصة وفي الفضاء الإفريقي عامة والساحلي والأطلسي خاصة.
ثانيا: الرهانات الجيوسياسية لنزاع الصحراء في ظل سياسة دبلوماسية القنصليات
في إطار سعيها لحلحلة لنزاع الصحراء والبحث عن صيغ وبدائل أخرى لتحصين المكتسبات السياسية والدبلوماسية، وإن كانت هذه الصيغ لا تخرج بطبيعة الحال عن خط السيادة والوحدة الترابية التي رسمت ملامحه في مراحل الصراع كافة، انتهجت بلادنا سياسة دبلوماسية القنصليات لتقوية المكتسبات السياسية المكتسبة . لكن التساؤل يبقى مطروحا حول الجدوى والفائدة من وراء تبني هذه السياسة وعن الرهانات والتحديات التي سيعرفها تدبير ملف الصحراء في ظل المتغيرات الجيوسياسية التي يشهدها العالم وخاصة الفضاء الإفريقي الذي يشهد حاليا موجة من الانقلابات العسكرية في مجموعة من الدول ظلت تعد حليفا سياسيا ومساندا قويا للطرح المغربي بخصوص ملف الصحراء ؟
1- دبلوماسية القنصليات ورهانات دعم مبادرة الحكم الذاتي لإنهاء ملف الصحراء
في ظل التغيرات الجيوإستراتيجية وخريطة التحالفات الدولية، اعتمد المغرب إستراتيجية جديدة قوامها الدبلوماسية الاقتصادية والسياسية وربط مبادرة الحكم الذاتي بسياق دولي ينادي بمشروع يكفل الأمن والاستقرار في المنطقة ويحفظ مصالح الدول الكبرى في إفريقيا، وهو أمر استدركه المملكة مؤخرا؛ فمن خلال تجربته في إدارة الصراع تنبه المغرب إلى أن الأزمة استحضرت السياق الإقليمي على امتداد فترات طويلة منذ ولاية بان كي مون إلى غوتيريس، لذلك فإن ربط الجغرافيا الاقتصادية بقضية الصحراء والاستقرار في منطقة الساحل قد يكون الورقة التي تُكسب المملكة أشواطًا من المعركة.
تزامن هذا التوجه مع انضمام الرباط إلى الاتحاد الإفريقي، في 18 يوليو 2016؛ حيث وجَّه الملك محمد السادس رسالة إلى القمة السابعة والعشرين للاتحاد الإفريقي التي انعقدت في العاصمة الرواندية، كيغالي، أعلن فيها عزم المغرب على العودة إلى كنف المؤسسة الإفريقية التي انسحب منها (منظمة الوحدة الإفريقية سابقا)، في 12 نوفمبر 1984 في أديس أبابا. وقد عزز المغرب تحركه ذلك بما يسميه الخبراء المختصين في قضية الصحراء بسياسة التطويق والعزل الدبلوماسي لجبهة البوليساريو سواء داخل القارة الإفريقية أو خارجها عبر سحب الاعتراف بالجمهورية الوهمية التي أعلنت قيامها عام 1976.
لكن ولكي يضمن المغرب نجاح هذه السياسة وجلب مزيد من التأييد لهذا الطر، لا بد من العمل على مستويات ومداخل عدة من أجل تحقيق مزيدا من المكتسبات السياسية والدبلوماسية و تأييد واسع لهذا الطرح ليس في القارة الإفريقية فحسب وإنما على مستوى الخريطة العالمية، في أفق الحسم النهائي لهذا النزاع، ويمكن في هذا الإطار طرح المداخل التالية:
– المدخل الاقتصادي التنموي
في الواقع أن ما يشهده ملف الصحراء المغربية من تحولات اليوم يقتضي تبني استراتيجية جديدة لتدبير الملف، وهذا ما تنبه له المغرب من خلال نهجه لدبلوماسية تنموية مع الدول الإفريقية المؤثرة والقوى الإقليمية والدولية التي لها أطماع في الثروات والموارد النفيسة بالقارة السمراء. يعتبر العامل الاقتصادي إحدى الدعامات التي تقوم عليها العلاقات الدبلوماسية ويراهن المغرب على أن تكون المناطق الجنوبية نقطة عبور للاستثمارات الأوروبية والأمريكية والصينية والخليجية خاصة أنه يرتبط بعدة اتفاقيات للتبادل الحر، مما يجعله لكافة شركائه التجاريين ومستثمريه منفذا لسوق من مليار مستهلك، ويمثل ناتجها الداخلي الخام 60% من الناتج العالمي.
