لم يكن اختيار عادل البيطار لتقديم البرنامج الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة مجرد تفصيل في هندسة حفل إطلاق البرنامج. ففي مناسبة بهذا الحجم، يكون اختيار من يتولى تقديم البرنامج أمام قيادة الحزب والإعلام والرأي العام قرارا له دلالته، لأن الواجهة لا تنقل مضمون الوثيقة فقط، وإنما تقدم أيضا صورة عن الوجوه التي يراهن عليها الحزب في الحاضر، وربما في المستقبل.
من هذه الزاوية، كان اسم عادل البيطار لافتا. فالرجل ينتمي إلى جيل من الوجوه التي راكمت حضورا سياسيا وميدانيا، دون أن تكون بالضرورة من الأسماء التي استهلكت طويلا في الواجهة الإعلامية. وهو ما يجعل اختياره أكثر إثارة للاهتمام، خصوصا أن الحزب لم يسنده مهمة هامشية، بل وضعه في موقع يتطلب معرفة دقيقة بالبرنامج، وقدرة على تقديمه، والتفاعل مع مضامينه، والحفاظ على إيقاع المناسبة أمام جمهور متنوع.
وخلال الحفل، بدا واضحا أن الاختيار كان ذكيا من قبل العقل الاستراتيجي للحزب. فقد أظهر البيطار قدرة لافتة على التعامل مع البرنامج، سواء في استيعاب محاوره أو في الانتقال بينها أو في تقديم مضامينه بلغة مباشرة. كما أبان عن حضور قوي وقدرة على التحكم في فضاء التقديم، وهي عناصر تجعل من مثل هذه المهمة اختبارا فعليا للقدرة على التواصل السياسي، وليس مجرد قراءة لوثيقة انتخابية.
لكن أهمية اللحظة لا تتوقف عند الأداء. ففي السياسة، منح شخص مهمة الواجهة هو في حد ذاته شكل من أشكال الثقة. وعندما يتعلق الأمر ببرنامج انتخابي يمثل إحدى أهم وثائق الحزب، فإن اختيار من سيقدمه يعكس، ولو جزئيا، تصورا حول نوعية الشخصيات التي يمكن أن تحمل الخطاب السياسي للحزب أمام الرأي العام.
وهنا تبرز الدلالة الأوسع لاختيار البيطار. فالأصالة والمعاصرة يخوض هذه الانتخابات في سياق أصبح فيه استقطاب الأسماء والوجوه ذات الحضور الانتخابي عنوانا بارزا في التنافس الحزبي. وقد انتقل هذا التنافس إلى المجال السياسي والإعلامي، خصوصا بعد الجدل الذي رافق استقطاب الحزب لعدد من الأسماء المنتمية إلى أحزاب أخرى.
استقطاب الأسماء شيء، وبناء القيادات شيء آخر، لأن الحزب يحتاج إلى مرشحين قادرين على المنافسة في دوائرهم، لكنه يحتاج أيضا إلى شخصيات تستطيع استيعاب مشروعه، والدفاع عن برنامجه، والتواصل بشأن اختياراته، والمساهمة في صناعة صورته أمام الرأي العام.
ومن هنا يمكن قراءة اختيار البيطار باعتباره جزءا من معادلة تتجاوز الحساب الانتخابي المباشر: ليس فقط من يستطيع أن يضيف أصواتا إلى الحزب، وإنما أيضا من يستطيع أن يضيف إليه حضورا سياسيا وتواصليا.
وهذه ربما تكون إحدى الرسائل التي حملها الاختيار. لماذا؟ فالبيطار، بما أظهره خلال المناسبة من قدرة عالية على التحكم في العرض والتعامل بذكاء ومرونة مع مضامين البرنامج، قدم نموذجا لوجه يمكن أن يجمع بين الحضور السياسي والقدرة التواصلية. وهذه التركيبة أصبحت أكثر أهمية في زمن لم تعد فيه البرامج الانتخابية تخوض معركتها داخل الوثائق، وإنما أمام الكاميرات ووسائل الإعلام ومنصات التواصل وفي النقاش العمومي المفتوح.
لكن الرسالة لا تتوجه إلى الرأي العام وحده. هناك أيضا رسالة داخلية تتعلق بمستقبل الحزب. فالدفع بوجوه جديدة إلى الواجهة لا يعني فقط تجديد الصورة، وإنما يمكن أن يكون جزءا من عملية أوسع لإعادة بناء النخب السياسية وإعداد شخصيات قادرة على تحمل مسؤوليات أكبر.
كما ان تجديد النخب لا يتحقق بالشعارات، وإنما بالاختبار. والبيطار حصل، في هذه المناسبة، على واحد من هذه الاختبارات: أن يحمل برنامج الحزب أمام قيادة تنظيمه ووسائل الإعلام والرأي العام، وأن يحول وثيقة سياسية إلى خطاب قابل للفهم والمتابعة.
لقد كان الاختبار قصيرا زمنيا، لكنه ليس بالضرورة قليل الدلالة. فالأحزاب التي تفكر في المستقبل تحتاج إلى أن تمنح بعض وجوهها فرصا حقيقية للظهور وتحمل المسؤولية، لا أن تظل محصورة في مواقع تنظيمية أو أدوار محلية. ومن هذه الزاوية، يمكن أن يكون اختيار عادل البيطار إشارة إلى رغبة في توسيع دائرة الوجوه التي يمكن أن تتحدث باسم الحزب وتحمل رسائله.
ولهذا، فإن نجاح البيطار في تقديم البرنامج لا ينبغي أن يُقرأ فقط باعتباره نجاحا في إدارة مناسبة انتخابية، وإنما باعتباره نجاحا في اجتياز اختبار وضعه الحزب أمامه.
الاستنتاجات النهائية تبقى رهينة بما سيأتي لاحقا. فإذا كان ظهور البيطار سيظل مرتبطا بهذه المناسبة، فسيكون قد أدى مهمة تواصلية ناجحة. أما إذا تكررت مثل هذه الأدوار، وبرز في واجهات سياسية أخرى، وأُسندت إليه مسؤوليات أوسع، فقد يصبح هذا الاختيار جزءا من مسار واضح لإعادة ترتيب مواقع بعض الوجوه داخل الحزب.
وفي كل الأحوال، فإن الرسالة التي يمكن التقاطها من هذه اللحظة تبدو واضحة: الأصالة والمعاصرة لا يريد فقط أن يقدم برنامجا انتخابيا، وإنما يريد أن يقدم معه وجوها قادرة على حمل هذا البرنامج والدفاع عنه والتواصل بشأنه.
وهنا تصبح دلالة عادل البيطار أكبر من حدود شخصه. فالمسألة تتعلق بصورة الحزب عن نفسه: هل يريد أن يبقى أسير الوجوه التقليدية المعروفة، أم أن يفتح المجال أمام جيل جديد من الشخصيات التي تجمع بين الالتزام والكفاءة والاخلاق والحضور؟
ومن ثم، فإن منصة تقديم البرنامج لم تكن فقط منصة لعرض خمسة مواثيق وعشرين التزاما، وإنما كانت أيضا، بشكل غير مباشر، منصة لتقديم وجه من الوجوه التي يمكن أن تشكل جزءا من حاضر الحزب ومستقبله.
واعتقد ان هذه هي الدلالة السياسية الأهم، ذلك أنه حين يختار الحزب من يحمل برنامجه أمام الرأي العام، فإنه لا يختار فقط من يتحدث باسمه اليوم، وإنما قد يكون، بوعي أو من دونه، يختبر من يمكن أن يتحدث باسمه غدا.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.