درس الكسكس

درس الكسكس
أرشيف
الخميس 24 دجنبر 2020 - 14:38

في ذلك الأربعاء، السادس عشر من شهر دجنبر من سنة كورونا الاستثنائية، قررت منظمة اليونسكو الأممية إدراج طبق الكسكس المغاربي الشهير ضمن قائمة التراث الثقافي العالمي غير المادي. ومن مفارقات التاريخ، ومن غرائبه وصدفه أيضا، أن يتم إنصاف طبق قائم بالأساس على قيم التقارب والتقاسم والتجمع في زمن موسوم بإكراهات التباعد الاجتماعي والانعزال والابتعاد عن الآخر.

ما يهمنا أكثر هنا هو كيف تم هذا التتويج. فلأول مرة، وبشكل استثنائي ونادر الوقوع، حملت أربع دول اللواء وترافعت بشكل جماعي من أجل غاية مشتركة. تعلق الأمر هنا بالاعتراف بالكسكس جزءا من التراث اللامادي للبشرية بعد أن تقاسمته مجتمعات الدول الأربعة كموروث تاريخي وطقس اجتماعي لقرون، وبعد أن صار جزءا من تعريفها وهوية مجتمعاتها ومواطنيها. اعتدنا أن نسمع بتقدم البلدان بملفات مشتركة لاحتضان مسابقات رياضية عالمية، لكننا لم نعتد تحالفها من أجل الثقافة. هذا بالضبط ما فعلته دول المغرب والجزائر وتونس وموريتانيا، تلك الدول المغاربية، التي يوحدها التاريخ كما توحدها الجغرافيا، ولكن تفرقها السياسة.

وبغض النظر عن هذا الانتصار الثقافي، فقد نجح طبق الكسكس في تحقيق ما عجز عن تحقيقه أولائك الذين يحضرونه، كل على طريقته، بالسمك أو باللحم، بالشعير أو بالقمح. لقد تناست كل دولة من الدول الأربعة ذلك السؤال الوجودي والذي لا تنازل عنه حول شرعية أبوتها للطبق العجيب، وطوت هذا الخلاف العقيم في سبيل اعتراف عالمي بتميز موروث ثقافي. ولو لا هذه الأريحية وهذا التعقل، لظل الطبق حبيس القصعات التقليدية التي تؤثث نهارات الجمعة والمناسبات العائلية هنا أو هناك. طبق الكسكس بهذا المعنى صار حاملا لرغبة جماعية في الفعل الجماعي، وتعبيرا عن كينونة شمال-إفريقية تأجل حلم تحقيقها بل ويكاد أن يتم وأد الأمل القريب في ذلك.

كان الفيلسوف الفرنسي شارل فورييه، حسب كاتب سيرته، يحلم بيوم تستبدل فيه حروب الحضارة بمسابقات مطولة في فن الطهي والتذوق. وإذا كانت هذه الخيالات غالبا ما يتم تسخيفها وحتى الاستهزاء بها، فإننا نستدعيها اليوم ونستلهمها لنتعلم منها أن البناء الجماعي ينطلق من الاستثمار في الحلم المشترك. لقد توقف المشروع المغاربي وعطل آمال شعوب بأكملها، بملايين مواطنيها ومواطناتها، في غد جماعي أفضل، لا لشيء إلا لأن السياسة قررت أن تخوض في مجالات الخلاف، المصطنعة في غالبها أو الموروثة عن حقب انقضت أو كان يجب أن تنقضي، عوض أن تبحث عن المشترك وتؤسس عليه وتبدع من خلاله مشروعا جماعيا للمستقبل.

هذا بالضبط هو الدرس الذي تعلمناه اليوم، أو على الأقل ذلك الذي يجب أن نتعلمه، مجانا من قصعة الكسكس، والتي تحولت إلى نموذج لما ينبغي أن تكون عليه السياسات المغاربية. علمنا طبق الكسكس أن لنا موروثا مشتركا وأن قدرنا مشترك، فلم لا يصير لنا مستقبل مشترك؟ على أي، وفي انتظار أن تنضج القصعة السياسية، شهيتكم طيبة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • محمد بولحية
    الجمعة 25 دجنبر 2020 - 12:09

    شكرا الدكتور السي عبد الرحمان حداد على هذه المقاربة الثقافية لوحدة التاريخ والجغرافية.
    أكيد إن الاستعمار البغيض سعى بكل قواه للتفرقة ليسود. أكثر من ذلك، اقتطع أجزاءا كبيرة من المغرب الأقصى وأضافها لجغرافية الشقيقة الجزائر ، ظانا منه انها ستصبح فرنسية بالتقادم…..
    للأسف قبل أن يرحل، ترك ورثته في كل دول المغرب العربي. وهم الآن رواد السياسة في الخشبة….

  • التداوي بالكسكس
    السبت 26 دجنبر 2020 - 00:41

    كنا مجموعة من المتقاعدين تربطنا علاقة الصداقة تعود لايام الطفولة وكنا نتداول موضوع كورونا لأنه موضوع الساعة . فقال احدنا مازحا لكنه جاد ، بان زوجته سمعت من إحدى السيدات أن الكسكس المحضر بالكرداس يقوي المناعة ويساعد على علاج كورونا .

  • بورابورا
    الأحد 27 دجنبر 2020 - 15:07

    يا سيدي، كفانا من المجاملات والكلام العاطفي.
    نحن المغاربة لدينا تاريخ وهوية عكس جارة السوء التي صنعتها فرنسا بمرسوم يوم 14 أكتوبر 1839. قبل هذا التاريخ لم تكن هناك دولة إسمها الجزائر. عندما قدم المستعمر الفرنسي وجد عبارة عن خليط غير متجانس من عثمانيين وإسبانيين وإيطاليين وعرب وأمازيغ. الجزائريون يحسون بمركب النقص ولهذا يسرقون التاريخ المغربي وجعلوا إبن بطوطة جزائري والقفطان جزائري وأن الجزائر هي أول من إعترف بإستقلال أمريكا……. كل هذا موجود على اليوتوب ويكفي البحث لتجد الكم الهائل من محاولة الجزائر سرقة التاريخ المغربي.
    خلاصة: على المغاربة أن ينسوا الجزائريين لأنهم غدارة وناكري الجميل.

صوت وصورة
هلال يفكك تناقضات السفير الجزائري
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 22:30 10

هلال يفكك تناقضات السفير الجزائري

صوت وصورة
مباشر.. ميطا 3 | أزمة التحكيم
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 21:41

مباشر.. ميطا 3 | أزمة التحكيم

صوت وصورة
فيتو روسي ضد مشروع قرار حول الصحراء
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 20:22 29

فيتو روسي ضد مشروع قرار حول الصحراء

صوت وصورة
ملتقى أولماس
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 19:04

ملتقى أولماس

صوت وصورة
أرفود .. موسم فلاحي واعد للتمور
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 18:44

أرفود .. موسم فلاحي واعد للتمور

صوت وصورة
تكرار إغلاق "دونور" يغضب الجماهير
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 13:00 3

تكرار إغلاق "دونور" يغضب الجماهير