ورغم أن المغرب يرتبط بالدول الإفريقية، وخاصة الغربية منها بأزيد من 500 اتفاقية إلا أن العلاقات الاقتصادية مع إفريقيا جنوب الصحراء لازالت دون المستوى المطلوب، فإفريقيا تعتبر رابع حليف تجاري إقليمي للمغرب فقط؛ بما نسبته 5%,6 فقط من حجم التجارة الخارجية العامة للمغرب، في حين تبقى أوروبا الحليف التجاري الأول بأكثر من 62% من مجموع التبادلات، ثم آسيا ب 19%، ثم أمريكا ب 12%. دون أن ننكر التحسن المهم الذي عرفته خلال العقد الأخير حيث انتقل حجم المبادلات بين المغرب وإفريقيا من 10 إلى17 مليار درهم خلال الفترة ما بين 2004 و2014، ووصلت الصادرات المغربية نحو إفريقيا جنوب الصحراء 7,11 مليار درهم سنة 2013 مقابل 2 ,2 مليار درهم سنة 2003 (إحصائيات تعود لسنة2016). كما يعتبر المغرب ثاني أكبر مستثمر إفريقي في القارة في قطاعات البنوك و البناء والأشغال العمومية وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات وقطاعات أخرى مثل الفوسفات، وتطمح المملكة إلى أن تكون الأولى.
لتحقيق مزيدا من التموقع الاقتصادي بالقارة السمراء، ينتهج المغرب حاليا “دبلوماسية التنمية الخضراء”، التي ترتكز على ملفات حيوية بالنسبة لدول القارة الإفريقية( الاقتصاد الأزرق، والتنمية النظيفة، والبيئة والطاقة)، من خلال عقد شراكات متوسطة وطويلة الأمد في المجال الفلاحي مما يخدم الأهداف الآنية والمتوسطة للمملكة وتعزيز سيادتها على كافة ترابها. وستمكن هذه الدبلوماسية المملكة من اكتساب الدعم الإقليمي والدولي للطرح المغربي من خلال محاولة التحكم بالأمن الغذائي لدول القارة الإفريقية والدول الكبرى المؤثرة في الملف عبر الضغط بورقة الفوسفاط.
كما تحاول المملكة خلق فضاء اقتصادي وجيوسياسي جديد يتثمل في “الفضاء الأطلسي الإفريقي” يضمن لها الريادة القارية ويحفظ مصالها الاستراتيجية من التقلبات والتحولات الدولية. لتحقيق هذا التوجه بادرت المملكة إلى استضافت فعاليات المؤتمر الوزاري الأول للدول الأفريقية الأطلسية ويهدف هذا الاجتماع الأول من نوعه إلى بلورة رؤية أفريقية مشتركة حول هذا الفضاء الحيوي، والنهوض بهوية أطلسية أفريقية والدفاع بصوت واحد عن المصالح الاستراتيجية للقارة الأفريقية، وتهدف هذه المبادرة المغربية بشكل رئيسي إلى تحقيق الاستفادة المثلى من القيمة الاستراتيجية للمحيط الأطلسي وتوحيد جهود الدول المحاذية للساحل الأطلسي كافة حول مبادئ مشتركة ومصالح متوافقة فيما بينها، ومناقشة القضايا ذات الاهتمام المشترك بين الدول المشاركة في هذا الاجتماع، وذلك من خلال ثلاثة محاور رئيسية، وهي كالتالي:
تعزيز الحو ار السياسي والأمني: مثل الاجتماع مبادرة مهمة لإطلاق المشاورات السياسية بين دول القارة الأفريقية بما يهدف لتعزيز العلاقات السياسية بين هذه الدول. وفي الوقت نفسه توظيف التقارب السياسي من أجل الحفاظ على المصالح المشتركة للدول الأفريقية. ولذلك جاءت دعوة الملك محمد السادس للدول الأفريقية الأطلسية بهدف إعادة تفعيل الإطار الجيواستراتيجي للتشاور السياسي بين المغرب وهذه الدول، بما يؤدي في نهاية الأمر إلى تحقيق الاستقرار والسلم داخل هذه الدول في مواجهة المخاطر والتهديدات الأمنية المترتبة على تصاعد أنشطة التنظيمات الإرهابية في بعض الدول الأفريقية. ويسعى المغرب بذلك إلى تحقيق بعض المصالح الأوروبية، والتي تسعى لتحقيق الاستقرار في منطقة الساحل الأفريقي وصولاً إلى خليج غينيا، وهو ما يتداخل مع الدول الموجودة في أفريقيا الأطلسية.
