حين نتحدث عن الأدب، الأدب عموما، والرواية على وجه التخصيص، فإن اسم الروسي فيودور دوستوفسكي (1821-1881) م. يواجهنا جاحظ العينين، كما يواجهنا الفقر والأمية والديكتاتورية في البلدان العربية. إذ يعتبر هذا الروائي، من أهم الروائيين في العالم، وهو من الذين خلدوا أسماءهم في الذاكرة القرائية الإنسانية، على اختلاف من قرأ له، وأين قرأ، ومتى قرأ…ولقد اكتسب دوستوفسكي هذه المكانة انطلاقا من أعمال روائية عظيمة، نذكر منها على سبيل التمثيل لا الحصر: الجريمة والعقاب، الأخوة كرامازوف، الأبله…
إن الذي جعل دوستوفسكي، يخلدُ، في حين غيب الموت كتابا عاصروه، وأتوا بعده، غيبهم جسديا، وأدبيا، في اعتقادنا، هو انتصار الرجل للإنسان، لماهية الإنسان، لتركيبه وتعقده وغموضه. لذلك فكتاباته الروائية، هي في الوقت عينه، كتابات فلسفية ونفسية، ومن هنا، نفهم لماذا اختار الناقد الروسي أيضا. ميخائيل باختين، الاشتغال على أعماله تحديدا، في كتابه المهم. “شعرية دوستوفسكي”.
كل ما أشرنا إليه، ليس جديدا، في الحقيقة، ويمكن للمرء أن يكتب اسم الرجل في محرك بحث جوجل، وسيجد كلاما كثيرا، ينحو نفس المنحى الذي نحيناه. لكن السؤال الذي يهمنا طرحه في هذا الصدد هو.
ما الذي يفعله دوستوفسكي في المغرب؟
أعلم، يقينا، أن السؤال يبدو، في أول الأمر، هزليا، ويحمل في ثناياه مفارقة تشبه مفارقات عناوين كتب المسرحي المغربي، عبد الكريم برشيد. “عنترة في باريس، ابن الرومي في مدن الصفيح…” لكنه سؤال لا يتقصد السخرية، وإنما يقصد البحث عن شكل التلقي المغربي، والعربي، عموما، لأعمال دوستوفسكي.
لمعرفة طبيعة هذا التلقي، يكفي الواحد منا، أن يتسكع قليلا في المواقع الاجتماعية، الفيسبوك، تحديدا، وسيلحظ، دون كثير عناء، أن الكثير من مستعمليه، ينشرون على حائطهم، جملا مقتطفة من دوستوفسكي، كما يفعلون مع محمود درويش، ونزار قباني وأحمد مطر – والذين ينسبون إليهم كلاما، لم يقولوه في الأصل- توظيف يُلجأ إليه، غالبا، لإخبار الآخر، لإيهامه، بأن صاحب المنشور، شخص مثقف وقارئ متمكن، إذ إن الذي يقرأ، لدوستوفسكي، فهو، بالضرورة، قارئ كبير. ويستطيع أن يقرأ لغيره.
هل فعلا نقرأ لدوستوفسكي؟
في ظني، أن أغلب الذين يفعلون هذا، لا يقرؤونه، ودليلي على ذلك، أنك تجدهم يتحدثون عن جمال لغة الرجل وعمقها، ويصفون سلاسة سرده واضطراده، وهم يتحدثون عن رواية مترجمة. وهذا، لعمري، لشيء عجاب. فكيف تصدر أحكاما تخص اللغة الشكل… وأنت لا تقرأ العمل بلغته الأصلية. أي اللغة الروسية، وإنما تقرأ العمل مترجما، لذلك، فإن كثيرا من مثل هذه الأحكام، سببها “سامي الدروبي” المترجم السوري الذي ترجم أغلب أعمال دوستوفسكي. أما الأحكام الخاصة بالتِّيمات والرهانات النصية والرسائل، المباشرة، والمُستترة، فيمكن للمرء أن يخرج بخلاصات حولها، ولا ضير في ذلك.