الاقتصاد الأزرق: تسعى المملكة المغربية للاعتماد على الاقتصاد الأزرق باعتباره أحد الركائز الأساسية لتحقيق التنمية الشاملة في البلاد، وذلك بالنظر للإمكانيات والمؤهلات المهمة التي تتوفر عليها الرباط في هذا المجال. وقد حصل المغرب على قرض من البنك الدولي في مطلع يونيو الجاري بقيمة 350 مليون دولار، وذلك من أجل دعم إطلاق الخطط الخاصة بهذا القطاع داخل البلاد خلال الفترة القادمة. ويسعى المغرب لتعزيز التعاون مع الدول الأفريقية الأطلسية عبر استغلال إمكانياتها البحرية، حيث تتمتع بسواحل تمتد إلى 3500 كم، وثروات سمكية هائلة.
البيئة والطاقة: ناقش الاجتماع الوزاري الأول لأفريقيا الأطلسية مسألة التعاون المشترك بين الدول المشاركة في قطاعي البيئة والطاقة. وفي هذا الإطار فقد استطاع المغرب أن يجد لنفسه مكانة متقدمة في مجال الطاقة المتجددة وذلك عبر استغلال موارده الطبيعية لتوليد الطاقة الشمسية التي تمثل خُمس ما تحتاجه البلاد من طاقة توليد الكهرباء. ويقدم المغرب نفسه كنموذج يعتمد على الطاقة المتجددة كبديل للوقود الأحفوري.
من الواضح جدا، أن المملكة تسعى جاهدة من وراء هذا النهج الدبلوماسي والجيوسياسي من خلال التحرك في الفضاء الأطلسي الإفريقي، إلى إقرار سيادتها على الصحراء من خلال تعزيز التحالفات مع دول المنطقة وكسب الدعم الدولي لتعزيز طرح المغرب بخصوص الحكم الذاتي وخلق واقع قانوني وجيوسياسي دولي جديد يؤمِّن سيادة المغرب على الصحراء.
– مدخل الدبلوماسية الموازية
من خلال تقوية الجبهة الداخلية وتعزيز الدبلوماسية الموازية إذ أصبح يتم توزيع الملفات الدبلوماسية على مجموعة من الفاعلين الجدد الذين أضحوا يساهمون في هذا المجال ( المؤسسة البرلمانية؛ الأحزاب السياسية ، الجماعات الترابية؛ المنظمات غير الحكومية والشركات والمقاولات العمومية)، وأصبح دورهم يتعاظم أكثر فأكثر على الساحة الدولية، وهذا ما أصبح المغرب ينتبه اليه في السنوات الأخيرة.