هذا التعاطي مع أعمال دوستوفسكي، لا يقتصر على رواد المواقع الاجتماعية، بل تجده أيضا في نقاشات الجامعة، أو قاعات الأساتذة (إن حدث وفتح نقاش أدبي في قاعاتهم، وهم أمر نادر الحصول). تجد أحدهم يسألك، أول ما يسألك. هل قرأت، الجريمة والعقاب؟ هل سبق لك وأن قرأت الأبله؟
وإن كان جوابك، بالنفي، اتهمك بالقصور والسطحية، وأن الذي لم يقرأ لدوستوفسكي، لم يقرأ قط…
إن الانتساب للمشاهير، أمر حاصل في كل الميادين، كأن يسألك أحدهم في الرياضة عن ميسي وكريستيانو، وفي الغناء، عن شاكيرا وبوب مارلي، وفي السينما، عن ديكابريو وأنجلينا جولي، وفي السياسة عن جيفارا ونيلسون مانديلا. لكن الأمر، في الأدب، يختلف قليلا، لأنه لا يتوقف عن معرفة الأسماء، وعناوين كتبهم، والتقاط الصور مع مؤلفاتهم. وإنما يتعلق بالقراءة الحقيقة الواعية النافدة للأعمال الأدبية.
*أستاذ وباحث جامعي
كلام صحيح فكم من منتحل لصفة المثقف باستعارة شذرات أقوال وأسماء وازنة لأعمدة الأدب والفكر ما ان تبدأ معه رحلة الغوص حتى يختنق وينفذ بسرعة مخزونه من الأكسجين المعرفي .. نتذكر نحن القدامى المركز الثقافي السوفياتي بالرباط الذي كان مقابلا لمحطة الرباط المدينة والذي حل محله – ويا لسخرية الاقدار – مطعم ماكدونالد .. لم يكن يومها فيسبوك ولا مواقع تواصل اجتماعية كان السائد يومها التهام امهات الكتب من روائع الأدب الروسي الذي يحلق بك ويغوص في آن في اعماق النفس البئيسة وقساوة الوجود .. من مكسيم غوركي الذي اهتم بتصوير معاناة الشعب الروسي إبّان فترة الحكم القيصري الى ليو تولستوي عميد الأدب الواقعي وصاحب الروايات الخالدة " آنَّا كاترينا .. الحب والسلام " والذي كان يدعو الى السلام والاخلاق والمثل العليا فدوستويفسكي احد مؤسسي مذهب الوجودية الذي اشتهرت أعماله بالتحليلات السيكولوجية للشعب الروسي واحباطاته إلخ ، كانت القراءة بالنسبة لنا قد بلغت حدّ الادمان واليوم كلما مررت أمام ماكدونالد وشاهدت مخلوقات هجينة تهرول وتتسكع على بابه تذكرت صور غاغارين والكلبة لايكا وباقي الأيقونات التي كانت تزين واجهة
طبيعة القارئ المغربي وتحديدا القارئ العادي أنه يقتفي أثر الكتب المشهورة ، والشهرة هنا محددة في الأسماء التي يتداولها القراء كثيرا، تجد الكتب التي يصبح الكل يتخدث عنها أكثر قراءة، ثم بعدها تصبح أيقونة خاصة أن من قرأها فهو قارئ مثقف، حتى لو قرأها قراءة سطحية…
هناك كتب جميلة وجيدة ولم تنل حظا من الاهتمام، أنا أعرف أن القارئ المثقف هو من يقرأ كل شيء، وكفى.
شكرا للأستاذ عبد الجليل على المقال الجميل
دوستوفسكي الوحيد الدي يجعلك تتعاطف مع القاتل وتحب المومس وتجد الاعدار للكل اي للانسان و لايصدر احكاما ويجعلك تفكر جيدا وبانك ربما ستقع في نفس المشكل لان من السهل ان نعطي حلولا باسم القيم او حتى الدين لكن النفس البشرية لا تفهمها والادب ليست مهمته ان يعطي نصائح او حلول وهنا تكمن قوة دوستوفسكي الدي فهم اننا ضعفاء في الاصل مهما كانت قوتنا. المشكلة معه عندما تقرا له تتوقف عن القراءة مدة طويلة ىنه من الصعب ان تقرا بعده لغيره.
الاهم في الادب هو العمق لا الصورة او الشكل … فالانتاج الحي للادب يجعله ادبا عالميا.. با عتبار الانسان واحد و الحقيقة واحدة ….
If you want to understand the true history of human beings as a society or plain individuals it is not necessary to fulfill the history books but instead dig deeply into literature written by its ordinary people. But wait a minute, many people like to mention the fact that they know a book called Peace and War written by certain Tolstoy, the problem is how many of them has finished reading the book to the end?