وتجد الدبلوماسية الموازية راهنيتها في طبيعة العلاقات الدولية وتعقد المصالح والقضايا الدولية وتساهم فعاليات المجتمع المدني في الدول الديمقراطية بشكل كبير في عملية وضع السياسة الخارجية وتدبير الشأن الدبلوماسي إما بشكل مباشر من خلال المشاركة في الحكومة عبر آلية التناوب، وإما بشكل غير مباشر من خلال ممارسة معارضة جادة وفعالة وقائمة على رؤية سياسية واضحة وبرامج واقعية، وعبر ما بات يعرف بالدبلوماسية الموازية. لذلك أصبح دور الدبلوماسية الموازية في الدفاع عن قضية الصحراء يدخل ضمن استراتيجية الدولة باعتبارها قضية حيوية تؤثر بشكل عميق على مسار السياسة الخارجية للمملكة، مما يتطلب انخراط جميع المكونات الأساسية للمجتمع لمواجهة خصوم الوحدة الترابية.
– المدخل الأمني و الجيواستراتيجي
من خلال خلق تكتل إقليمي ودولي داعم لمغربية الصحراء عبر عقد شراكات اقتصادية مبنية على مبدأ رابح/ رابح مع القوى الإقليمية والدولية الفاعلة في القرار الدولي. وقد حدد الخطاب الملكي للذكرى 48 للمسيرة الخضراء ل6 نونبر 2023 المحددات والتوجهات والأهداف العامة التي تقف وراء مبادرة المغرب لخلق تكتل الفضاء الإقليمي الإفريقي الأطلسي، بل أن الخطاب الملكي السامي هو بمثابة خارطة طريق لتفعيل هذا التكتل تنبني على تصور اقتصادي وأمني وسياسي واجتماعي وثقافي متكامل الأركان، وهو توجه يبرز أن المغرب باعتباره قوة إقليمية صاعدة بدأ يتحرك في مناطق نفوذه باعتبارها تشكل امتدادا لأمن القومي، متحررا من قيود وصاية الدول الفاعلة في المنتظم الدولي والتي ظلت ترسم مجالات تحرك الدول الضعيفة والصغيرة إن لم نقل فرض وصايتها الاقتصادية والسياسية والأمنية عليها. لكن التحديات الأمنية تشكل التحدي الأكبر الذي يواجه طموحات المملكة في هذا الفضاء الإقليمي الساحلي الأطلسي قيد التشكل.
– المدخل الديني والثقافي والعلمي
فالمغرب وفق ما يقتضيه الوضع العام، عمل على تغيير تكتيكه من خلال عدم الاكتفاء في مقاربته للملف على المقاربة السياسية والدبلوماسية بل دعمها بمقاربات أخرى اقتصادية وثقافية (فعاليات كرانس مونتانا في الداخلة) ودينية، ويظهر ذلك في تحريك الدبلوماسية الثقافية العلمية الرسمية وتفعيل دور المؤسسات غير الحكومية للترويج لمشروع الحكم الذاتي، أو باختراق القوى الناعمة المؤثرة في الملف كالمنظمات الحقوقية الدولية من أجل فتح آفاق جديدة للحوار والترويج لمشروعه. إضافة إلى الدور الهام المؤسسات الجامعية والمعاهد والمراكز البحثية للتعريف بمختلف جوانب القضية الوطنية الأولى والترافع حولها في مختلف المنتديات العلمية.
لكن وبالرغم من كل هذه الصيغ والبدائل التي شرع المغرب في تبنيها لحلحلة الملف وكسب مزيدا من المكتسبات السياسية، يواجه نزاع الصحراء المفتعل من لدن خصوم الوحدة الترابية للمملكة العديد من التحديات والصعوبات الحالية والمستقبلية نذكر من أهمها:
2: التحديات الجيوسياسية التي تواجه تدبير ملف الصحراء
يواجه تدبير ملف الصحراء المغربية في ظل المتغيرات الدولية والإقليمية العديد من الصعوبات يمكن إجمالها في التحديات التالية:
– التحدي الأول: يتعلق بجدوى وأهمية هذه المداخل والتي تسعى من ورائها بلادنا، خلق وصيغ وبدائل لتدبير ملف الصحراء من خلال تعزيز التحالفات مع دول المنطقة وكسب الدعم الدولي، فضلًا عن تعزيز طرح المغرب بخصوص الحكم مبادرة الذاتي، إلى جانب تأكيد سيادته على صحرائه؟
– التحدي الثاني: يتمثل في خلق واقع سياسي وقانوني دولي جديد يؤمِّن سيادة المغرب على الصحراء لا سيما وأن هذا النزاع قد يطول في ظل تعنت الطرف الآخر واستعمال ورقة النفط والغاز للابتزاز السياسي ودفع الرشاوى لسحب الاعترافات بالجبهة الانفصالية، لا سيما بعد وصول اليسار واليمين المتطرف لسدة الحكم في العديد من دول أمريكا اللاتينية والدول الأوروبية وفي ظل موجة الانقلابات التي تعرفها مجموعة من الدول الإفريقية الداعمة لمغربية الصحراء، وانتهاج فرنسا الشريك التقليدي للمغرب لمناورات ودسائس مع دول الجوار الجغرافي لفرملة النجاحات الدبلوماسية؟
– التحدي الثالث: يطرح معه التساؤل حول الجدوى من سياسة تدشين القنصليات في الصحراء في ظل تعنت الجزائر الطرف الرئيسي في هذا النزاع والسياق الجيو اقتصادي الجديد الذي يخلق تحالفات سياسية واستراتيجية جديدة؟ وقد تزيد هذه التحديات تعقيدا في ظل في العلاقة غير المستقرة والمتوترة أحيانا مع دول الجوار الجغرافي وخاصة تونس وموريتانيا وهو و هو ما يفرض تعبئة مزيدا من الجهد السياسي والتحلي باليقظة الدبلوماسية خاصة وأن هذه الدول أصبحت تدخل في فلك المربع الجزائري . وهو ما يتطلب إعادة النظر في العلاقات مع هذه الدول من جهة، وعقد تحالفات مع دول مؤثرة عسكريا واقتصاديا في هذه الدول وفي مقدمتها مصر وتركيا ودول الخليج العربية. كما يتطلب الأمر كذلك إعادة رسم الأولويات الجديدة ووضع أجندة لتعزيز التعاون والتقارب مع البلدان المغاربية ومواجهة التحركات الجزائرية الجديدة خاصة تحالفها مع إيران الذي أعلنت بشكل صريح دعمها للجبهة الانفصالية.
– التحدي الرابع: يتمثل في مدى إمكانية بلادنا وقدرتها على التوفيق بين مختلف مصالح القوى الفاعلة في المنتظم الدولي والمؤثرة في تدبير الملف، لا سيما في ظل بيئة دولية وإقليمية مضطربة بفعل الصراع الروسي الاوكراني، وما نتج عنه من تحالفات وتكتلات جديدة، ومجال للحركة والمناورة للطرف الآخر في النزاع من خلال الضغط والمساومة بالورقة الطاقية؟
– التحدي الخامس: مرتبط بالتحديات الأمنية المحدقة بالمنطقة والتي تشكل التحدي الأكبر الذي يواجه طموحات المملكة الإقليمية، وإن كان المغرب يتوفر على أجهزة أمنية ومخابراتية مشهود لها دوليا بالحنكة والقدرة على فهم منطق الانتشار الجغرافي للتهديدات الأمنية بمختلف أشكالها وصيغها” المحور الجغرافي للتهديدات” وفهم مسارات تطورها وانتشارها في الفضاء الساحلي عموما، سيما في ظل ميوعة الحدود التي تسهل من انتشار التهديدات وانتقالها بين الوحدات السياسية المختلفة، ومنه انتشار نطاق المناطق الرمادية، لكن تورط النظام العسكري الجزائري في دعمه للحركات الارهابية والانفصالية وبتعاون مع النظام الخامنائي الإيراني يمكن أن يقوض فرص التنمية بالفضاء الإفريقي الأطلسي ويهدد يشكل الأمن والاستقرار بالمنطقة.
خاتمة:
تتوخى المملكة من سياسة دبلوماسية القنصليات تهييئ الأرضية لتعزيز موقفها وتثبيت سيادتها على الصحراء المغربية، بالارتكاز على مبادئ اتفاقية جينيف لعام 1963 التي تؤكد أن فتح قنصلية في دولة ما هو إقرار بسيادتها على الإقليم، بحسب القانون الدولي . كما ترغب المملكة من سياسة فتح القنصليات بالصحراء بجعل هذه المنطقة منصة للتعاون المغربي الإفريقي، بل للتعاون الأورومتوسطي – الإفريقي من خلال جلب الاستثمارات المالية لاستغلال المؤهلات الاقتصادية التي تتميز بها أقاليمنا الجنوبية حيث تضم ثروات سمكية وفوسفاتية إضافة إلى معادن مهمة جنوب السمارة والفحم الحجري والنحاس واليورانيوم، فضلًا عن احتمال اكتشاف ثروات بترولية وغازية مهمة بالمنطقة. كما لا يخفى ما تمثله الأقاليم الجنوبية الصحراوية من موقع جغرافي متميز يصل المغرب بعمقه الإفريقي .
وتهدف الاستراتيجية الجديدة للمغرب إلى توسيع مجال انخراطه في المحيط العربي والإفريقي والدولي عبر دبلوماسية معتدلة تراعي من جهة علاقته بالقوى المهيمنة على النظام الدولي من أجل استثمار هذه الروابط لدعم مصالح الحيوية، وعلاقاته مع دول الجوار من خلال إعادة رسم الأولويات الجديدة ووضع أجندة لتعزيز التعاون والتقارب مع هذه البلدان.
وتبقى التحديات الأمنية والإرهابية والانفصالية تشكل التهديد الأكبر لطموحات المملكة الإقليمية، وبالتالي يتطلب الأمر دراسة وفهم تعقيدات الوضع الراهن الذي يميز منطقة الغرب المتوسط وكذا منطقة الساحل الإفريقي لا سيما ما يتعلق بالديناميكيات الجيوسياسية والتحديات الأمنية التي تطبع هذه المنطقة والذي يتطلب دراسة العلاقة القائمة بين هذا الفضاء الجغرافي والتهديدات الأمنية المنتشرة فيه على اختلاف طبيعتها ومصادرها والكشف عن الجهة المتسترة التي تقف وراءها.
إن فهم التحولات الجيوسياسية التي تميز غرب المتوسط ومنطقة الساحل والصحراء الكبرى لا يمكن أن يتحقق من دون تحليل مختلف الاستراتيجيات الموظفة من قبل القوى الفاعلة والمؤثرة و المفضية إلى ميلاد ديناميكيات جيوسياسية بهذه المنطقة؛ فهناك وجود ترابط وثيق بين الأطماع الاقتصادية والمصالح الجيوسياسية وغالبا ما توظف هذه القوى التحديات الأمنية كذريعة للتحولات الجيوسياسية وتغيير خارطة النفوذ والسيطرة على منطقة الساحل والفضاء الإفريقي الأطلسي،
وهو ما تستدعي توظيف مقاربة جيوتاريخية- أمنية وجيوسياسية، بهدف فهم أوسع وأشمل لتعقيدات البيئة الجيويساسية والأمنية في الساحل الإفريقي والغرب المتوسطي، من خلال تفسير استراتيجيات التوسع الجيوسياسي للقوى الدولية والاقليمية الفاعلة وكذا تحليل أطماع القوى الجيوسياسية والجيواقتصادية في منطقة شمال إفريقيا والساحل. وكل ذلك لها ارتباط وانعكاس مباشر وغير مباشر على مدى نجاح دبلوماسية القنصليات بالصحراء المغربية وكذا طموحات المملكة الاقتصادية والسياسية والجيواستراتيجية بهذا الفضاء الجيوسياسي الجديد. وهو ما يشكل إن شاء الله موضوع أوراق بحثية لدينا في الفترات القادمة.
رئيس مركز إشعاع للدراسات الجيوسياسية والاستراتيجية
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.